قضية الأسبوع إيران
ميغافون ㅤ

العدوان على إيران

رهان إسرائيلي على نهاية العالم

7 آذار 2026

الرهان على الحرب

ليس سرّاً أنّ هناك من يراهن، في لبنان والعالم العربي، على نتائج الحرب على إيران، معتبرًا إيّاها «آخِر» مرحلة في عملية إعادة رسم معالم المنطقة، ولذلك هي حرب ضرورية مهما كان ثمنها. كما أنّه ليس سرّاً أنّ إيران شكّلت على مدار العقود الأخيرة مصدر تدخلات إقليمية، أدّت إلى قتل ودمار، من العراق إلى سوريا ولبنان، بالإضافة إلى فرض نظام قمعي داخليًا، قام على قتل وسجن وتعذيب معارضيه.

لكنّ الحقيقة الثانية لا تبرّر الموقف الأولّ.

فالمراهنة على هذه الحرب لا تنمّ عن رغبةٍ في تحرير الشعب الإيراني، أو عن رفض لطابع الجمهورية الإسلامية القمعي.

هي مراهنة نابعة إمّا عن تماشٍ أيديولوجي مع التحالف الإسرائيلي- الأميركي، وإمّا عن قناعة بألّا مفرّ من الخضوع للنظام الأحادي الصاعد في الشرق الأوسط، أو من يأس حيال أي خيار سياسي، بعد عقود من الحروب والأزمات والإبادات. فإذا كانت هذه هي «الحرب الأخيرة»، يقول البعض، فلا بدّ منها إذاً لإنهاء الكابوس العربي الطويل. 

مهما كانت أسباب رهان البعض على هذه الحرب، لا بد من الانتباه أنّنا أمام نوع جديد من الحروب، ينذر بحقبة جديدة من التدخّلات والتوسّع الأميركي-الإسرائيلي. نحن لسنا أمام «آخر حرب» في الشرق الأوسط، بل في وسط دوامة من العنف، ما من أفق لها غير المزيد من العنف، أو الرضوخ لمن يملك الطائرة الحربية الأقوى.


حروب أبوكاليبتيّة

هناك إسم لتلك الحروب التي لا تشبه الحروب التقليدية. 

إنّها حروب أبوكاليبتية، بمعنى أنّها تخاض من أجل تغيير طبيعة العالم كما نعرفه. فهذه الحرب تدور، في وقت واحد، حول نزاع حدوديّ وسيطرة على موارد وإضعاف لعدوّ، كما تتجاوز بهدفها ذلك كلّه، وتنحو في اتّجاه «تغيير وجه منطقة»، كما قيل صراحةً. أهدافها في توسُّع دائم، ووسيلة تحقيق هذه الأهداف بعيدة كل البعد عن الدبلوماسية والمفاوضات. هي العنف والمزيد من العنف.

فمنذ الإبادة في غزّة، أقحمت إسرائيل العالم كلّه في دوّامة جديدة من العنف المتزايد، تشكّل كل مرحلة منه تبريرًا للمرحلة التالية. فالعدو، أو العائق أمام «العالم الجديد» دائمًا موجود، حتى ولو كان خفيًا. فبعد غزة، الضفة، وبعدها لبنان، واليمن، واليوم إيران. وبعد إيران، تركيا؟ وها هو نتنياهو، بعدما شنّ حروبه تحت عنوان مواجهة الخطر الشيعي من إيران وحزب الله، ها هو يكشف عن «محور جديد ضدّ المحورين الشيعي المنهار والسني المتشكل». كلّما انهار عدو، شكّلت آلة القتل عدواً آخر.

ما من أفق زمني لهذه الحروب، مثلها مثل «الحرب على الإرهاب»، عدوها موجود أبداً، عدوّ متخيَّل، يجب ضربه استباقيًا، فالماكينة العسكرية تحتاج إلى أعدائها. إنّها حروب لا تستطيع أن تنتصر لكونها لا تستطيع العودة إلى عالم من السلام. 

من يراهن على هذه الحرب كـ«آخر» حرب قبل السلام، عليه الانتباه أنّ حروباً كهذه لا تنتهي،  بعدها سيكون هناك عدوّ جديد، تهديد ضمني، بقع جديدة من الاعتراض التي يجب قمعها. الحروب الأبوكاليبتيّة هي حروب بلا أفق زمني، تحتاج دائمًا إلى إنتاج أعداء جدد لتبرير منظومتها الأمنية والعسكرية. «هم لا يريدون حروباً ينتصرون بها، بل حروباً لا تنتهي».


حروب قطيعة مع السياسة

إننا أمام حروب لا تستطيع أن تنتصر لكونها لا تستطيع العودة إلى عالم من السلام. 

للتذكير، هي حرب اشتعلت بسبب نجاح المفاوضات، وليس جراء فشلها كالحروب التقليدية التي سبقتها. فقبل ساعات من بدء العدوان الإسرائيلي- الأميركي على إيران، صرّح وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، أنّ اتفاقاً سلمياً بات بمتناول اليد، ذلك أنّ إيران وافقت على وقف تخزين اليورانيوم المخصّب. وكان الوزير العُماني أشدّ وضوحاً حين ربط تفاؤله بالهدف من المفاوضات: إذا كان الهدف النهائي للمفاوضات هو ضمان عدم قدرة إيران على امتلاك قنبلة نووية أبداً، أعتقد أنّنا عالجنا هذه المشكلة. حتى ترامب نفسه أقرّ، أمس، في محادثة هاتفية مع كبير مراسلي الآي.بي.سي. نيوز في واشنطن، جوناثان كارل، أنّه كان ليقبل قبل سنة بالتنازلات الإيرانية في المفاوضات، لكنّ النجاح في فنزويلا «أفسدَنا».

هي حرب إذن، كان طرفها الأساسي حاصلاً على ما يريده قبل خوضها. 

الحروب الأبوكاليبتية ليست «استمرارًا للسياسة بوسائلَ أخرى»، كما كتب كلاوزفيتز. هي قطيعة مع السياسة. فالتفاوض، حتى ولو نجح، يفترض قبول الآخر، حتى ولو مهزومًا. هذا ما لا يستطيع مَن وراء هذه الحرب القبول به، مفضِّلاً استمرار العنف على أي مساومة.

مَن يراهن على هذه الحرب كضربة قاضية، عليه الانتباه أنّ منطق هذه الحرب «إلغائي»، لا يستقيم مع عودة السياسة، أي أنّ هذه الحرب لا يمكن أن تنتهي إلّا بمرحلة جديدة من العنف. الفوضى وعدم الاستقرار ليسا فشل هذه الحروب، هما شرط استمرارها. 


أطراف أبوكاليبتيّة

تقف وراء هذه الحرب أطراف أبوكاليبتية، لم تعد تجد في السياسة، كما عرفناها، منفذاً لتحقيق غاياتها. العنف الدائم أصبح شرط وجودها الوحيد. 

فالطرف الذي أعلن الحرب هو طرفٌ بات يحتاج إلى «تغيير وجه المنطقة» للبقاء. إسرائيل التي تحكمها نظرة دينية متطرفة، تدرك أنّها في صدد فرصتها الوحيدة لتغيير المعادلة، وانزلقت في طريق عنف تطهيري، بدأ مع الإبادة، واستمر مع حروب متنقلة، قبل أن يصل إلى مرحلة عنف عالمي. القيادة الإسرائيلية مدركة أنّ أي وقف للعمل القتالي، أو حتى أيّ تخفيف للعملية العنفية، قبل تحقيق هدف تغيير وجهة العالم، سيفرض إعادة تفاوض. وهذا ما لا يمكن أن يدخل في الذهنية الأبوكاليبتية الحاكمة. 

فرضت إسرائيل على إيران طبيعة هذه الحرب، وأعلنت منذ بدء العمليات العسكرية أنّ الهدف هو تدمير النظام، مغلقة أي إمكانية للتفاوض أو حتى الاستسلام. بهذا المعنى، فرضت إسرائيل على إيران هوية أبوكاليبتية مضادة، باتت ترى في توسيع دائرة العنف المَخرج الوحيد المتاح لها. 

إذا قرّرت إسرائيل أنّ لا خيار لها إلّا التصعيد، باتت إيران أمام خيار التصعيد بلا رادع كالدفاع الوحيد المتاح. 

من يراهن على هذه الحرب كحرب محدودة بين طرفين عليه الانتباه أنّنا أمام أطراف قررت أن لا خيار أمامها إلّا توسيع رقعة العمليات العسكرية، كما بات واضحًا في لبنان والخليج والدول المجاورة. إنها حروب بلا أفق زمني ولا حدود مكانية، التوسّع في طبيعتها.


جنون الولايات المتّحدة

شكّل دخول الولايات المتّحدة المفاجئ في هذه الحرب إشارة إلى ضياع قيادتها وميلها المتزايد نحو الحلول المجنونة، إمّا لأسباب أيديولوجية أو جراء ضعفها الداخلي المتزايد. فبخلاف الحروب الأميركية السابقة في الشرق الأوسط، لم تتطلّب الحرب الحالية جهداً لتبريرها أو لادّعاء تواؤمها مع القانون الدولي.

في شباط 2003، أي قبل ثلاثة وعشرين عاماً، شهد وزير الخارجية الأميركي كولن باول أمام مجلس الأمن، حاملاً صور أقمار صناعيّة زاعماً أنّها تُظهر وجود أسلحة دمار شامل لدى صدّام حسين. بعد عامَين، قال باول إنّه لم يكذب، لكنّه ردّد معلومات لم يكن يعرف أنّها خاطئة. نبدو، اليوم، بعيدين حتى عن مسرحيّة تراجيديّة كهذه. فلم يجد أيّ مسؤول أميركي حاجةً أصلاً لإعطاء شهادته أمام مجلس الأمن الدولي، أو لحشد دعمٍ دوليّ للعدوان على إيران. وقف دونالد ترامب، وحده، معتمراً قبّعةً طُبعت عليها ثلاثة أحرف U.S.A. ليُعلن شنّ العدوان. 

لم يكن ترامب معنيّاً لا بالأمم المتحدة، ولا بالقانون الدولي، ولا برأي الحلفاء. حتى تبريره للعدوان جاء بكذب مفضوح، إذ تحدّث عن «تهديد وشيك» من إيران للولايات المتحدة. وحاول عبثاً ربط العدوان بأمن الشعب الأميركي. فعاد بالماضي إلى الهجوم على السفارة الأميركية في طهران عام 1979 وصولاً إلى تحميل إيران مسؤولية هجوم 7 أكتوبر، قبل أن يصل إلى الكذبة الرديفة لأسلحة الدمار الشامل بقوله إنّ إيران حاولت إعادة بناء برنامجها النووي بعد الضربة الأميركية لمفاعلاتها في حزيران الماضي، والتي أخبرنا ترامب نفسه آنذاك أنّها دمّرت البرنامج النووي الإيراني.  

التخبّط والضيعان ليسا خطأ أو سوء تقدير، بل إشارة إلى اعتبار أيّ تماشٍ مع القانون، أكان قانوناً دولياً أو قانون التخاطب البسيط، هو دليل ضعف لمن يريد فرض مشيئته. فليس للولايات المتّحدة ما تجنيه من هذه الحرب، بعدما كانت قد حققت أهدافها عبر التفاوض، غير فرض صورتها كماكينة قتل بلا رادع. حرب الولايات المتّحدة ليست على إيران، هي على العالم، حرب استباقية للقول إنّ لا رادع بعد اليوم أمام استعمال كافة إمكانيات العنف في وجه أي تهديد، مهما كان بعيدًا. 

من يراهن على هذه الحرب كمدخل للسلام عليه وضعها في سياقها الاستباقي الأميركي، والذي بات يتّجه عالميًا نحو تصاعد للعنف، بلا أي رادع. فهذه ليست حرباً تخاض قبل فرض تسوية، إنّها حرب تخاض تحضيرًا لأخرى أكبر. 


اليوم التالي

ما من «يوم تالي» في منطق الحروب الأبوكاليبتية، فهذا خارج عن أدبياتها. نحن لم نعد في صدد حروب لفرض ديمقراطية أو حتى لتغيير نظام. نحن أمام حروب، يومها التالي هو حروب أخرى.

لمّح ترامب إلى أنّ اليوم التالي سيكون انتفاضة شعبية، عندما توجّه إلى الشعب الإيراني بنداء: عندما ننتهي، أسقطوا حكومتكم. سيكون إسقاطها بمتناول يدكم. وأضاف أمامكم الآن رئيس يعطيكم ما تريدونه. فلنرَ كيف ستتجاوبون، قبل أن يتراجع عن هدف تغيير النظام، في سعيه إلى حلّ فنزويلي للمسألة الإيرانية. ثمّ دعا عناصر الحرس الثوري والجيش والشرطة الإيرانية لإلقاء السلاح للحصول على «حصانة» و«معاملة عادلة»، ما أشار إلى إمكانية تدخل برّي قد يحسم الوضع. هذا قبل أن تنفي الإدارة الأميركية إمكانية إرسال عسكر إلى إيران. 

كذلك بدا الضياع حيال اليوم التالي في ما يخص عملية اغتيال المرشد الإيراني على خامنئي. فبعد اغتيال المرشد، صرّح ترامب أنّ لديه «فكرة واضحة جدّاً» عمّن سيتولّى الحكم في إيران في المرحلة المقبلة. لكن ما كادت تمرّ 24 ساعة على هذا التصريح حتى نقل جوناثان كارل عن ترامب قوله إنّ الولايات المتحدة حدّدت مرشّحين محتملين لقيادة إيران، لكنّهم قُتِلوا في الهجوم الأوّل.

من يراهن على هذه الحرب عليه أن يدرك أنّ لا تصوّرَ لأيّ يومٍ تالٍ لمن يخوضها، أي أنّ لا هدف واضحاً لها غير عنفها. إنّها حرب تخاض بلا خطة، مفتوحة، بلا أي معيار للنجاح غير عنتريات بعض المسؤولين الأميركيين. 


لبنان في الحرب

تعلّمت إيران دروسها من حرب الأيام الـ12، وقرّرت لعب كامل أوراقها بالردّ على العدوان، ومن بينها ورقة حزب الله. بيد أنّ العلاقة لا تسري بالاتّجاهين. معضلة حزب الله أنّه يخوض الحرب نفسها، ولكن في مسارَين: مسار التفاوض على النظام الإيراني المستقبلي، ومسار حضور حزب الله نفسه على مستوى الداخل اللبناني، وكذلك على مستوى العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان منذ سنتَين. ضمن هذا المسار، لا يملك حزب الله نفس كمّ ونوع الأوراق التي تملكها إيران لمّا اختارت خوض حربها إلى النهاية ورفض المفاوضات.

وإذ اختار حزب الله أن يدخل الحرب هذه «ثأراً لدماء الخامنئي» كما أقرّ بنفسه، فليس من الأكيد أنّ إيران، وعند انتهائها من حربها، ستشمل لبنان وحزب الله في اتّفاقها النهائي. أحد السيناريوهات المطروحة، هو انتهاء حرب إيران فيما يُترَك لبنان ليرزح تحت عبء توغّلٍ جديد وحربٍ تنتهي بشروطٍ أقسى من «حرب الستين يوماً».

أمام هذا الواقع، علت الأصوات التي لم تكن تريد لحزب الله أن ينخرط في هذه الحرب، أكان من معارضيه التقليديين الذين ما زالوا يعلكون سرديات «الاحتلال الإيراني»، أو حتّى من مناصريه وبيئته التي تجد نفسها اليوم في وضعٍ أصعب مما كانت عليه قبل حرب الإسناد. وإن كان الامتعاض مشروعًا والتشكيك بخطوة حزب الله بمحله، فما ليس مفهومًا هو مراهنة البعض على الحرب الحالية كمدخل للحل. وهذا ليس نابعاً فقط من الخوف من التداعيات الداخلية لرهان كهذا، بل من طبيعة الحرب التي تُخاض اليوم في المنطقة، حيث أنّ حرب لبنان لا ترقى لتكون أكثر من ساحة أو أرض محروقة فيها، مع أو بدون حزب الله. 

فمن يراهن على هذه الحرب يراهن على حرب بلا أفق زمني أو مكاني، بلا رادع أو ضوابط، تقطع مع السياسة من أجل إطلاق دوامة من العنف اللامتناهي. ومن ليس مقتنعًا، عليه النظر إلى نصف بلاده تتهجر ليفهم طبيعة ما دخلنا فيه.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
جيش الاحتلال يقتل عائلتين في شمسطار وجبشيت
بزكشيان يعلن وقف الهجوم على الدول المجاورة
قضية الأسبوع

العدوان على إيران

ميغافون ㅤ
16 شهيداً في النبي شيت بعد فشل الإنزال البرّي الإسرائيلي
حدث اليوم - الجمعة 6 آذار 2026
06-03-2026
أخبار
حدث اليوم - الجمعة 6 آذار 2026
إسرائيل تقصف مقرّاً لليونيفل