الناكبون والمتصدِّقون
عناوين مثل «انهيار مبنيَين في طرابلس» وكل ما شابه ذلك من أخبار في السنوات السابقة، تستدعي مشهداً أبوكاليبتياً: مدينة شاسعة تنهار كما هي، تهوي على رؤوس قاطنيها، والكلّ مشرّد أو مرعوب من احتمال أن يجد نفسه فجأة تحت أنقاض ما يُفترض أنّه «مأوى».
ولكن بالحقيقة، هذا الواقع لا يطال «كلّ الناس»، ولا يطال «كلّ طرابلس»، وهو يندرج ضمن صورة أشمل تُسوَّق عن المدينة منذ زمن. فقبل انهيار المبنيَيْن، درَجَ استخدام مصطلح «طرابلس المنكوبة»، استناداً إلى مؤشّرات اقتصاديّة تقيس مستويات الفقر والسكن والتعليم. آخر تلك الدراسات الصادرة العام 2015 أشارت إلى أنّ 57% من أهالي طرابلس فقراء ومحرومون، و35% يقطنون في مساكن غير لائقة. لكنّ مستوى الفقر يبلغ ذروته في منطقة التبانة والسويقة ليطال 87% من العائلات، في المنطقة نفسها التي انهار فيها المبنيان. لكن، بدلاً من أن تساهم هذه الأرقام في إعلان حالة طوارئ في المدينة، استُخدِمت استخداماً خبيثاً للتطبيع مع الفقر بدلاً من مكافحته. فصارت المدينة مرادفاً للفقر الملازم لها، كما لو أنّه وباء أصابها صدفةً ولا علاج له.
غالباً ما يقال عن سياسيّي طرابلس، خصوصاً الأثرياء منهم، أنّهم لم يفعلوا شيئاً للمدينة. الواقع أنّهم فعلوا، وفعلوا كثيراً. فالمدينة لم تسقط بسبب الإهمال والنسيان، بل بسبب السياسات المتعمّدة تجاهها. المدينة لم تُترك للفقر لينهشها، بل أصرّ سياسيّوها على التأكّد أنّ سكانها يعيشون في الفقر، ويستمرّون بالعيش في الفقر. نهبوا مساحاتها العامة. سيطروا على مجالسها البلدية ليشلّوها. عيّنوا رموز الفساد محافظين على رأسها. لاحقوا القيّمين على مستوصفاتها. سلّموا أحياءها إلى فتوّات سلّحوهم وموّلوهم ليكملوا سيطرتهم على سكّانها. المئات من أبنائها في السجون لا أحد يعرف ما تهمتُهم. لا بل مُنعت عنهم المحاكمة حتى لا تنكشف فضيحة زجّهم في السجون طيلة هذه السنوات. استُخدم اعتقالهم لتأكيد هيبة الأجهزة الأمنية في حين كان المستوى السياسي المسؤول عن تلك الأجهزة يموّل المسلّحين.
لم نكن بحاجة إلى سقوط مبانٍ. نعرف منذ زمن أنّ عشرات المباني في طرابلس آيلة للسقوط. نحن أمام وقائع جريمة معلنة لا أحد يريد أن يدلّ بإصبعه على المجرمين الذين يتنطّح بعضهم اليوم ليتصدّق على الضحايا.
واقع المباني وأسباب الانهيار
عند الحديث عن مبانٍ تسقط، وعوض المساهمة في خلق حالة الهلع، من الأجدر التوقّف عند هذه المباني المتداعية وتحقيبها:
- بعض المباني المهدّدة شُيّدت ما قبل سبعينات القرن الماضي، وغدت اليوم «عماراً قديماً»؛
- بعضٌ آخر شُيّد على عجل خلال الحرب الأهلية اللبنانية من دون دراسات إنشائية فعلية، عدا عن أثر الحرب نفسه على هذه المباني، والذي طال مناطق محدّدة داخل طرابلس أكثر من سواها؛
- بعضٌ آخر بُنيَ ما بين التسعينات والـ2005، والمقصود تاريخ صدور مرسوم السلامة العامة، أي أنّها لم تستوفِ بالضرورة شروط المرسوم؛
- ثم عاشت هذه المباني كلّها جولات من الحروب في طرابلس حتّى سنة 2015؛
- كما خضع بعضٌ آخر، وفي أوقاتٍ متباينة، إلى إضافات لم تلحظها الأسس الإنشائية للمبنى؛
- ثم تضعضعت كل المباني المذكورة نتيجة زلزال سنة 2023؛
- إلى جانب تأثّر أسس بعض المباني بالبنى التحتية للمدينة، تحديداً لناحية الصرف الصحّي.
أبعد من التأريخ والتحقيب، تكشف هذه النقاط واقعاً منكوباً أصاب أحياء المدينة، بمواقع مختلفة وبدرجات متفاوتة. ولكن رغم كارثيّة ما مرّ على هذه المدينة، فهو بذاته غير كافٍ كي تسقط المباني بهذه الوتيرة. مثل هذه «الخضّات» تحصل في كلّ مكان، وغالباً ما يُعاد تأهيل المباني من بعدها.
غياب ثقافة الترميم وفُرجة الأمن السكنيّ
ولكن ببساطة، لم يُعَد تأهيل المباني. المحرّك الأساس لتحويل «احتمال السقوط» إلى سقوطٍ محتوم، هو تغييب ثقافة الترميم وصيانة المباني. سؤال الترميم يُقحَم عادةً في خانة البيروقراطيّات الرتيبة، عوض التعامل معه كأداة بإمكانها أن تنقذ أرواحاً.
في مثل هذه الحالات، تتقاذف الجهات المعنية المسؤوليات، بدءاً من لوم قانون الإيجارات (حتّى أنّ الكارثة الأخيرة التي أودت بحياة 14 شخصاً، تحوّلت إلى فرصة كي يُعيد كل طرف طرح تعديلاته على القانون بما يحسّن وضعه). فمن جهة، يتحمّل المالك مسؤولية الترميم، ولكن نظراً لتدنّي قيمة المأجور، يغضّ نظره عن هذه المسؤولية. أما المستأجر، فهو غالباً معدم الأوضاع، ولا يمكنه تحمّل أعباء الترميم. هذا عدا عن المناطق المصنّفة تراثية، والتي تخضع لقواعد أشدّ صرامةً في الترميم، وبالتالي أكثر تعجيزيّةً.
أمام هذا الحائط المسدود، يمنح مرسوم السلامة للبلدية أداةً محدودة بدورها، حيث يمكنها إرسال إنذارات للإخلاء والمباشرة بهدم الأقسام التي تهدّد السلامة العامة. ولكن هذا سيناريو، بطبيعة الحال، غير عملي، إذ يصعب الإخلاء من دون تأمين بديل. جهات مثل مجلس الإنماء والإعمار أو حتّى نقابة المهندسين، ليس لها مسؤوليات بالمعنى المباشر عند انهيار مبنى ولكن بالمقابل تملك صلاحيات لاستباق مثل هذه الأوضاع، لناحية التخطيط والتوجيه، ومعالجة بيئات السكن المتدهورة.
هكذا، تصبح الدولة متفرّجاً على الأمن السكني لمواطنيها، وتزداد الفرجة واللامبالاة نظراً لمنطقةٍ تقع في «الأطراف». في نهاية المطاف، يُنظر إلى سؤال الترميم بوصفه عبئاً مادّياً، نظراً لحالة الأفراد المادّية المُعدمة، ونظراً لتبخّر ميزانيات البلديات ما بعد الانهيار.
أبعد من تحديد المسؤوليات، تكشف هذه البنود أنّ المشكلة ليست تقنية بحتة، بل هي مشكلة بنيوية تتعلّق بنظرة الدولة وأجهزتها للعمارة، وجعلها سقوط المبنى أسهل من ترميمه. وذلك تحت ثقافة أوسع، تجلّت في حالات تاريخية، من الهدم حيث كان من الممكن الترميم، ثم الإعمار بمنطقٍ ينتج أرباحاً أعلى من تلك الشقق المتداعية.
إجراءات الدولة والحقّ في السكن
بعد أن سقط مبنيا التبّانة، اتّخذت الدولة اللبنانية سلسلةً من الإجراءات، منها البدء في إخلاء 114 مبنىً مهدّداً بالانهيار وتأمين بدل إيواء للعائلات لمدّة سنة، وإدراج هذه العائلات ببرامج الدعم الاجتماعي، بالإضافة إلى إنشاء البلدية صندوق تبرّع للترميم— سرعان ما تحوّل إلى حملة انتخابية وما يُشبه منّةً يغدق بها أثرياء المدينة على فقرائها. أخيراً، تحرّكت الدولة. ولكنّها تحرّكت بعد وقوع كارثة كان الجميع يعلم أنّها موجودة. حتّى قبل سقوط المبنيَين، أُفيد عن حاجة 700 مبنى إلى كشوفات بسبب تردّي حالتها إلى درجةٍ يجعلها عرضة للانهيار، من دون أي تحرّك من الدولة تجاهها.
هذه الإخلاءات اليوم تبقى منقوصة، إذ لا تحدّد مساراً واضحاً للعودة، ولا لمعالجة الأزمة من أساسها. من هنا تجدر إعادة تعريف «السكن البديل»، بما ينتقل «من مبدأ تأمين غرفة مؤقّتة أو بدل إيجار زهيد إلى حق في سكن لائق ومستقرّ، مع ضمانات مكتوبة بحقّ العودة إلى مبانٍ مُرمَّمة فعليًا أو إلى بدائل لا تقلّ عنها أماناً».
أنفقت جهات كثيرة الأموال على مشاريع شكلية في طرابلس، ليُقال فقط إنّ هذه المنطقة ليست غائبة عن عين الدولة أو الجهات الدولية. مجلس الإنماء والإعمار قام بعدد من المشاريع في طرابلس، معظمها يشوبه الفساد أو لم يكن أساسياً أمام واقع المدينة، بحسب ما يفيد المهندس خالد تدمري، ومنها: سقف نهر أبو علي بمبلغ 22 مليون دولار؛ وإنشاء محطّة تكرير كلّفت أكثر من 60 مليون يورو ولكنّها لم تشتغل حتّى اليوم؛ الاهتمام بواجهات خارجية لأبنية مترهّلة في ضهر المغر بكلفة تزيد على 30 مليون دولار؛ بالإضافة إلى مشاريع الهيئة العليا للإغاثة ما بعد جولات الحرب الأهلية في طرابلس التي اقتصرت على الواجهات لا على الأساسات… كل هذه المبالغ لو استُثمرَت وفق مخطّط شامل يضع سؤال الترميم والحقّ في السكن نصب عينيه، لكان من الممكن إنقاذ الناس، ومدينتهم.
أبعد من أداء الدولة ما بعد الكارثة، أزمة سقوط المباني ليست أزمة مُباغتة تظهر فجأة، لا تظهر من عدم، بل امتدّت لعقود، وكان من الممكن بكل بساطة تفاديها.