قضية الأسبوع ميديا
ميغافون ㅤ

تعقيم الرأي العام لترميم نظامٍ منهار

15 تموز 2023

الالتفاف على قانون المطبوعات

لم يأتِ الحكم بالسجن سنةً على الإعلامية ديما صادق من فراغ.
فقد كثرت في الآونة الأخيرة، تحديداً منذ بداية عهد ميشال عون، محاولات الالتفاف على قانون المطبوعات للنيل من الصحافيّين والصحافيّات. يتّخذ هذا الالتفاف أشكالاً عدّة، منها:

-  الترهيب عبر الاستدعاء إلى التحقيق في مكاتب جهاز أمنيّ كأمن الدولة. وهو ما فعله مدّعي عام التمييز غسان عويدات مع الصحافي جان قصير، على سبيل المثال، في استعادةٍ لإجراءات انتشرت في زمن الوصاية.
- محاولة إسكات الصحافيّين عبر استدعائهم إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، والضغط عليهم للتوقيع على تعهّدات بعدم التعرُّض للمدّعين عليهم. وهذا ما بات يحصل بشكل شبه يوميّ، وإن بدأ المستَدعون يدركون أنّ إجبارهم على التوقيع على التعهّد هو أمر غير قانونيّ.
- اللجوء إلى محاكم غير محكمة المطبوعات، كالمحاكم الجزائية أو المحكمة العسكرية، لإنزال القصاص بالصحافيّين، خصوصاً وأنّ التعديلات التي أُدخلت على قانون المطبوعات عام 1994 باتت تمنع التوقيف الاحتياطي. 


«تعقيم» الصحافة

لنضع التقنيات القانونية جانباً، ولننظر إلى ما يعنيه فعلاً الادّعاء على الصحافيّين في محاكم بعيدة عن قانون المطبوعات. 
قد تكون المسألة متعلّقة ظاهرياً برغبة المدّعين بإنزال عقوبات على الصحافيّ/ة المعنيّ/ة أشدّ من تلك التي يبيحها قانون المطبوعات، والتأكيد على ألّا حصانة مهنيّة أو غير مهنيّة قد تحمي مَن يتعرّض للنافذين من أهل السلطة، سواء كانوا سياسيّين أو مصرفيّين أو قضاة أو ضبّاطاً كباراً. لكنّ للأمر بُعداً آخر، أكثر خطورة يتعلّق بالنظرة إلى الصحافيّين ودورهم في الفضاء العام.
فحين يكتب الصحافيّ مقالاً أو يعدّ تقريراً «مزعجاً»، يحال إلى محكمة المطبوعات. أمّا حين يكتب رأيه أو ينشر وثيقةً أو معلومةً على مواقع التواصل الاجتماعي، فيحال إلى جهاز أمنيّ أو محكمة جزائية. كأنّ الصحافي ليس صحافياً حين يمارس دوره «خارج الدوام»، أو كأنّ الصحافة مهنةٌ تقتصر على إنتاج أدوات محدّدة ولا تتعلّق بمخاطبة الرأي العام. هذا ما تعنيه بالعمق الإحالة إلى المحاكم الجزائيّة: الفصل بين الصحافيّ/ة والرأي العام.
الادّعاء المتكرّر على الصحافيّين في محاكم بعيدة عن قانون المطبوعات يراد منه «تعقيم» الصحافة، من أجل إرجاعها إلى حدود ضيّقة وعلاقة ممسوكة مع الرأي العام. وكأنّ السلطة تعلن انتهاء مرحلة تجاوز الحدود التي مثّلتها «الثورة»، ليعود الجميع إلى حدود مِهَنِهم المضبوطة.


«تعقيم الرأي العام»

لا تقتصر محاولات تثبيت هذا الفصل على الصحافيّين، بل تتعلّق أيضاً بمهنٍ أخرى على تماسّ مع الرأي العام. 
ففي موازاة تأديب الصحافيّين في المحاكم والمقرّات الأمنية، تولّى مجلس نقابة المحامين مهمّة تأديب المحامين عبر منعهم من الظهور الإعلامي. واللافت أنّ تبرير القرار لم يرَ مانعاً في القول إنّ المحامين ليس مكانهم في الشارع أو على الشاشات، بل في المحاكم والمرافعات فقط. وكأنّ المحامي حين يخلع ثوبه الأسود، ويجلس وراء شاشة ليدافع عن حقوق المجتمع، يكفّ عن كونه محامياً. فكما مع الصحافيين/ات، تسعى السلطة لإرجاع المحامين إلى موقعهم المهني الضيّق، بعدما خرجوا منه لخوض معارك رأيٍ عامّ. 
هذا الميل لإرجاع الجميع إلى حدودهم المهنية كطريقة لتأديبهم، نراه أيضًا مع الطلاب أو الفنانين/ات وغيرهم من «المهن» حيث شكّلت المرحلة الأخيرة مرحلة تجاوز للحدود المهنية. ففي لحظة الاعتراض، بات الجميع يخوض معارك الرأي العام، بشتّى الوسائل، وكأنّ بهذا الخوض تأكيداً على مواطنة جديدة قيد الإنشاء، مواطنة لا تحتاج إلى قانون يؤطّرها أو هوية تؤكدّها، مواطنة تقوم على الهمّ العام والنضال المشترك والعمل الجماعي. 


قضاة «التعقيم»

نحن إذاً أمام عمليّة «تعقيم» لهذه المهن القادرة بطبيعتها على إطلاع الرأي العام على انتهاك حقوقه، ومدّه بالمعلومات، ورسم الطُّرُق الممكنة نحو العدالة. وكلّما استعادت الزعامات وهجها الذي خبا في 17 تشرين، وكلّما ازداد حجم الجرائم التي ارتكبوها من المرفأ إلى نهب الودائع، كلّما اشتدّت وتيرة «التعقيم» لتحويل الصحافيّين والمحامين إلى صنفٍ من التكنوقراط في خدمة السلطة. 
أمّا كيف يُصدر القضاة أحكاماً كهذه، لا وظيفةَ لها إلا الدفاع عن السلطة في وجه المجتمع؟ فلنتذكّر جيّداً  الفضيحة التي أطلقها وزير العدل الأسبق سليم جريصاتي حين قدّم قضاة لبنان في افتتاح السنة القضائية في بدايات عهد ميشال عون وبحضوره، قائلاً: هؤلاء هم قضاتك يا فخامة الرئيس. حقاً، هؤلاء هم قضاته.

آخر الأخبار

علم فلسطين في مهرجان «كان» 
تعليق

الموتوسيكل في وجه «الدولة»

سامر فرنجية
الاحتلال يستهدف زوارق الصيادين في رفح
سيناتور أميركي يستدرك: سوف تلاحقنا المحكمة بعد إسرائيل
اتّهام المخابرات المصرية بإفشال المفاوضات بعد خداعها إسرائيل وأميركا
إيرلندا والنرويج واسبانيا تعترف رسمياً بدولة فلسطين