يبدو الموت في طرابلس مجتزأً ومختزلاً، يُشار إليه بثلاث عبارات قصيرة، «أُصيب عن طريق الخطأ»، «أُطلق النار بشكل عشوائي»، «فرّ الجناة إلى جهة مجهولة». فقد وصلت المدينة في السنوات الأخيرة إلى ذروة الفلتان الأمني، حدّ أن يقتل الرجل رجلاً أو طفلاً أو عاملة لا يعرفها بالضرورة، غير أنّ مزاجه في اللحظة تلك كان «معكَّرًا»، أو أنّ أسباباً أخرى شجّعته على قتل مجهولين، وسهّلت له الاختباء حيث لا نعلم.
الجريمة الأولى: نصف دجاجة… نصف حياة
الضحية: الطفل شادي هادي يوسف (12 عامًا)
تاريخ الجريمة: 10 آذار 2025
السبب: إشكال على نصف دجاجة مشوية، أدّى لإصابة شادي برصاصة في الرأس عن طريق الخطأ.
الوقائع: قبل الآذان بخمس دقائق، توجّه شادي ووالده يوسف لمكان لبيع الدجاج المشوي، وقفنا نشتري فروج، وخليت شادي حدّي متل العادة، بس صاحب المحل كان حاطط عالأرض كراتين بيض، هي كانت المسافة بيني وبين ابني، نزلت راسي حتى أشوفن وسألته أديه الكرتونة؟ قطع صوتَ يوسف رصاصٌ متواصل ومباشر نحو المحل، رفع رأسه فور سماعه الصوت، ونادى على شادي الممدّد على الأرض، ما في دقيقتين من وصولنا إلا قتلوه. استقرّت الرصاصة في رأس شادي، كما أصيب شاب آخر يدعى م. ت. في يده. وقد تبيّن أنّ الجاني أطلق النار من مسدّس حربيّ على المحلّ بعد إصراره على الحصول على نصف دجاجة مشويّة رغم نفاد الدجاج.
انتشرت نعوة شادي على امتداد شارع المطران في طرابلس، حيث كان يعمل مع أبيه يوسف في محل لبيع الفلافل. شادي بيشتغل بالمحل من هو وعمره خمس سنين، كان متعلق فيني كتير ولما صار 11 سنة كان يقدر يلبي كل طلبات المحل لوحده، يقول والد شادي مضيفاً كل الشارع بيحبه كتير، ما كان ابني بس، كان أخي وصديقي وأبني. في اليوم الذي قُتل فيه شادي، أصرّ والده عليه ألا يجيء للمحلّ: كان عندي إحساس منو منيح. لكن نحو الساعة الرابعة، اتصل شادي مرارًا، فسمح له والده بالمجيء، فمشى يوسف وابنه للمرة الأخيرة في أسواق مدينة طرابلس، قبل أن يتوجّها لمكان بيع الدجاج المشوي. جنب ابني بالمحل كان في طفلة، لو ما صابت الرصاصة ابني كانت رح تقتل البنت، البنت شو ذنبها؟ وابني صايم شو ذنبه؟ وأنا وأخواته وأمه ليش إنحرمنا منه؟.
الجريمة الثانية: مأساة الموت ومهزلته
الضحية: القاصر أحمد المصول (16 عامًا)
تاريخ الجريمة: 26 نيسان 2025
السبب: خلاف بين شخصين، تبعه إطلاق نار أُصيب خلاله القاصر أحمد المصول فيما فرَّ الجاني إلى جهة مجهولة.
الوقائع: تعرّض الجاني أحمد حسن المصري للشتم من قبل أحدهم، ما أشعل غضبه. فعزم على قتل شاتمه، لكنّه لم يتمكّن من العثور عليه، ما زاد من غضبه، فأطلق النار على أحمد المصول وأبناء عمومته، دون معرفة سابقة بين الطرفين.
يروي عيسى المصول، ابن عم أحمد والذي أصيب بإطلاق النار أيضًا، تفاصيل الحادث: كنت موجود أنا وابن عمي أحمد وأخي، عم نتفق على مطعم نروح ناكل فيه، فجأة صار يطلع رصاص كتير، وصار الصوت يقرب أكتر قمنا ووقفنا ما عارفين وين نروح، وصل الموتير عليه اتنين رجال، اللي كان بإيده السلاح ما كان شايفنا كان عم يتطلع على الشارع التاني، فجأة لمحنا واطلع علينا وبرم السلاح تبعو علينا وقوص علينا.
يقول عيسى أن أحمد أثناء هروبه نظر إليه وقال: وجك مليان دم، وأنا بطني عم يوجعني كتير.
طلب عيسى من أحمد ألا ينظر لمكان إصابته، ورغم أنه كان هو نفسه مصاباً أيضاً، ترك أحمد في المحل وركض يطلب المساعدة: طلعت من المحل عم عيط حتى أهلي ينزلوا من البيت كرمال ياخدونا على المستشفى. بقي عيسى في المستشفى ثلاثة أيام جراء إصابة في الرقبة، من رصاصة لم تنفجر، وأخرى انفجرت جانبها، فخلّفت شظايا في الوجه والرقبة، ورصاصة انفجرت قرب الخاصرة، فيما استقرت رصاصتان في القدم اليسرى، وثلاث رصاصات في القدم اليمنى، كما اخترقت إحدى الرصاصات العظم.
عرفت هدى حمود بخبر وفاة ابنها أحمد من الفيسبوك: شبكة أخبار طرابلس كانت حاطه صورة ابني ومكتوب انه توفي جراء طلقة حربية، وابن عمه مصاب. تطرح هدى سؤال يوسف نفسه، شو ذنب ابني يموت بدون ما نودعه؟… بالوقت اللي أبوه كان بالخدمة عم يخدم الوطن، ابننا كان ميت عالأرض بوطن فيه تفلت سلاح، أكثر شي بقهرني انه ابني قديش توجع لما تفجرت الرصاصة ببطنه؟ قديش انقهر انه ما ودع أمه وأبوه وإخواته، ليش ليصير ابني فجأة صورة ع حيطان طرابلس بمرق حدها وبحترق معها، ليش؟
أحمد إبني بحب ناديه الشقور لأنو شعره أشقر وحلو». بحسب والدته، كان أحمد شاباً رياضياً، يلعب الفوتبول والبوكسينغ، حصل على بطولات في كلتا الرياضتين، وهو تلميذ ثانوية، يصبو للتخرّج والحصول على معدّل عالٍ، كي يستطيع الانتساب للكلية الحربية، «يضل يحلم ومنو قادر ينطر حتى ينخرط بالسلك العسكري، ويتخرج ضابط بالجيش.
الجريمة الثالثة: الزبون الأخير… الرصاصة الأولى
الضحية: محمد عبد الستار «أبو العبد» (62 عامًا)
تاريخ الجريمة: 11 تموز 2025
السبب: اشتباك بين مسلّحين أدّى لإصابة أبو العبد برصاصة عشوائيّة في الرأس.
الوقائع: أثناء ممارسة أبو العبد عمله كبائع كعك في سوق الذهب، أُصيب بطلقة، وتوفّي بعد نقله للمشفى وهو في حالة حرجة جدًا.
يقول ابنه عبد الستار: أبي بيبيع كعكة الجبنة على هالبسطة من تلاتين سنة، بيشتغل بنفس المكان دايمًا، معروف بين أهل المنطقة والكل بيحبه، البسطة هي مصدر رزق أبي الوحيد بيشتغل لحتى يعيل الوالدة ويطلع لقمة عيشه. ويكمل لميغافون قتلوا أبي وهو واقف عم يبيع على البسطة، قتلوه تحت بيته دغري، أنا سمعت صوت رصاص كتير، ولما طلعت على البلكونة شفته، كان واقع بالأرض، أنا اللي أسعفته ونقلته بسيارتي عالمشفى.
الجريمة الرابعة: موت تحت الطلب
الضحية: الشاب عزام أبو ليلى (36 عامًا)
تاريخ الجريمة: 27 أيار 2024
السبب: إشكال داخل مقهى تطور إلى إطلاق نار، وإصابة أبو ليلى عن طريق الخطأ برصاصة في البطن.
الوقائع: وقعت الجريمة قرب سوبر ماركت «هوز مول» في محلة ضهر العين، حين سمع أبو ليلى صوت تحطيم الطاولات في المقهى المجاور، وقد تبين أن عمّ المدعو خالد المحمد قد استأجر المقهى منذ فترة ويديره، وبناءً على خلافات سابقة بين الطرفين، فقد توجه المحمد ومعه ثلاثة من أصدقائه إلى المقهى وباشروا بتحطيم محتويات المكان. أبو ليلى الذي يعمل حارسًا في «هوز مول» ركِب الدراجة النارية، وتقدّم نحو المقهى، ليفاجأ بدراجة نارية عليها شخصان، تقف في وسط الشارع، يُخرج أحدهما سلاحًا ناريًا ويطلق النار نحو أبو ليلى تمامًا.
قُتِل أبو ليلى وترك خلفه ثلاثة أطفال، أكبرهم يبلغ اليوم ثماني سنوات. يقول أخوه لميغافون كان عمله الوحيد هاد، ويشتغل ليأمن المتطلبات المعيشية، أولاده محتاجينه شو بدنا نفهمهم؟
تفاجأت العائلة بخبر مقتل أبو ليلى، وبما أن الخبر لا يجيء متوقعًا أبدًا، فقد انهارت الأسرة إثر غيابه، دقوا علي الباب الساعة 2 بالليل قالوا أخوك تقوص ببطنه، أنا فورًا طلعت على مستشفى هيكل، وعلى وجه الصبح الله أخد أمانته، بس لليوم مني قادر أتقبل موت أخي.
القاتل بيقول كان بدي فزعه!
بس ما فزعه لأخي، قتله بالنهاية… قتله.
الجريمة الخامسة: القاتل لا يعرف ضحيّته
الضحية: الشاب عبد الرحمن العمر (33 عامًا)
تاريخ الجريمة: 22 كانون الثاني 2022
السبب: إطلاق نار عشوائي، بسبب نزاع سابق بين مطلق النار وأحد أصحاب المحال.
الوقائع: أطلق المدعو إيهاب رعد عيارات نارية عشوائية باتجاه مقهى في محلة التل، قرب مبنى البلدية، أصابت إحداها قدم عامل، قبل أن يركب دراجته النارية ويبتعد عن المكان مسافة 25 متراً، ويعود مرة أخرى رافعًا سلاحه على طول الشارع، حيث كان يمشي عبد الرحمن العمر.
بحسب عائلة الشاب، فإن العمر كان برفقة زوجته، وطفلته ذات العشرة أشهر. يقول أخوه أخي كان رايح على السوق حتى يشتري مارش بيبيه لبنته، امي عم تحضر الاكل حتى نتغدى كلنا سوا. سار العمر وعائلته مسافة ثلاثة محلات، قبل أن يبدأ إطلاق نار، يكمل أخوه، لما بلش الإشكال أخي أعطى بنته لزوجته ودخلهم على قهوة جنب المخفر، خباهم جوا ووقف هو على باب القهوة، بس وقف صوت الرصاص، طلع عبد الرحمن من المحل حتى يتطمن، والناس كلها بلشت تتحرك مكانها، مشي أخي خطوتين وتفاجأ انو رعد رجع مرة تانية، عم يقوص صيابي (متعمدًا أن يصيب شخصًا) على طول الشارع، اجت الرصاصة بعين أخي وطلعت من راسه.
بعد إصابة عبد الرحمن، خرجت زوجته من المقهى، وعلى يدها طفلتهما الوحيدة، رأته ممدّدًا على الأرض، والدماء تفيض من وجهه. زوجته أجتها حالة هستيرية بس شافته متوفي قدام المحل، وقعت من طولها. ويتابع أنا مريض سكري هلق، بسبب اللي صار أول ما تلقيت الخبر دخلوني على المستشفى بسبب انهيار عصبي، اليوم أنا مريض سكري دائم اقل يوم بيوصل السكري معي لـ300 و350.
تعتذر والدة العمر عن المقابلة فقد خضعت بداية الشهر الماضي لعملية ميل في القلب، امي بعد أسبوع من وفاة اخي عملت عملية قلب ولهلق عندها مشكلة بالرئة بتضل تعبّي مي وعضلة القلب تعبانه، برمضان عملت عملية ميل للقلب، يعني صار عنا أمراض مزمنة ومشكلة نفسية. بعد وفاة العمر، عرفت زوجته أنها حامل بصبي، ابنه لأخي اليوم ما بيعرف أبوه، وأخي ما بيعرف لا ابنه ولا قاتله.
يختتم العمر حديثه، بجملة واحدة: أهل القاتل بتعرفي شو قالولي؟
هو كان معصب بس منو قاصد يقتل أخوك.
انو هو بدو يقتل، بس بالمعنى المجازي مش أخوك.
المسار القانوني
عند حدوث جريمة قتل، تتحرك النيابات العامة والقوى الأمنية. يتقدم عادةً أهل الضحايا بصفة الادعاء الشخصي ضد القاتل، وكل من قد يُظهره التحقيق فاعلًا أو شريكًا أو محرّضًا. لكن سواء تقدم أهالي الضحية بصفة الادّعاء أم لا، تسير التحقيقات في سبيل الحق العام، ويجري الاستماع إلى كلا الطرفين. إذا لم يكن المتهم موقوفًا، تُباشَر ملاحقته ويُستصدر بحقه بلاغ تحرٍّ من الجهة المختصة، سواء الفصيل المعني أو مفرزة تحرّي طرابلس أو الجهة التي تتولى التحقيق. وفي حال كان فارًّا من العدالة، تُصدر مذكرة توقيف غيابية بحقه، أما إذا كان موقوفًا فتُصدر مذكرة توقيف وجاهية. ومن ثم يُحال الملف إلى محكمة الجنايات، حيث يُحدَّد توصيف الفعل الجرمي، سواء أكان قصدياً أم عمدياً أم ناتجًا عن خطأ. والفارق بين النوعين، كما يوضحه المحامي محمد حسنة لميغافون، هو أنّ القصدي هو مشكل فوري حدث فيه إطلاق نار ووفاة نتيجة إطلاق الرصاص، العمدي يعني هناك تخطيط مسبق مع سبق الإصرار والترصد.
العائق الأوّل: التقصير المؤسّسيّ
رغم وضوح المسار القانوني، يحول التقصير المؤسسيأ حياناً دون حصول أهالي الضحايا على العدالة، وغالباً ما يبرز ذلك في التأخير بالبحث عن الجاني.
هكذا أفلت القاتل أحمد حسن المصري من العقاب. فبالرغم من التقاط كاميرات مراقبة عديدة، مشاهد واضحة تظهر ارتكابه وأخويه الجريمة، تأخرت العدالة وانتهت بـ«فرار القاتل إلى جهة مجهولة».
تؤكد والدة الضحية أحمد المصول أن الدولة تعاملت ببطء شديد وإهمال، ولم تجرِ أي مداهمات حقيقية أو بحث جادّ عن القاتل، وتضيف الدولة تعاملت مع القضية مثل باقي القضايا بالمدينة، كأنو ابني رقم، مجرد ضحية للرصاص العشوائي. من جهته، يؤكد المحامي محمد حسنة الذي تسلّم دعوى المصول، أنّ الجريمة تُعتبَر قتلاً عن قصد، لأن القاتل رأى أحمد وأبناء عمومته وأطلق النار عامدًا. رغم ذلك، لا يزال القاتل متوارياً عن الأنظار، فيما تم القبض على إخوته، حيث يعتبران مشاركيّن في الجريمة بحسب القانون الجزائي اللبناني، ولا نملك أي معلومات إن كان أحمد في لبنان أم خارجه.
الجدير بالذكر أنّ القاتل أحمد حسن المصري ذو سوابق، حيث سُجن لمدة خمس سنوات بتهمة تجارة السلاح والمشاركة «لوجسيتيًا» في عملية قتل، إذ قُتل شرطي بلدية في كفرتون- الكورة، بسلاح أعطاه المصري لصديقه لتنفيذ الجريمة. كما يؤكد رئيس نادي سلام زغرتا حيث كان المصري لاعبًا، أنه جرى توقيف المصري من قبل مخابرات الجيش اللبناني، بسبب تهم تتعلق بالإرهاب، وقد خرج المصري من السجن في عام 2024، وبعد أشهر عديدة ارتكب جريمة قتل الشاب أحمد المصوّل.
العائق الثاني: عن عدالة الـ VIP
إضافةً إلى التقصير المؤسّسي، تتنازع العدالة قوى اصطراع لا نهاية لها، أشدها السياسيون، حيث يحاول كل سياسي أن يغطي على رجاله، أو عالأقل يؤمن لهم أحكاماً مخففة. فتصير «المحسوبيات» نتاجاً طبيعياً للتدخلات والوساطات السياسية، وتعجَز عائلات الضحايا، كطرف غير محمي «بما فيه الكفاية»، عن مقاومتها، وعن الحصول على القصاص العادل. ففي العقاب والقصاص، كما في العدالة والحقوق، تفتح التدخّلات السياسية باباً للتمييز.
حاولت عائلة أبو ليلى، مثلاً، أن لا يفلت المعتدي من العقاب، وأن تسير العدالة حتى آخرها رغم الوساطات السياسية. بعد ثلاثة أيام من مقتل عزام أبو ليلى، أعلن الجيش اللبناني توقيف خمسة أشخاص على ذمة التحقيق، وهم الأفراد الذين حطموا محتويات المقهى، ولم يكن من بينهم القاتل أو سائق الدراجة، يقول أخو الضحية لميغافون يعني بدايةً أنا كنت رافع الدعوى ضد مجهول، بعدين عرفت القاتل وسائق الدراجة ورفعت عليهن قضية.
قضى بالفعل المعتدون بالعصي على القهوة محكوميتهم، فيما تم إلقاء القبض لاحقًا على القاتل وسائق الدراجة النارية بسام الكردي الموجود اليوم بسجن القبة. لكن لم يصدر حتى الآن مدة محكومية الإثنين، فبحسب أبو ليلى، القاتل مدعوم من زعيم طرابلسي، لهيك متواجد في سجن بمنطقة البترون معزز مكرم، واللي بدو ياه بيوصله. وسجن البترون، وفق ما يؤكد مصدر خاص، هو من السجون الـVIP، مقارنةً بباقي السجون في المدينة. أنا بدي القاتل يتحاسب مشّ ينسجن 11 أو 12 سنة، بدي القضاء ياخد مجراه لآخر المحكومية، بدي حكم عادل، يضيف أبو ليلى.
العائق الثالث: الدم غالي… الدم تقيل
إلى جانب التدخّلات السياسية، تعمل طبقة قوامها رجال الدين والمصلحون وفاعلو الخير على إنهاء القضايا بـ«الدية»، سواءً بإقناع عائلات الضحايا بها أو بالضغط عليهم، لكن التدخل هذا لم يكن كافيًا ولا مرة، لضمان حصول العائلات على حقها كاملاً.
قانونيًا، في حال اتخذ أي مدّعٍ قرار إسقاط الدعوى عن القاتل حتى يتحصل على الدية، فإن هذا لا يلغي عقوبة الحق العام التي تصل بأقل الأحوال إلى 15 سنة وأحيانًا لـ25 سنة في قضايا القتل. يؤكد حسنة لميغافون، ربما لما يشوف القاضي أن الطرفين تصالحا (نتيجة الدية) واسقط المدعي الدعوى، قد يأخذ ذلك بعين الاعتبار وتخفض العقوبة بحوالي 5 لـ10٪، لأنّ في قضايا القتل العمدي حتى إسقاط الدعاوى لا يقي من السج»، ويؤكد بأن الترويج لمعتقد أن إسقاط الدعوى يعني خروج القاتل، هو أمر لا يصح لا قانونيًا ولا بأي منطق، هذا منطق عشائري.
رغم ذلك، تتعرّض عائلات الضحايا للضغوط من أجل إسقاط الدعوى ضدّ القاتل. وهذا ما حصل مع عائلة العمر التي اضطرت لإسقاط الدعوى ضدّ إيهاب رعد.
بحسب العمر، فإن عائلة رعد سلمت ابنها لمخابرات الجيش اللبناني حيث بقي موقوفًا نحو 15 يومًا، قبل أن يتم تحويله إلى فرع المعلومات بعد انتهاء التحقيق، وإلى الجهاز القضائي أخيرًا، وقد مارست العائلة والشارع الطرابلسي كل الضغوطات الممكنة لأجل إسقاط الدعوى قبل أن تصدر المحكمة الحكم. يقول العمر لميغافون، كانت عيلته موعودة يطلع ابنها بسرعة، وبقيوا يضغطوا علينا انو لو ما عطيتونا إسقاط حق فيكن وبلاكم هو رح يطلع، يعني هو طالع بالحالتين شو بتقدروا تعملوا يعني؟ لم يكن لعائلة العمر مشيئة في موت ابنها، وفي محاولة ترجيح كفة العدالة الكاملة، اختل الميزان للمرة المئة في المدينة، العائلة باتت تعرف أن القاتل في السجن قد يخرج، وهو ما لا يمكن تحمله، لأنها ستضطر حينها لتحصيل العدالة في غير مسالكها.
أمام هذه الضغوط، يبرز القبول بـ«الديّة» باعتبارها من شرع الله. اللافت أنّ الحكم الشرعي يقضي بإجبار القاتل على دفع الدية سواء أُسقطت الدعوى أم لا، لكن الأعراف التي تحكم المدينة، تجبر ذوي الضحية على الاختيار. لذا توجه العمر إلى المفتي الذي نصحه انت عم تظلم ولاد اخوك لو ما بتخليهم ياخدوا الدية لانو ما عندك قدرة تعوضن عنها وهي حقهم. وقد وافق العمر بعد هذا كله على إسقاط الدعوى والقبول بحكم المفتي الشرعي، بعد تفويضه عند كاتب العدل، حيث قضى المفتي بشراء عقارين في نفس المنطقة التي كان يسكنها العمر، يتراوح سعر العقارين بين الـ170 الف والـ200 الف، لكنّ أهالي القاتل راوغوا في تنفيذ الحكم، وانتهى الأمر بأن دفعوا 70 ألفاً من أصل المبلغ، مما لم يمكن عائلة العمر من شراء عقارين، فاضطروا لشراء عقار واحد وفي منطقة غير التي نص عليها الحكم.
يُتابع قاتل أبو العبد أيضًا محاولة دفع الدية، عن طريق «وسيط»، باعتباره فارّاً اليوم من العدالة، بتهم لا تتوقف عند قتله السقا بل تصل لجرائم أخرى. يقول عبد الستار، ابن أبو العبد، رفعنا دعوى على القاتل من حوالي ثمانية أشهر، خبرنا القاتل انو بدو يدفع الدية، قلناله بس تدفع الدية منعمل إسقاط للدعوى… هو هربان، وما حدا بيعرف وينو. وعلى الخط نفسه، يؤكد يوسف والد الطفل الشادي أن «الشارع الطرابلسي» يضغط عليه لأجل تخفيض الدية التي تصل لـ70 ألف دولار، لكنه يرفض.
في المقابل، يؤكد أبو ليلى أنّ بعض الأشخاص حاولوا التوسط من أجل المصالحة وجعل الجريمة تتنحى إلى «الصلحة» ودفع الدية، بينهم نائب عن المنية وآخر عن عكار حكوا معي حتى أرضى بالدية، بس أنا وعائلته وعشيرته لعزام أبو ليلى منرفض الدية، مطلبنا ما يطلع من السجن، وما تتخفف محكوميته.
الأمن المستحيل: بين القانون وانتشار السلاح
جاء لبنان في المرتبة الثانية عربيًا والتاسعة عالميًا، بين البلدان الأكثر انتشارًا للسلاح بين مواطنيها، وقد بلغ عدد قطع السلاح في حوزة كل 100 مدني حوالي 31.9 قطع، ما يعادل 1.6 مليون قطعة سلاح، يتراوح معظمها بين حربي وكلاشينكوف بحسب دراسة لمنظمة Small Arms Survey. وقد سجل عام 2024 حوالي 4,518 بلاغًا لإطلاق نار، ويُعتقَد أنّ هذا الرقم ضئيل لأن معظم الحالات لا يتم التبليغ عنها.
مدينة طرابلس، بالتحديد، عرفت أحداثًا صغيرة وكبيرة، ساهمت في ترسيخ العنف وإبقاء السلاح بل وتزايد كمياته بعد كل جولة. في عام 1975 أعلنت الجرائد اللبنانية طرابلس (مدينة المطلوبين) بعد عصيان مسلح دام في المدينة لمدة عامين، انتهى باعتقال أحمد قدورة ومجموعته، بعد معارك عنيفة. لاحقًا عرفت المدينة ما سُمي بمعركة طرابلس في أوائل تشرين الثاني 1983، حين أطلق الأسد الحصار على المدينة بعشرة آلاف جندي وقصفها بالحمم مدة عشرين يوماً، لأجل إسقاط منظمة التحرير المترأسة حينها بياسر عرفات، فسقط الآلاف في المدينة وفي مخيم البداوي ونهر البارد. وقد امتد الصراع بين محوري باب التبانة (السنة) وجبل محسن (العلوية) جولات قتال واشتباكات عنيفة، في فترات متفاوتة، أشدها ما بين عامي 2008 و2014، وقع خلالها أكثر من 200 قتيل وحوالي ثلاثة آلاف جريح، وتوصف هذه الفترة بالذروة والسقف للتفلت الأمني في المدينة، حيث دخلت إليها جماعات متشددة، أفضت إلى تفجير مسجد التقوى والسلام عام 2013، تلاحق هذا بالثورة اللبنانية التي رفع فيها الطرابلسيون لافتات «ثورة الجياع»، وقد صار الفقر والسلاح ديدن المدينة الحديث.
لكنّ انتشار السلاح المتفلّت لا يتعلّق بتاريخ المدينة وحسب، بل أيضاً بثغرات في القانون اللبناني. ذلك أنّ لبنان في قانون العقوبات، وفي قانون الأسلحة والذخائر، يصنف حيازة السلاح وإطلاق النار، كجنحة فقط. يقول حسنة لميغافون، وطالما هو جنحة هذا يعني أن العقوبة هي السجن لفترة قصيرة أو غرامة، يجب تعديل هذا القانون، كيف يتم ضبط أسلحة ورشاشات بحوزة شخص ثم يطلق سراحه بـ20 أو 50 دولاراً؟ أو إيقافه اياماً معدودة فقط؟ أو مصادرة السلاح فقط؟.
تطالب عائلات الضحايا بتعديل عقوبة حيازة السلاح فيما ينص عليه قانون الأسلحة والذخائر والذي تحاكم عليه المحكمة العسكرية، وترجو تصنيفه أكثر من جنحة، ووضع الحد الأقصى من الغرامة والسجن جراء ارتكابه. يتابع حسنة غرامة حيازة السلاح جدًا زهيدة، لا يجوز هذا، أن القانون بشكله الحالي لا يشكل ردع لمن يحوز السلاح ولا يشكل ردع لمطلق النار، المطلوب تعديل القانون، أن يجتمع مجلس النواب ويشرع بتعديل القوانين الجزائية، كل دول العالم الأول والثاني والثالث تعتبر حيازة السلاح وإطلاق النار، جرائم جنائية إلا في لبنان هي جرائم جنحية.
أنتجت هذه المادة ضمن فترة الدراسة في «الأكاديميّة البديلة للصحافة العربيّة».