«شو بعبع هو نتنياهو؟»
من محاسن الحظ أن يكون السفير الأميركي لدى لبنان متحدّثاً باللغة العربية. هكذا، لا نضطر إلى ترجمة وتأويل تعليقاته، فهي ترد مباشرةً بفجاجتها، مثل: شو بعبع هو نتنياهو؟ عبارة قيلت ردّاً على تعليق أحد الصحافيين في الغرفة، حول إشكالية حضور نتنياهو في زيارة الرئيس عون إلى واشنطن.
بيد أنّ هذا الاستفهام البلاغي الذي رماه السفير ميشال عيسى– متجهّماً من الحذر اللبناني حيال نتنياهو– بدا بالحقيقة أقرب إلى سؤالٍ يُفترَض الإجابة عنه: نعم، بعبع هو نتنياهو. بعبع دامي اليدَين أيضاً. وأمام ما جرى في السنوات الثلاث الأخيرة فحسب (كي لا نعود إلى الوراء أكثر)، سيبدو من السخف تحويل جرائم إسرائيل إلى نقاط كلام ومحاججة في السياسة، للردّ على عبارة «شو بعبع هو نتنياهو؟»، وكأنّه من العادي أن يُقتل مَن قُتل ويُحتلّ ما احتُلَّ– ليس في لبنان فقط– من دون المحاذرة قيد أنملة قبل التقاء المجرم المطلوب دولياً.
رمى عيسى تعليقه بخفّة، كأن على الحديث مع نتنياهو أن يكون بالفعل خفيفاً إلى هذه الدرجة. الرجل، في نهاية المطاف، ليس بعبعاً. ومن المفترض أن يكون التعامل معه «عادياً». فالدبلوماسية تفترض لقاء «البعبع»، ولا تعترف بالاعتبارات «الطهرانية» أو «الأخلاقية»، وجلّ ما يقف في دربها الآن هو نوع من «تابو». وهكذا قرّر سفير أقوى دولة في العالم، كسره.
«آن وقت كسر المحرّمات»
معظم المواقف الداعية إلى التطبيع تستعين بهذه المقدّمة. نقرأ هنا وهناك أنّه «آن وقت كسر المحرّمات»، ويصوِّر المطّبعون أنفسهم على أنّهم أجرأ من غيرهم، وأنّهم «يتحدّون تابو» حكَمَ السياسة في لبنان لعقود من الزمن. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قالت صحيفة «نداء الوطن» أن اللقاء كسَر على المستوى الرسمي الـ«تابو» الذي كان يمنع سابقًا مجرد التفكير بالتفاوض مع إسرائيل، كما أكّد الأمين العام لحزب الكتائب سيرج داغر أن حديثنا عن السلام لكسر «التابو». دخلنا إذاً في موسم كسر «التابو»، حيث يصوَّر كل رافض لهذا الموقف أو حتّى كلّ متردّد، على أنّه «خشبي» أو «متحجّر» أو حتّى «موهوم»، أو يُختزَل إلى مجرّد تابع لحزب الله، بتسطيحٍ إضافي يعتبر كلّ موقف متريّث تجاه المفاوضات المباشرة هو نفسه الموقف المتماهي مع حزب الله.
أمّا آخر هذه «الجرأة»، فكان جواب الطامح إلى وراثة النيابة، مجد بطرس حرب، الذي أكّد أنّ طموحه زيارة تل أبيب بعد السلام، ليرميه المُحاور بسؤال: يعني ممكن نشوف يوماً ما مجد حرب عم يشرب بيرة بتل أبيب؟، ليأتي الجواب: ليش لأ؟. وسرعان ما تحوّلت هذه القفشة إلى ترند، حيث كرّرت المنصّة التي استضافته السؤالَ على مواطنين في الشارع، وقدّمت فيديو جديداً مبنياً على حجج الـcherry picking، حيث اختيرت مجموعة تتّفق على السؤال، وصُوّرت على أنّها تمثّل الشعب اللبناني.
وتُضيف مواطنة أخرى، أنّها تشعر بتشابه مع الشعب الإسرائيلي الذي مثلنا، يحبّ أن يحتفل. هكذا يُختزَل سؤال التطبيع مع كيانٍ إبادي إلى مجرّد رغبة باحتساء البيرة والاحتفال. وقد وجدت هذه الحمّى طريقها إلى الشاشة، حيث صاح أحد المشاركين في برنامج «صار الوقت» أنّه، بعيداً عن البيرة، يفضّل شرب الويسكي بتل أبيب، ليضحك الأستاذ مارسيل وكافّة الضيوف.
«خلصونا!»
«كسر التابو» ليس ظاهرة إعلامية عابرة، وإن تحوّل إلى منافسة بين إعلاميين على من يتجرّأ أكثر على كسر التابو. بات هو السياق السياسي الوحيد لعملية التفاوض في لبنان. فيذهب لبنان إلى المفاوضات، فاقداً لأي ورقة تفاوضية وفي ظل انقسام داخلي حول المسار التفاوضي. لكنّ المتحمسين للسلام في أسرع وقت غير مكترثين بهذا الواقع. فما يهمّهم من التفاوض مع إسرائيل هو الخصم الداخلي فحسب. لذلك، يتمّ تصوير «السلام» وكأنّه الحل لكامل مشاكل البلد، «العقدة» التي تسببت بانهيار البلاد منذ سنوات، وكأنّ رفض التطبيع مع إسرائيل، هو ما جعل لبنان يصل إلى الدرك الذي وصل إليه. وهذا ما عكسه خطاب الرئيس عون حين سأل: بتتخايلوا لو الحرب ما صارت بلبنان شو كان وضع لبنان الاقتصادي والاجتماعي؟ ولكن للأسف البعض حبّ يجرّ لبنان لحروب ما اله علاقة فيها.
تمّ ابتكار فكرة «السلام» كحل لمشاكل البلاد، والتي أعيد تعريفها وكأنّها نابعة كلها من «تابو» التطبيع. لذلك، ليس من المستغرب أن يكون إعلام المصارف من أوّل المروّجين لهذه النظرية التي تدعم رواية المصارف بأنّ الأزمة بكليّتها من مسؤولية حزب الله، لا المصارف ومصرف لبنان.
جرأة على ظهر الدبابة
يتباهى «كاسِرو التابو» بجرأتهم، في وجه قمع عمره عقود. لكنّ الجرأة غالباً ما تكون مقرونةً بموقع الذي يطرح الشيء. أمّا عندما تكون مدعوماً من أعتى جيش بالعالم، وتتبنّى الخطاب نفسه، فأين الجرأة؟ وعندما تُقصف البلاد 100 مرّة في 10 دقائق قبل 24 ساعة من المفاوضات، وتُكرّر خطاب المعتدي، فأين الجرأة؟ وعندما يكون خطابك مدعومًا من أكبر دول العالم ومحمولًا من أكبر وسائل إعلام، فأين الجرأة؟
كان هناك جرأة في لحظة التسعينات، عندما خاطر البعض لكسر الصور النمطية عن المقاومة، وفتحوا حوارات مع مفكّرين وصحافيين إسرائيليين، في ظلّ سطوة النظام البعثي. تجرّأ أولئك، محمولين من فكرة سلام، تتطلّب في نظرهم، حوارات مع مَن يتشارك القيَم ذاتها من الطرف المقابل. للتذكير، في تلك اللحظة، كان بعض «كاسِري التابو» الحاليين في حضن النظام السوري. فعندما يتحوّل «كسر التابو» إلى سياسة إعلامية، محمولة من مؤسسات وسفارات ودول وجيوش، لا تعود كسرًا للتابو، بل تصبح خطاباً رسمياً، مهما صاح أبطاله «خلصنا!» على الشاشات.
تابو الإبادة
لكن حقّاً، أيّ تابو يُكسَر؟
يمكن التفاوض بين دولتين في حالة حرب، ويمكن لـ«لبنان الرسمي» أن يضطرّ إلى مصافحة نتنياهو. هذه أمور يحدّدها مسار التفاوض. لكنّ كسر التابو يفترض بعدًا أخلاقيًا إضافيًا، لا يتطلّب نسيان الإبادة والاستيطان والاحتلال في فلسطين وحسب، بل أيضاً الاحتلال المتزايد لقرى لبنانية والقتل الممنهج على مدار السنين الأخيرة. مَن يريد «كسر التابو» بغية «شرب بيرة في تل أبيب» عليه، على الأقلّ، الاعتراف بأنّه غير مكترث بفئة كبيرة من شعبه وسيادة دولته وأرضه. «كسر التابو» ليس كلاماً مجرّداً، بل هو إعلان بأنّ مآسي فئة من شعبنا لا تعنينا.
للتذكير فقط، ومن دون ادّعاء التطابق في هذه المقارنة، حين كان النظام السوري هو الأمر الواقع في لبنان، ويرتكب ما ارتكبه في لبنان، ومن ثمّ في سوريا، رفضت بعض القوى اللبنانية التطبيع معه، ورفضت زيارة دمشق، ورفضت مصافحة الأسد، رغم أنه كان يشكّل سلطة الأمر الواقع. أن يكون لبنان الرسمي آنذاك متحالفًا مع الأسد لم يعنِ أنّ على الجميع التماهي مع هذا الواقع. وقد رفض العديدون، لأسباب «أخلاقية» وبثمنٍ غالٍ، هذا التماهي. عاد الضغط بعد الثورة للتطبيع مع نظام الأسد، تحت حجة إدارة ملف اللجوء السوري في لبنان، لكنّ أيضًا في هذه اللحظة، وقف البعض ضد هذا «التطبيع» بإسم رفض جرائم الأسد.
استعجال مَن يدرك أنّه مُخطئ
حماسة «كاسِري التابو» نابعة من إدراكهم أنّ الوقت يداهمهم. فهناك محاولة لـ«تهريب» السلام وكأنّ الموضوع إداري، يمكن فرضه في لحظة عابرة، من خلال الضغط والابتزاز. فمن يريد «كسر التابو» اليوم قبل الغد، يُدرك أنّه بات هناك هوّة ساحقة ما بين لحظتَين: اللحظة الدولية واللحظة اللبنانية. فبينما يتهافت بعض اللبنانيين إلى التطبيع مع إسرائيل، تُنبَذ إسرائيل من المحافل الدولية. وبينما يزداد غيظ زعماء العالم من تهرّب نتنياهو من المحاكم الدولية، يستعجل زعماء لبنانيون صورة المصافحة مع نتنياهو. وبينما تبحث أوروبا نفسها سبل قطع التعاون التجاري مع إسرائيل، يبرّر نوّاب لبنانيون أنّ السلام معها سيجعل اقتصادنا يزدهر. وبينما يحطّم الجنود الإسرائيليون تمثال المسيح في الجنوب ويبصقون على كنائس بيت لحم، يُبرَّر السلام برغبة الصلاة في أورشليم.
الحماسة لـ«كسر التابو» هي محاولة للاستفادة من هذه اللحظة من أجل فرض واقع جديد، من خلال قمع أي نقاش داخلي فعلي أو محاولة للبحث عن شروط أفضل للتفاوض. «كسر التابو» هو مدخل لفرض «تابو» جديد.