للخبر أكثر من جانب أو بعد، كسائر الأحداث التاريخية. فليس هناك حدث «صافٍ» في التاريخ، إلّا عند من هو منخرط في الحدث ذاته، يتحرّك على إيقاعه، يخطّط له، يتأقلم مع تقلّباته، يضع جسده وحياته في خدمته، يساوم لكي يصل إلى هدفه. خارج هذا الانخراط المباشر، ليس هناك من أحداث صافية، واضحة، تحمل معنىً واحدًا. الوضوح هو نتيجة الانخراط بالحدث.
أمّا من يتمسّك بالوضوح من خارج الحدث، فهو يدافع عن ايديولوجيته المسبقة. فمن خارج الحدث، لا يمكن إلّا التعامل مع تعقيدات الحدث وأبعاده المتناقضة.
«الموت لخامنئي»
من داخل الحدث. ما من إسقاط يمكن أن ينفي طابع «الانتفاضة الشعبية» عما يحدث في إيران اليوم. مئات آلاف الناس في الشارع، يخاطرون بحياتهم من أجل إسقاط نظام مجرم، يواجهون القتل والقمع في ظل تعتيم إعلامي كامل، مطالبين بأبسط حقوقهم أو مقومات حياة كريمة، يدركون أنّهم إذا فشلوا، فسيواجهون مرحلة طويلة من القمع بعد ضجر العالم من قضيتهم. ما من التباس هنا، إلّا في عقل بعض منظري «مناهضة الإمبريالية»، الذي يبحثون عن اختراق اسرائيلي من هنا أو عقل مدبر خارجي من هناك. فالانتفاضة الحالية ليست صنيعة اللحظة، إلّا لمن قرّر الانتباه اليوم لما يجري في إيران. هي تأتي بعد تاريخ طويل من الاحتجاجات، بات عمره ثلاثين سنة، بدأ مع الاحتجاجات الطلابية في أواخر التسعينات، قبل أن يتمأسس مع «الحركة الخضراء» في عام 2009. وبعد فترة خفوت للاعتراضات، عاد الاحتجاج، محمولًا من شعارات اجتماعية في عام 2019، ووُجوجِه بأشدّ حملات القمع، قبل أن ينفجر مجدداً مع قضية مقتل الشابة مهسا أميني في عام 2022.
إنّه نظام واجه احتجاجات شعبية لأكثر من ثلثي عمره.
«المساعدة في طريقها»
من فوق الحدث. الانتفاضة الشعبية لم تأتِ في فراغ إقليمي، إلّا لمن هو منخرط في المظاهرات، حيث ليس بينه وبين النظام إلّا رصاص هذا الأخير. فاندلاع التظاهرات يأتي في لحظة إعادة رسم المنطقة، بعد الإبادة الفلسطينية وحروبها المتنقّلة، وفي لحظة مغامرات إمبريالية أميركية، بدأت في فنزويلا، ولم تخفِ رغبتها بالامتداد إلى إيران. فأكان من خلال العقوبات الاقتصادية أو الحروب والضربات العسكرية أو التهديد الجديد بعودة الحرب، بات الخارج لاعباً رئيسياً في الأحداث الدائرة في إيران اليوم، وقد يكون الوحيد القادر على فرض ما يشبه نظام ما بعد «الجمهورية الإسلامية». وربّما كان العائق الأساسي حاليًا هو حيرة هذا الخارج حيال شكل هذا الما-بعد، بين دفع إسرائيلي لانقلاب كامل قد يترأسه مثلًا مرشح كرضا بهلوي الثاني وتروٍّ إقليمي يفضل التفاوض مع النظام لمنع تكرار سيناريو عراقي، وتلاعب أميركي بينهما، قد ينتج حلًا كالذي اتّبعه في فنزويلا، أي التفاوض مع النظام بعد ضرب رأسه.
من حول الحدث
تأتي لحظة إعادة رسم معالم المنطقة في سياق عالمي بات يرفع العنف المفرط، خارجيًآ وداخليًا، إلى مثابة سياسة دولة، وينظر إلى الشعوب، إمّا كأجساد عليه إبادتها أو عائق عليه قمعه. فليس في عالم اليوم المنهك بالحروب والأزمات أي تصوّر لمستقبل إيران ما-بعد النظام، مهما صاح ترامب من طائرته الرئاسية. فكما بات واضحًا في ما-بعد غزّة وما-بعد الأسد وما-بعد فنزويلا، العقلية الاستخراجية لا تستطيع تخيّل مستقبل سياسي خارج ألاعيب دبلوماسية قصيرة الأمد ومشاريع عقارية وترتيبات أمنية. وفي هذا العالم، يبدو الاتفاق مع النظام بصيغة معدّلة، على حساب الانتفاضة، الخيار الأكثر تلاؤمًا مع روحية العصر.
مع الشعب في لحظة اختفائه
ترابُط الداخل بالخارج ليس بجديد، وكذلك السجالات حول أولية الصراع الديموقراطي ومناهضة الإمبريالية، حتى بات هذا السؤال بنيوياً للسياسة في المنطقة. فمنذ مطلع تسعينات القرن الفائت، وُضعت مطالب الديموقراطية والتحرّر والعدالة في مواجهة مطالب مناهضة الإمبريالية والدفاع عن السيادة الوطنية. نصل اليوم إلى نهاية هذه الثنائية، ليس لأنّ مطلب الديموقراطية قد انتصر، بل لكون الخارج بات اليوم، على الأقل في منطقتنا، المحرّك الأساسي لإعادة ترتيب حياة الملايين. مع دخولنا التدريجي في منطقة محكومة من قطب واحد، وربّما لأول مرة منذ أكثر من سبعين عامًا، لم تعد أدبيات الخارج/ الداخل صالحة، كما لم يعد هناك مكان في المخيلة السياسية لشعارات السيادة الشعبية التي حرّكت، بأشكال مختلفة، سياسات الاعتراض في الماضي.
في وسط هذا التفاوض الإقليمي بالدم، وتحت قمع النظام المجرم، لا يمكن إلّا الوقوف مع «الانتفاضة الشعبية»، مهما كان أفقها محكوماً بتسويات إقليمية بعيدة كل البعد عن بطولات شعب لم يكفّ عن الاعتراض لأكثر من ثلاثة عقود، شعب يقف اليوم وحيدًا في وجه عالم لم يعد يأبه بالشعوب.