تعليق سوريا
محمد علي الأتاسي

دفاعاً عن أنصار شحود 

قرابين الحقيقة المسفوحة في أزقّة حيّ التضامن

11 حزيران 2026

التحقيق والمجزرة

لا يوجد  شيء يجسّد مآسي عشرات ألوف عائلات المعتقلين والمخفيّين القسريّين السوريين أكثر من المآل الذي انتهت إليه قصة اعتقال عائلة الدكتورة رانيا العباسي وزوجها الدكتور عبد القادر ياسين وأطفالهما الستة. تمّ التعرّف مؤخرًا على جثثهم ضمن الفيديوهات المسرّبة في العام 2019 لمجزرة التضامن، والتي وُجدت في كومبيوتر المجرم أمجد يوسف، ووصلت لفريق البحث المختصّ بالجرائم ضدّ الإنسانية في المعهد الهولندي لدراسات الحرب والهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة أمستردام في حزيران من العام ذاته. عمل الفريق المختصّ عليها لمدة ثلاث سنوات لكشف المتورّطين في المجزرة، وقد تمّ لاحقًا نشر نتائج التحقيق الذي عملت عليه الباحثة أنصار شحود والأستاذ الجامعي أغور أميت أنغور في صحيفة الغارديان ومجلة النيولاين ماغازين، ونشرت ترجمته العربية في ذات التاريخ في موقع الجمهورية، بتاريخ 27 نيسان 2022، تحت عنوان «قرابين التضامن».
لا شكّ أنّ قضية الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة وزوجها عبد القادر ياسين، منذ اعتقالهم في آذار من العام 2013 على يد المخابرات السورية واختفاء آثارهم، هي واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والحقوقية والسياسية حساسيةً في ملف انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب في سوريا الأسد. وتحوّلت الى قضية رأي عام لتجسيدها هول وفظاعة ملف الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتصفيات الجسدية التي تورّط بها نظام الأسد بشكل منهجي وراح ضحيتها مئات آلاف السوريين والسوريات. فكيف إذا تمّ توثيق وتبيان ارتباطها بأهوال ملف مجازر حي التضامن وبفرع المنطقة 227، المسؤول عن هذا الحي، وبالمجرم أمجد يوسف تحديدًا، وهذا ما تمّ الكشف عنه مؤخرًا من خلال واحد من الفيديوهات الـ29 التي تضمّنها ملف التضامن الذي سرّب في العام 2019 من قبل منشقين عن المنظومة الأسدية إلى فريق أغور أميت أنغور وأنصار شحود في جامعة أمستردام، واللذيْن كشفا خيوط مجازر التضامن والأشخاص والهيكليات العسكرية والميليشيوية المتورّطة فيها.

الضحايا يستحقّون أفضل من ذلك

بعد سقوط النظام الأسد وإجراء تسويات أمنية مع العديد من رموز النظام البائد، بمن فيهم بعض كبار مجرمي حي التضامن كفادي صقر رئيس ميليشيا قوات الدفاع الوطني والمرتبط مباشرة بالقصر الجمهوري وببشار الأسد، استطاع الأمن العام السوري اعتقال أمجد يوسف في 24 نيسان 2026، وهو الشخص الوحيد الذي يظهر في أحد الفيديوهات المسرّبة للمجزرة وهو يمارس عمليات الإعدام الميداني بدم بارد ويرمي الجثث في حفرة ويشعل فيها النار قبل طمرها. ومع اعتقال هذا المجرم القاتل، أعيد من جديد فتح ملف مجازر حي التضامن، وقد تمثّل ذلك بداية بخروج أهالي الحيّ الذين عانوا الأمرَّيْن من أمجد يوسف وأمثاله، بمظاهرات فرح في شوارع حي التضامن، محتفلين بإلقاء القبض على أمجد يوسف ومطالبين بالقصاص وتوقيف بقية القتلة وكشف مصير المفقودين. 
احتفل الأمن العام بإنجازه في الوصول لأمجد يوسف، الذي كان متخفيًا في قريته منذ سقوط النظام، وقام بنشر فيديوهات ترويجية وتشويقية على منصّات وزارة الداخلية لعملية القبض على أمجد. وتلا ذلك نشر اعترافات متلفزة يظهر فيها المجرم أمجد يوسف تارة جالسًا بصمت أمام وزير الداخلية، وتارة أمام المحققين ليقول كلامًا فاحشًا، لا يسمن ولا يغني، عن أنه هو وحده المسؤول عن سلسلة جرائم حي التضامن وأنه لم يتلقَّ أوامره من أحد. 
جاء وقع كلام أمجد يوسف هذا كالصاعقة على أهالي ضحايا مجازر حي التضامن وعلى سكان الحي، لما فيه من تحدٍّ وإهانة لما اختبروه وعرفوه على أرض الواقع من أنّ أمجد يوسف ليس إلّا المنفّذ الصغير في آلة القتل والابادة التي عملت على مدى سنوات في حي التضامن ومخيم اليرموك، والتي تمرّ بسلسلة طويلة من القاتلين المجرمين في ميليشيا الدفاع الوطني من أمثال أبو منتجب ومرورًا بفادي صقر، قائد مليشيا الدفاع الوطني، والذي بات يعمل مع النظام الحالي في لجان المصالحة الوطنية، وانتهاءً برؤساء الأفرع الأمنية وضباط الارتباط في قصر بشار الأسد. وهذا بالتحديد هو ما كشفه وفصّله بدقة متناهية تحقيق أنصار شحود وأور أوميت أونغر.
بعد توقيف أمجد يوسف، لم تسعَ السلطات القضائية والأمنية السورية للحصول على فيديوهات مجازر التضامن ولم تعمد الى التواصل مباشرةً مع الطرف السوري المنشق الذي سرّب الفيديوهات لفريق البحث في جامعة أمستردام ولا مع الهيئات الدولية، مثل المؤسّسة المستقلّة المعنيّة بالمفقودين السوريين التابعة للأمم المتحدة ولا مع أقسام التحقيق في الشرطة الألمانية والهولندية التي سلّم لها فريق البحث في جامعة أمستردام هذه الفيديوهات. كما أنّ السلطات السورية لم تطلب في وقت سابق هذه الفيديوهات منهم، عندما زاروا العاصمة السورية في 5 آب 2025 واجتمعوا مع وزير الخارجية اسعد الشيباني، لا بل إنّ أغور أميت أنغور نفسه انصعق لاحقًا من طريق تعامل السلطات الاستعراضي مع ملف حساس مثل ملف توقيف أمجد يوسف، ونشر محذرًا على صفحته على موقع أكس في 26 أيار 2026، غداة توقيف أمجد يوسف وانتشار الفيديوهات الترويجية للتحقيق المتلفز معه، كاتبا الآتي:

في 24 أبريل/ نيسان، ألقت السلطات السورية القبض على أمجد يوسف، أحد أبرز منفذي مجزرة عام 2013 في حي التضامن بدمشق. وفي عام 2022، نُشر البحث الذي أجريته أنا وانصار شحود حول هذه المجازر في صحيفة الغارديان ومجلة  نيولاين ماغازين.
يسلط اعتقال أمجد يوسف وما تلاه من أحداث الضوء على ثلاثة جوانب مهمة في بيروقراطية قمع نظام الأسد قبل وأثناء نزاع 2011-2024: 1) السلطة الهرمية، 2) السلطة الأفقية، 3) التوقيت.

  1. كان هناك منفذون أكثر أهمية من أمجد ضمن التسلسل القيادي للنظام في المخابرات العسكرية، مثل رؤسائه في الفرع 227 جمال إسماعيل أو رئيس الفرع آنذاك شفيق المصة. إن تحميل أمجد وحده مسؤولية المجزرة برمتها هو محاولة لتحويله لكبش فداء لكبار المجرمين.
  2. اشتهرت مجزرة التضامن بالفيديو، ولكن الأهم من ذلك أنها تُظهر التعاون بين المخابرات العامة وقوات الشبيحة (التي أصبحت لاحقًا قوات الدفاع الوطني). ولا يزال كبار عناصر قوات الدفاع الوطني، مثل أبو منتجب وأبو علي حكمت، طلقاء، بمن فيهم قائدهم المباشر: فادي صقر.
  3. ارتكب نظام الأسد مجازر في جميع أنحاء سوريا. لم تكن مجزرة التضامن حدثًا واحدًا، بل سلسلة من المجازر بنفس الحجم، من مثل مجزرتي بابا عمرو وداريا. إن التركيز فقط على مجزرة مروّعة واحدة وقعت في 16 نبسان/ أبريل 2013 يتجاهل هذا التاريخ الأوسع من العنف.

أخيرًا: تُذكّرنا الاعترافات المتلفزة بأيام نظام الأسد. فهي ليست فقط غير موثوقة، كما ادّعى أمجد بشكل غريب وكاذب أنه تصرف بمفرده ودون أوامر، بل هي أيضًا شكل من أشكال المحاكمة الصورية، أو محاكمة إعلامية. 

إصرار عائلة العباسي على كشف مصير أبنائها 

«الضحايا يستحقون أفضل من ذلك»،  يكتب الدكتور أغور أميت أنغور. نعم يستحقّون أفضل من ذلك في حي التضامن وفي بقية المجازر التي ارتكبها نظام الأسد في طول البلاد وعرضها. لكن هذا ليس حال الضحايا ولا المفقودين ولا حال أهاليهم الذين لا يزالون ينتظرون معلومات عن ذويهم منذ أكثر من سنة ونصف على سقوط النظام الأسدي وسيطرة قوات ردع العدوان على سجون ومقرّات وأرشيف أفرع المخابرات السورية.
وإذا كانت وزارة الداخلية قد اكتفت، غداة توقيف أمجد يوسف، بنشر بعض الاعترافات المتلفزة، فإن عائلة الدكتورة رانيا العباسي- وتحديدًا أخوها حسان العباسي- لم يكلّ ولم يملّ في محاولاته المُضنية للوصول إلى مصير الأطفال المفقودين. واستطاع أن يصل إلى معلومات من أحد الضباط العاملين في الأمن العام الجديد، تفيد أنه تمّ نقل عائلة العباسي غداة توقيفها في العام 2013 في حي دمر شمال غرب دمشق، من الفرع 215 إلى الفرع 227 في المخابرات العسكرية سيّئ الصيت والمرتبط بحي التضامن في جنوب دمشق. 
لم ينتظر حسان العباسي مسار التحقيقات البطيئة التي بدأها الأمن العام السوري مع أمجد يوسف. فتلقّف طرف خيط توقيف أمجد يوسف وربط ذلك بالمعلومات التي وصلته من الأمن العام عن نقلهم إلى الفرع 227، وعاد بعد ذلك إلى المقال الموثق الذي نشرته أنصار شحود والدكتور أور أوميت أونغر، والمتضمن الكثير من التفاصيل والمعلومات الدقيقة، الأمر الذي قاده في النهاية إلى ربط ملف اعتقال واختفاء العائلة من بيتها في حي دمر بجرائم حي التضامن، رغم التباعد الجغرافي بين المكانين وإدارتهما أمنيًا من فرعين أمنيين مختلفين.
وجد حسان العباسي لدى قراءته من جديد لتقرير «قرابين التضامن» جملة بالغة الأهمية بين سطوره: في فيديو آخر، تتحرك عدسة الكاميرا فوق أجساد مجموعة من الأطفال وسط غرفة مظلمة، يتحدث أمجد يوسف قائلاً بإيجاز: «أطفال كبار الممولين في ركن الدين، تضحية لروح الشهيد نعيم يوسف». نعيم يوسف هو شقيق أمجد وعنصر في الفرقة الرابعة، قُتل في الاشتباكات مع المتمردين. وهذه الجملة كانت بمثابة طرف الخيط الذي قاده إلى ربط مجزرة التضامن باختفاء أطفال الدكتورة رانيا العباسي، كونهم من أبناء حي ركن الدين وعملوا منذ بداية الثورة في الإغاثة ومساعدة الأسر المنكوبة. هذه المعلومة دفعته إلى البحث الدؤوب عن هذا الفيديو وإلى التواصل مع بعض أعضاء فريق الباحثين المسؤولين عن إنجاز تقرير «قرابين التضامن» (أنصار شحود ودمر سليمان)، ومع محقّقي وزارة الداخلية ومع الهيئة الوطنية للمفقودين ومع فريق المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية السورية والتابعة للأمم المتحدة.

صورة عن المحادثة بين أنصار شهود وحسان العباسي، والتي نشرها على صفحته على الفيسبوك.

كان سبق لفريق البحث الذي أنجز تقرير «قرابين التضامن» قبل عدة سنوات، وبالتحديد منذ 22 حزيران 2022، أن أوضح لأهالي المفقودين في منطقة التضامن أن تحديد هويات الضحايا يخرج عن سياق اختصاصه ومؤهلاته، وأنه لا يستطيع أن يقوم بالتدقيق في صور الضحايا لمعرفة هوياتها وإخطار أهاليهم. وأكد أنه سلّم كل الفيديوهات التي بحوزته إلى الشرطة الألمانية والهولندية وأرفق إعلانه بعنوان إيميل يمكن من خلاله للعائلات المكلومة أن تتواصل باللغة العربية أو الانكليزية مع المحققين الأوروبيين للتدقيق في ما إذا كان من بين الضحايا في الفيديوهات أحد أبنائهم.
هذا التفصيل الهامّ والقديم نسبياً لم يغب فقط عن حسان العباسي عندما حاول التواصل مع أنصار شحود لمقارنة صور الأطفال المفقودين بمشاهد الفيديو للأطفال المقتولين في الغرفة المظلمة والمضاءة بمصباح هاتف أمجد يوسف. لكنّه غاب أيضًا عن الباحثة انصار شحود التي أكاد أجزم، مع أنني لا أعرفها شخصيا، أنّ تعاطفها مع الخال المكلوم قادها للموافقة على القيام بعمل هو ليس من اختصاصها بل من اختصاص مؤسسات حقوقية واجتماعية مؤهلة لهذا النوع من التدقيق. وسبق لأنصار في ظهورها الإعلامي الوحيد بالصوت من دون صورة، في سياق بودكاست لموقع الجمهورية بثه غداة نشر التقرير في العام 2022، أن أشارت إلى ضرورة خلق آلية قانونية لتساعد الناس وتراعي مشاعرهم ليجدوا أولادهم وأقربائهم ضمن فيديوهات التضامن، وعبرت عن خوفها من أن يصير هناك لغط وأخطاء. 
لكن في النهاية وبعد عدة سنوات، استجابت أنصار شحود لطلب حسان العباسي وفشلت في التعرّف على الأطفال في فيديوهات مجزرة التضامن وطمأنت حسان عباسي في محادثة مكتوبة بينهما، نشرها هو لاحقاً على الفيسبوك، كتبت فيها أن أطفال عائلة العباسي ليسوا من بين ضحايا مجزرة التضامن.  
نعم فشلت أنصار في التعرّف على هويات الأطفال، كما فشل سابقاً الخال المكلوم حسان العباسي، مرارًا وتكرارًا في التعرّف على أولاد أخته من خلال التدقيق بمئات الصور للأطفال السوريين في دور الرعاية الاجتماعية أو في المطارات الأوروبية، كما حدث ذات مرة عندما أكد انه متأكد بنسبة 99 بالمئة أنّ مَن سمّاها فتاة المطار التي تظهر في أحد فيديوهات اللجوء هي ابنة أخته الكبرى ديمة العباسي.
في نهاية المطاف، عندما تواصلت عائلة العباسي مع الجهات المختصّة والمخوّلة القيام بمهمة كهذه، والتي تمتلك إمكانية الوصول إلى الفيديوهات، مثل فريق المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية السورية والتابعة للأمم المتحدة (IIMP)، استطاعت هذه الجهات التأكّد من خلال مقارنة الصور والملابس ان أولاد الدكتورة رانيا العباسي الستة هم الذين تظهر أجسادهم المشنوقة بشريط بلاستيكي في واحد من فيديوهات مجزرة التضامن، وتمّ إطلاع العائلة على كل ذلك وفقاً للبروتوكولات المعتمدة في حالات كهذه.

تقرير التضامن وقرابين الحقيقة

كان لخبر تأكيد مقتل أولاد الدكتورة رانيا العباسي وتورّط المجرم أمجد يوسف في ذلك، وقع الصدمة على المجتمع السوري برمّته، ليس فقط لبشاعة الجريمة، ولكن لارتباطها بمجزرة التضامن وبملفّ أمجد يوسف، ولفتحها لجراحات ومآسي مئات آلاف العائلات السورية التي لا تزال تنتظر خبراً عن أولادها وبناتها المختفين. لكن بدلًا من أن تكون هذه الجريمة المروعة بداية الطريق لوضع آليات محدّدة تسمح بالتعاون مع الأهالي وبمتابعة ملفات المفقودين والعمل عليها والاستفادة من ارشيفات المخابرات التي صارت تحت سيطرة السلطة الجديدة، والتنسيق مع المنظمات الدولية والقضاء والسلطات الألمانية والهولندية التي حققت وأوقفت العديد من مجرمي الحرب السوريين، تحوّل مقتل أولاد الدكتورة رانيا العباسي إلى «تراند» إعلامي لبثّ الكراهية الطائفية والتحريض المذهبي وتأليب الطوائف بعضها على بعض، وصولًا إلى اتّهام أنصار شحود التي تنتمي إلى الطائفة الإسماعيلية وفريقها الذي يضمّ أفراداً من الطائفة العلوية منشقّين عن النظام ومتعاطفين مع الثورة، بأنهم تاجروا بدماء الضحايا وتلاعبوا بالمعلومات وضلّلوا عائلات الضحايا. وبدلًا من أن يكون انتماء هؤلاء الباحثين إلى كل الطوائف السورية، هو علامة خير ودليل على أن القتل والإجرام ليسا صنواً لطائفة بعينها، صار الهدف نزع أي مصداقية عنهم من وراء انتماءاتهم الطائفية والمذهبية.

في مواجهة هذه الحملة الشعواء، أصدر فريق البحث باسم الدكتور أغور أميت أنغور وأنصار شحود، بيانًا جديدًا أكدوا فيه على­­­ أهمية احترام السياقات الثلاثة، الأكاديمي والأخلاقي والقانوني، للتحقيق. لكنّ حملات التحريض والتراندات الطائفية، غطّت على كل نتائج وتفاصيل التحقيق الهائلة والاحترافية التي عملت عليه أنصار شحود والدكتور أغور أميت أنغور، بعد أن انتحلت أنصار على السوشال ميديا هوية باحثة من الطائفة العلوية مؤيدة لنظام الأسد واسمها Anna Sh، وبنت لنفسها هوية وشبكة علاقات ممتدة في أوساط النظام. وقد مكّنها ذلك، في النهاية، من التعرف على هوية القاتل أمجد يوسف وانتزاع اعترافات مصورة منه عن دوره في مجازر التضامن وتراتبيّته في المؤسسة الأمنية، كما مكّنها أيضًا، برفقة الدكتور أغور أميت أنغور، من اختراق واحد من أبشع أجهزة المخابرات بالعالم وأكثرها دموية وسرية. كما بيّنت آليةَ عمله وتنسيقه مع شبكات الشبيحة، المسماة الدفاع الوطني، في تنظيم الجرائم ذات الطابع الطائفي وعمليات القتل والإبادة والتطهير السكاني في حي التضامن جنوب العاصمة السورية المجاور لمنطقة مخيم اليرموك والست زينب.

بروفايل أنصار شحود على الفيسبوك، والذي اخترقت من خلاله المخابرات السورية.

استطاع هذا التحقيق أن يكشف العديد من الأسماء، وأن يبيّن سلسلة التراتبية وآلية اتخاذ القرارات بخصوص عمليات القتل وارتكاب المجازر. فمن أصغر القتلة من أمثال نجيب الحلبي، ابن الطائفة الدرزية، الذي شارك أمجد يوسف في عمليات القتل المصورة في الفيديو، إلى المسؤول المباشر عن أمجد يوسف، ابن حي القدم السنّي أبو أكثم (جمال خ) الذي نجحت انصار في مقابلته، مروراً بزعيم ميليشيا الدفاع الوطني الميداني صالح الرأس (أبو منتجب) ابن الطائفة العلوية الذي ارتكب الكثير من المجازر ذات الطابع الطائفي ولقّبَه زملاؤه بـ«هتلر سوريا»، إلى أبو علي حكمت أحد قادة الدفاع الوطني الذي أدار مقبرة بدائية لحرق الجثث، والذي يتّهمه التقرير بقتل 30 ألف شخص، وصولًا إلى فادي صقر، زعيم ميليشيا الدفاع الوطني المسؤول المباشر عن إعطاء الأوامر بارتكاب المجازر والمرتبط بعلاقة مباشرة ببشار الأسد عن طريق اللواء في القصر الجمهوري بسام مرهج حسن الملقّب بـ«الخال»، والذي يسمّيه التقرير برئيس أركان قوات الدفاع الوطني في القصر الجمهوري. هذا ناهيك عن مسؤولي الفرع 227 من مثل الرائد جمال إسماعيل وصولًا إلى رئيس الفرع شفيق مصّة.

مجرمو ميليشيا الدفاع الوطني في صورة نشرتها أنصار شحود في تقريرها، ويظهر فيها فادي صقر أقصى اليسار وأبو منتج هتلر سوريا في البدلة العسكرية، وإلى جانبه، في أقصى اليمين، أبو علي حكمت.

ويشير التقرير إلى أنّ العقل المدبّر لمجازر التضامن هو فادي صقر، ابن هذا الحي ورئيس ميليشيا الدفاع الوطني، والذي أقام معه النظام الحالي مصالحة واستفاد من خدماته ولم يعتقله إلى تاريخ كتابة هذا المقال. وعندما تسرّب فيديو لمصالحةٍ في حي التضامن بعد مقتل شابين من الطائفة العلوية، ظهر فيه فادي صقر برفقة محافظ دمشق ماهر الإدلبي وحسن صوفان قائد أحرار الشام السابق ومحافظ اللاذقية والعضو البارز في لجان المصالحة والسلم الأهلي، اندلعت عدة مظاهرات لأبناء الحي تحتجّ على الدور الجديد الذي أُنيط بفادي صقر. وعقد حسن صوفان على أثرها مؤتمراً صحفياً للدفاع عن موقف السلطة من فادي صقر. قال فيه بالحرف: نريد أن نؤكد على وجود شخصيات مثل فادي صقر ضمن هذا المسار وأهمية دورها في حل المشكلات وتفكيك العقد ومواجهة المخاطر. نحن نتفهم الألم والغضب الذي تشعر به عائلات الضحايا فهو غضب مشروع ومبرر. لكننا في مرحلة السلم الأهلي مضطرين لاتخاذ قرارات لتفادي انفجارات أعنف، وتأمين استقرار نسبي ضروري للمرحلة المقبلة. 

للأسف الشديد، يمكننا اليوم القول إن الانفجار العنيف لا يمكن أن يأتي من توقيف أشخاص من أمثال فادي صقر، ولكن من بقائهم طلقاء وعدم سوقهم إلى العدالة وتسفيه وتبخيس الدور الذي لعبته أنصار شحود وفريقها في كشف جرائم النظام الطائفية. والانفجار العنيف لا يأتي من إطلاق مسار شفاف وحقيقي للعدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين من كل الأطراف وكشف مصير المفقودين وجبر خاطر الأهالي، بل يأتي من التسويف والتجييش الطائفي، والتلاعب في المقابر الجماعية والتلويح بعظام الضحايا أمام كاميرات التلفزة والتعامل الاستعراضي مع جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
نعم، الانفجار العنيف لا يمكن أن يأتي من إطلاق عملية انتخابية حرّة لتشكيل مجلس تأسيسي يضع دستوراً دائماً للبلاد ويحفظ حق المواطنة المتساوية للجميع. والانفجار العنيف لا يمكن أن يأتي من فصل السلطات واستقلال القضاء وإقرار الحريات السياسية والنقابية والابتعاد عن المحسوبيات وتعيين الرجل المناسب في المكان المناسب وردّ المظالم لأهلها. الانفجار العنيف يأتي من تحريك الاستقطابات الطائفية والمذهبية هروباً للأمام وبحثاً عن شعبوية رخيصة، كلما واجهنا أزمات سياسية أو اقتصادية خانقة.
الانفجار العنيف يأتي وسيأتي إذا ما تمّ حرمان الشعب السوري مجدّداً من حريته وكرامته واختصاره في مذاهب وطوائف متحاربة.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
فاطمة النايف: ضحية جديدة لجرائم العنف الأسري
11-06-2026
تقرير
فاطمة النايف: ضحية جديدة لجرائم العنف الأسري
أفضل منتخبات مونديال 2026
تعليق

دفاعاً عن أنصار شحود 

محمد علي الأتاسي
حصيلة محدّثة في لبنان: 3,711 شهيداً، 11,483 جريحاً
ترامب: سنقصف إيران بقوّة شديدة هذه الليلة.
السعودية تستأنف استيراد الصادرات اللبنانية