مراجعة ثقافة
خليل الحاج علي

«صُنِع بسِحرك» 

الهوية، المحو، الذاكرة

20 آب 2026

يرتبط السحر، حسب «معجم المعاني»، بالإيهام والتخييل والدهشة. ويرتبط فنيًا، حسب رفاييل نافارو، بفعل ارتباك علاقتنا بما هو مألوف، إذ إنّه من خلال إيهامات بصرية وسمعية، يحرف الواقعي ضمن الواقعي، عبر التشويش على إدراك العالم، وإدراك الفضاء والزمان. قاموس العروض الأدائية والمسرح المعاصر، باتريس بافيس، ترجمة: أسامة غنم، هيئة البحرين للثقافة والآثار، ص. 205. هكذا، لا يكون السحر الفني نقيضًا للواقع، بل طريقة أخرى للنظر إليه، وبذلك ندرك المألوف كما لو أننا نراه للمرة الأولى. قد يتطابق مفهوم السحر ودلالاته، مع المعرض الفني «صُنع بسحرك»، كما أنه يقترن بفعل آخر هو «الصنع». يُقام المعرض حتى تشرين الأول المقبل، في «مركز بيروت للفن» Beirut Art Center، الكرنتينا. يقام المعرض بإشراف قيمي من طارق أبو الفتوح، بالتعاون مع فريق بيروت الذي يضمّ مارك غزاله، ولين دبوس، وداود عندس، وجوزيف كسرواني، وإدوارد بوري، فيما صمّم المعرض حسين بيضون بمساعدة نزار ناصر. فالعنوان المستقى من العبارة التي وُضعت لحفظ المقامات الموسيقية الشرقية، لا يكتفي بالإشارة إلى الأعمال الفنيّة وأثرها، بل يدعو الزائر/ة للصنع والمشاركة في إنتاج «المعنى». لكن ماذا يستطيع هذا الصنع أن يفعل، حين يأتي الفن إلى مدينة مثقلة بالمحو؟ 

ما الذي يفعله المعرض في بيروت، الآن؟

لا يملك الفن قدرةً على إيقاف المحو، أو تغيير العالم، لكنه يملك قدرةَ منعِه من المرور دون أثر. في اللحظة التي تهدّد فيها الحروب بمحو الأمكنة، والكائنات، والأرض، تتحوّل الأعمال الفنية في معرض «صُنع بسحرك» إلى مساحات للحفظ، لا كمادة أرشيفية جافة، وإنما بوصفها اختباراً حسيّاً يتيح تجربة فنّية مغمورة بالأحاسيس والأفكار والأسئلة. تأتي الأعمال المشاركة في المعرض كأداة شبه أخيرة للفنانين/ات للتعبير عن الهموم والمآسي المرتبطة بما تشهده أو شهدته الإنسانية، من خراب وتدمير وقتل ومحاولات للاستيلاء على مقدرات الشعوب وإمكانياتها، في وقت يحاول الزائر/ة، من خلال وعيه، ومخيّلته، وأحاسيسه، التفاعل والتماهي، وربط السياسي بالإنساني. فتتحوّل التجربة إلى اختبار لما يمكن أن يبقى من الحدث بعد مروره، أو حين يتداخل مع الراهن، فيصبح الزمن نفسه جزءًا من تجربة العمل، ويغدو الأثر الفنّي مساحةً لاستمرار ما لم ينتهِ بعد.

تتجسّد هذه الأسئلة والأحاسيس في عمل 23 فنانًا وفنانة من مجالات الرسم والنحت والمجسمات والفيديو والتصوير الفوتوغرافي. وتأتي نسخة بيروت بمشاركة سبعة أعمال مختلفة عمّا عُرض في تونس (لاحقًا دمشق وجدّة وبغداد). فالمعرض لا يُقدَّم بوصفه معرضًا جوّالًا، بل يتغيّر بحسب كلِّ مدينة، ويستجيب للمتغيّرات فيها بحسب ما يوضح القيّم الفني للمعرض، طارق أبو الفتوح، في حديثه لنا، لأنَّ هذا المعرض يفتح سؤال الهوية.

منحوتة من النسيج البدوي في العمل الفني «نقطة ارتكاز» للفنانة سنية قلال.

تتمثّل لحظة التجربة الأولى، بمجرّد أن يفتح الزائر/ة الستارة الحمراء، عند مدخل صالة «مركز بيروت للفن». لحظة اكتساح بصري عارمة، نستدرك فيها السحر بعينه. تتدلى من السقف، خيوط شعر الماعز والجِمال المدعّمة بأسلاك معدنية. المنحوتة القماشية للفنانة سنية قلال في عملها «نقطة ارتكاز»، تستمدّ أصولها من ذاكرة الرحّالة في مجتمع المزاريق، حيث كانت النساء يشددن بأيديهنّ لنسج خيامهنّ، إلى أقصى حدّ، فتتدلّى الخيوط بفعل مقاومة فيزيائية، تؤمّن التظلّل والراحة. يحار الزائر بين البقاء تحت ظلال الخيوط اللامعة، أو الرغبة بالترحال. لكن، لا خيار أمامه إلّا الانغماس الذي يشكّل إحدى الطرق الأساسية لاكتشاف المعرض. 

من الخيوط إلى الملح، يتبدّل شكل البقاء، فيما يبقى فعل «الحفظ» طاغيًا على الأعمال الفنية في المعرض.  تأتي اللقطات المصوّرة من مياه البحر الميت في أريحا، فلسطين، في فيديو الفنانة نور أبو عرفة، «ذاكرة الملح». يعرض الفيديو ضمن شاشة مسطحة بشكل انحنائي باتجاه الأرض، يتقدّمها مقعد خشبي يتّسع لأربعة أشخاص، مع توفير سمّاعات تبثّ أصوات تهويدات الأمّهات للأطفال خلال ما عُرف بــ«عام الجوع». يقدّم مفهوم «الملح» كمادة تخفّف الجوع والتهويدة إلى محاولة لتخفيف العذابات. يشتبك الماضي مع الراهن، ويصبح التجويع كذاكرة تتقاطع مع جوع أطفال غزة. فالملح في الفيديو عالي الدق، لا يحفظ الطعام، بل الذاكرة أيضًا. 

من عمل الفنان أحمد غصين، وهي فيديوهات قام بتوثيقها والده، خلال الحرب الإسرائيلية المتواصلة على بلدة القنطرة، جنوب لبنان.

لا يتوقف الراهن عند هذا الحدّ. بل يظهر بشكل قاسٍ من خلال الفيديوهات التي تُعرض على أربع شاشات وثّقها والد الفنان اللبناني أحمد غصين من بلدة القنطرة في جنوب لبنان. تبثّ الفيديوهات الحزن والكرب في النفس. نرى الطيور والقطط والنحل، ككائنات تواجه الوحشية الإسرائيلية. الأب يحاول استمالة ابنه، المخرج السينمائيّ، وإقناعَه بأن الحياة في الجنوب آمنة وساكنة، إلى أن اضطرّ الأب إلى الرحيل قسرًا. تعكس الفيديوهات ذات الدقّة المنخفضة، وانعدام أسس التصوير، واهتراء جماليات الصورة، أصالةً لا متناهية. صور لوالد يعمل ابنُه في السينما، قرّر أحمد غصين تجميعها وبثّها كما هي من دون البحث عن الكمال الجمالي، والاكتفاء بأثر اللحظة. تشبعك الحكاية وتفتت المعايير البصرية، إنها الأرض وفطرة قاطنيها في مواجهة الأهوال. سنرقد هنا يقول الأب في لحظة يمرّ فيها إلى جانب المقبرة، حقيقة مطلقة، وأمل منشود، يطلقه الأب في مواجهة الرحيل. صوت السكون، يحفظ اللحظات الأخيرة لبلدة جنوبية، كأثر مهدّد بالاختفاء. 

 لوحة «بلا عنوان» التي عرضها سمير خداج عام 1989 في فندق الكارلتون، في بيروت. 

لا يأتي مفهوم «الزمن» كوحدة متجانسة في المعرض، أو كناظم مشترك يربط الأعمال الفنية، بل يظهر الزمن متشظّيًا، يحاول الزائر أن يلملمه. الحرب الأهلية اللبنانية تبدو كخراب فاقع، في لوحة سمير خداج «بدون عنوان». وعند رؤيتها يتضح لماذا أطلق عليها الباحثون اسمًا غير رسمي «الحقيبة الحمراء». في قلب اللوحة، تمسك سيدة حقيبتها وتعبر الشارع، بينما تتحرك الحرب من حولها كما لو أن الحرب أصبحت جزءًا من المشهد اليومي. لا تحتل الحقيبة الحمراء مكانًا عابرًا في العمل، بل تحمل كثافة رمزية حول «النجاة»، وسط واقع منهار. هكذا، لا يضمحلّ زمن الحرب الأهلية في الذاكرة اللبنانية، بل يشتبك مع راهن الحرب الإسرائيلية المستمرّة على لبنان. لوحة سمير خداج، المشغولة بجماليات الزيت وتماسك التكوين، وفيديو أحمد غصين ذو الدقة المنخفضة وغياب الصنعة السينمائية. إنًه الاختلاف الشكلي في مواجهة تجربة الحروب الثابتة.   

ينبثق عن هذا التداخل في الأزمنة، والتشابك في المعاني، سؤال أساس: هل تختلف كيفية تشكّل العمل الفني حين يتعامل مع ذاكرة مهدّدة بالاختفاء، فيتحرّر من المعايير الشكلية الصارمة التي حدّدت مفهوم الفن؟ تُعرَض الأعمال الفنيّة في «صُنِع بسِحرك»، كوحدات مجتمعة ومتجاورة، تحمل أفكارًا مستقلة ومتنوّعة. فالتعدّد الشكلي ليس مجرد تنوع جمالي، بل هو جزء من موقف المعرض من الهوية نفسها. من هنا يمكن القول إنّ تجاور أعمال الفنانين وطريقة عرضها، لا يحملان قرارًا تنظيميًا وحسب، وإنما يشكلان جزءًا من المقاربة الفنية التي يقترحها المعرض. فالأعمال لا تخضع لأسلوب ثابت، بل تتحرك خارج السرديات والنمطيات التي تبدو مستقرة، كما لو أنّ تعدّدها يعيد التفكير في الهوية نفسها. 

ربما هنا يكشف المعرض شيئًا من سرّ العنوان الذي يستعيره من المقامات الموسيقية. فالمعرض يتشكل من تنوّع أعمال تستعيد التاريخ، وتشاكس الراهن، وتطلّ على مستقبل يحفظ الذاكرة، فتكشف حكاية المقامات عن الوجه الآخر للتحوّلات: حين انتقلت من «الشرقية» إلى «العربية»، لم يتغير الاسم وحده، بل تراجعت معه، في بعض السياقات، أسماء وهويات جماعات وأقليات، كالكرد مثلًا. وعند التأمّل في أسماء المقامات الفنيّة (صبا، عجم، كرد، بيات...) والبحث في أصولها وتاريخها، يتضح أنها انعكاس لتنوّع ثقافي وفني ثري، يتخطى أيّ صورة نمطية للهوية اللغوية أو الدينية أو القومية، وأنّ استمراريتها حتى اليوم على مدى زمني وتاريخي طويل، دليل على تحدٍّ مذهل لتغيُّر الظروف السياسية وتقلّبات أهوائها من إقصاء واضطهاد وحروب وثورات وحتى انهيار إمبراطوريات. فالفنّ سرمديٌّ، بحسب جوزيف مارغوليس، لا يوقف اللحظة بل يعلّقها أمامنا، ويعيدها إلى العلن كأنها سحرٌ لا يكتمل.  آرثر سي. دانتو، بعد نهاية الفن، ترجمة هادية العرقي، هيئة البحرين للثقافة والآثار. 2021. ص. 109. وعليه لا تأتي الأعمال الفنيّة في هذا المعرض الفني لاستعادة ما مضى أو جعل التاريج موحّدًا وجافًا، بل تتحوّل إلى فضاء رحب لسرديات متنوعة، ومناهضة للهيمنة والسيطرة. فلا تتجاور في المعرض الأعمال وحسب، بل السرديات المتنوّعة أيضًا؛ بعضها يتشبّث بالأرض، وبعضها يستعيد أثر الحرب، وبعضها يعيد تسمية الأشياء، فتظل الهوية في حالة تشكُّل لا تستقرّ على صورة واحدة.

اختلاف الموادّ والأجسام والأحجام
 

منحوتة ملحيّة كبيرة الحجم للفنان آلاء عبد النبي، تجسّد الأسد الأمازيغي. 

لعلّ أوّل ما يلفت انتباه الزائر/ة في الطابق الأرضي للمعرض، مجسّم الأسد البري المصنوع من الملح الأبيض البرّاق. الأسد، أو أسطورة المعرض وحارسه اليقظ حسب المادة التعريفية للعمل، يحمل جسده الهائل تناقضات بين الثبات والانهيار، القوّة والهشاشة. ومع أنّه يبدو في لحظة قوة رهيبة، فإنّه يبقى عرضة للذوبان في أي وقت. وقد يحمل سؤال: ما الذي يبقى وما الذي يزول؟ يتحول عمل الفنانة آلاء عبد النبي «أجساد غريبة 2»، إلى علامة سيميولوجية تتصدر الطابق الأرضي للمعرض، وتتوسّط مشهدًا بصريًا لوسائط مختلفة؛ أعمال صلبة، وأخرى متراخية، منها صارخة أو ناعمة، يتوزع التناقض في أرجاء المكان، ويكثّف الشعور برهبة الأرض والكون والكائنات. 

على مقلب آخر، تظهر آلاف الصور الفوتوغرافية التي تُعرَض ضمن فيديو مدّته حوالي عشر دقائق، لشجرة ثابتة تتبدّل من حولها الفصول. لمسة تاركوفسكية لامتناهية، تأتي في عمل الفنان بشار فيوض «شجرة التوت الأخيرة» من قلب حقول الغوطة الشرقية في دمشق. وثّق الفنان السوري صورًا لا تحصى للشجرة من غرفته، بينما كان متخفيًا فيها بعيدًا عن خدمة العلم، في ظل الثورة والحرب السورية. لحظة أبدية لشجرة شكلت عنصرًا مهمًّا في نجاة المصوّر، في الوقت القريب، ومصدر إنتاج الحرير عبر القرون. هذا التقارب بين تجربة المصوّر وتاريخ الشجرة، يتحول إلى تأمل للبقاء والاستمرار وسط التبدلات السياسية، أو المناخية.

 

آلة العود كما ظهرت في عمل الفنان هايغ أيفازيان «أنا مريض ولكنني حيّ».

هكذا، يقود اختلاف المواد والوسائط المستخدمة في الأعمال، الزائر/ة للبحث عن موقع الإنسان داخل التحولات التي تحيط به. يظهر البرونز في عمل الفنانة السورية روناك أحمد «الحياة تهمس بمخلب صغير»، ضمن تماثيل ثقيلة ومصغّرة لأجساد صلبة، مما يكشف عن هشاشة اللحظة السورية، وسط مشهد معلّق بين قلق الحاضر وغموض المستقبل في المنطقة. وعلى مسافة من المادة البرونزية، يأتي المجسم الخشبي لآلة العود، وهنا يحسَبُ الزائر نفسه أنّه أمام أكثر الأعمال التي تتلاقى مع فكرة المقامات الموسيقية للمعرض. لكنّ آلة هايغ أيفازيان «أنا مريض لكنني حي»، لا تظهر بوصفها أداة وحسب، بل كمفهوم يحمل تاريخًا من التحولات. فعندما حاول الأتراك ضبط شكل العود وتوحيد معاييره، لم يكن شأنًا تقنيًا فحسب، بل تعبيرًا عن رغبة في ترتيب التنوع، الذي هو في الحقيقة طمس للتاريخ. وبهذا، يستعيد العمل مرحلة أصبحت الآلات الموسيقية فيها جزءًا من أسئلة الهوية والانتماء. 

على صعيد آخر، يخوض حسام سرغاية غمار تجربة تصوير فوتوغرافية لعروض أدائية. أربع صور فوتوغرافية، يتحرّك فيها الجسد في مناطق النزاع في سوريا، تحديدًا داخل البيوت المهدّمة. عرض يرغب من خلاله الفنان في استعادة المكان، كما لو أنه لم يتعرّض لأيّ محو قريب. ينكأ «بلا تفويض» بالذاكرة السورية الدامية، ومعها ينكأ جراحنا في لبنان وغزة. نستعيد صور البيوت التي فرّت عائلاتها لحظة اندلاع المواجهات العسكرية، وتركت الأدوات المنزلية مبعثرةً بشكل فوضويّ، ينظفها سرغاية، ويرتبها، ويرفض أفولها. حوادث تفجير البيوت وهدمها وقصفها كما احتلالها، تعوم أمام عمل مؤثّر يصبح فيه فعل «ترتيب البيت» موقفًا سياسيًا من البقاء.

أدوات زراعية قديمة من واحات قابس ملطخة بالطين، معلقة على الحائط، في عمل الفنان سيف فرج.

تمتدّ أسئلة البقاء، حتى تطاول مفاهيم الاقتصاد والإنتاج الذي يبدو سؤالًا ملحًا وحاضرًا بشكل صريح على أكبر حائط في المعرض. يرمي الفنان يوسف فرج أدوات زراعية ملطخة بالطين، فتُعلّق على الحائط الأبيض. منجل ومجرف ومحراث، وغيرها من أدوات الزراعة التي تبدو وكأنها قد خرجت للتوّ من الأرض، حاملة آثار اليد والعمل والإنتاج. يعيد العمل الفني «تمرّد 2»، كونه عملًا مفاهيميًا، نقل الأدوات الزراعية من الأرض إلى فضاء السؤال عمّا يجعل من عملٍ ما عملًا فنيًا؟ سؤال يزداد تعقيدًا مع الفن المعاصر، حيث أصبح فعل كل شيء ممكنًا، باسم الفن، وصار من الصعب الإجابة عنه.   

نهاية المعرض: الارتطام بعرض الحائط والعودة إلى سؤال البقاء 

بين أعمال كثيرة تتجاور فيها الوسائط والأسئلة، نمضي في جولة أولى لا تكشف كل شيء دفعة واحدة. أعمال سنُضطر للعودة إليها لاحقًا، إلى أن نصل إلى 11 صورة فوتوغرافية تحت عنوان «محاولة الاستيلاء على المدينة المخفية» لمحمد نمّور الذي يوثّق الخوف والترقّب والملاحقة، ويعيد السؤال عن السيطرة الرسمية وغير الرسمية، بحسب ما يشير كاتالوغ المعرض. تبرز سيطرة الفصائل الإسلامية المتطرفة على الشوارع الدمشقية، فتكشف هول لحظات السيطرة. مسلحون يعبرون الطرقات، ومخلفات عبور بعد ليلة صاخبة بالأحداث السياسية فوق جسر ما، وسطح منزل من حوله الخراب... وعينان لامعتان لفتى مسلّح، شرقي، بملامح هوليوودية، ينظر إلى العدسة وكأنه يقيم حوارًا معنا. 

من مجموعة «محاولة الاستيلاء على المدينة الخفية»، التي قام بتصويرها محمد نمّور.

ينتهي عرض الصور الفوتوغرافية لمحمد نموّر، على الحائط الأخير. نبحث عن المخرج، فلا نجده مما يضطرّنا للعودة إلى نقطة البداية في الطابق السفلي. نعود أدراجنا من حيث أتينا. تستوقفنا بعض الأعمال الفنيّة، ونعيد الوقوف عندها. خلال العودة من الطابق العلوي، نهمّ بالخروج، لكنّ ثقل الأسئلة والمعاني قد يدفع البعض لاحتساء «بيرة» في المقهى الذي أقيم على يسار مدخل المعرض. يتحوّل المقهى طوال فترة المعرض إلى فضاءٍ للقاءات وجلسات استماع وبرامج حوارية مُخصصة للمقامات الموسيقية الثمانية، التي لا يمحو تغيير اسمها، ما تختزنه هذه المقامات من تاريخ وتنوّع وذاكرة.

بين لحظات الدخول والخروج، قد لا نلتفت إلى لوحة «الشاطئ الزهري» لإيتيل عدنان، المعروضة عند مدخل «مركز بيروت للفن». بعد كل ضجيج الأسئلة، يوفر معرض «صُنع بسحرك» استراحة حسية هادئة، من خلال الاحتفاء بلوحة رسمتها إيتيل يومًا بحجم مصغّر، خلال زيارتها إلى تونس في ستينيات القرن الماضي. فالفنانة التي ظلّت تونس رغبةً تراودها، التقت هناك بنسّاج ماهر، طلبت منه تحويل نسيجَيْن لها لترسم عليهما لوحات صغيرة، بعدما تعذّر إنتاج أعمال كبيرة الحجم بسبب «آلام الظهر» وصعوبة التنفيذ. اليوم، يعيد المعرض تحقيق رغبة إيتيل عدنان في إنتاج «الشاطئ الزهري» بطبعة كبيرة الحجم، لتلتقي هذه الرغبة مع حاجة الزائر/ة إلى لحظة هدوء وسكون وسط هذا الخراب. 

«الشاطئ الزهري»، لوحة إعلانية مطبوعة على فينيل، مستوحاة من الرسم الأصلي Plage Rose للفنانة الراحلة إيتيل عدنان (2020).

الصور: يوسف عيتاني. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
مراجعة

«صُنِع بسِحرك» 

خليل الحاج علي
هذه خلاصات 5 «تحقيقات» إسرائيلية
19-08-2026
تقرير
هذه خلاصات 5 «تحقيقات» إسرائيلية
أبرزها قضيّة هند رجب
تركيا - إسرائيل: صراعُ النفوذ على الأرض السوريّة 
19-08-2026
تقرير
تركيا - إسرائيل: صراعُ النفوذ على الأرض السوريّة 
حدث اليوم - الأربعاء 19 آب 2026
19-08-2026
أخبار
حدث اليوم - الأربعاء 19 آب 2026
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 19/8/2026
مفقودون فلسطينيّون في حرب الإسناد: شقيق عبد الكريم يناشد الهيئات الدولية
19-08-2026
تقرير
مفقودون فلسطينيّون في حرب الإسناد: شقيق عبد الكريم يناشد الهيئات الدولية