تُثير تحرّكات الطالبات والطلّاب الثانويين في فرنسا، والتعامل السياسي والإعلامي والأمني معها، عدداً من القضايا على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد.
فالتحرّكات الطلابية هذه، وهي الأوسع منذ أيار 1968، تتوِّج سلسلة تحرّكات اجتماعية كبرى شهدتها فرنسا في العقد الأخير: السترات الصفراء، وعمّال النظافة، والأجسام الطبّية والتمريضية، والقطاع التربوي، والمستخدمون في النقل العام، وموظَّفو الإطفاء، والمزارعون، إضافةً الى التحرّكات النقابية ضدّ قانون التقاعد المُجحف بحقّ المنخرطين في مهنٍ مُنهِكة جسدياً ونفسياً، والتحرّكات النسوية المستمرّة ضدّ العنف الذكوري، والتحرّكات الشبابية ضدّ عنف الشرطة، لا سيّما في ضواحي المدن وداخل الأحياء الشعبية.
على أنّ ما يميّز التحرّكات الطلابية الحالية هو التقاطع بين المسائل الاقتصادية- الاجتماعية والتربوية- المؤسساتية والسياسية- الإعلامية المرتبطة بمستقبل فرنسا وسياسات الحُكم فيها، وبأحوال جيل من أبنائها وبناتها القلقين من التمييز الذي يتعرّضون له ومن التحدّيات التي لا يجري تحضيرهم كفايةً لخوضها.
أحوال الثانويّات وانعدام العدالة
تُشير دراسات العديد من الاقتصاديين (أبرزهم توماس بيكيتي) المبنيّة على الأرقام الرسمية للحكومات الفرنسية المتعاقبة، إلى تراجع متواصل منذ العام 2007 (أي منذ ولاية الرئيس نيكولا ساركوزي) في مستويات الإنفاق على الطلاب الثانويين (وعلى التعليم بشكل عام). ذلك أنّ فرنسا التي تقدّمت جميعَ الدول الأوروبية في معدّلات الولادة بين العامين 2000 و2003، تزايد فيها ابتداءً من العام 2015 ولغاية العام 2023 عدد الطلاب المنخرطين سنوياً في الثانويات (ارتفع رقم الانخراط السنوي من مليونين ومئة وتسعين ألفاً الى مليونين ومئتين وسبعين ألف طالب)، بما كان يفترض إنفاقاً سنوياً أكبر من الذي اعتُمد من أجل المحافظة على المستوى التعليمي والخدماتي نفسه وعلى الظروف اللوجستية في الثانويات والمدارس التي كانت متوفّرة قبل بدء هذا التزايد. أدّى هذا الأمر، رغم توسيع الموازنات التربويّة (المتأخّر وغير الكافي) في السنوات الأربع الأخيرة، إلى جعل قاعات التدريس أكثر كثافةً، وإلى ارتفاع عدد الطلاب مقارنةً بعدد المدرّسين والإداريين، خاصّةً مع سياسة توظيف مدرِّسين جدد أقلّ من عدد الذين تقاعدوا. وتفاقم الضغط على خدمات المدارس، من مختبرات وتجهيزات ومطابخ وحمّامات وتدفئة وتهوئة، من دون أن يرافق الضغط أيُّ تحسين فيها أو تطوير (أو حتى صيانة في بعض الأحيان). تبلغ الأمور ذروة التدهور حين تُقارَن ظروف المدارس العامة وموازناتُها في الأحياء المدينية الشعبية أو في ضواحي المدن الكبرى والمتوسّطة بما هي عليه في قلب المدن أو في دوائرها المرفّهة اجتماعياً.
إزاء هذا الواقع، لا تستقيم حجج الحكومة لتبرير الوضع الراهن على أساس عجز الموازنات وعدم توفّر الأموال اللازمة، إذ يطالب الكثير من الخبراء والمنظمات الدولية بإضافة أقلّ من 2 في المئة من الضرائب السنوية على أقلّ من 1 في المئة من الفرنسيين الأكثر ثراءً لتمويل مجمل الإنفاق الاجتماعي اللازم لتحسين أحوال التعليم والاستشفاء والخدمات في الكثير من المناطق.
مطالب الثانويّين وعنف الشرطة
انطلقت التحرّكات الطلابية ضدّ ظروف التعليم وأحوال الثانويات من ضاحية كريتيّ، في جنوب شرق العاصمة الفرنسية، في 18 أيلول، ثمّ امتدّت بعد ثلاثة أيام إلى ثانويات الضواحي الأخرى، ومن ضمنها ضاحية باريس الأكبر، سان دوني، التي شهدت ابتداءً من 25 أيلول تعطيلاً للدراسة وإقفالاً من قبل الطلاب للثانويات، عبر سدّ المنافذ منها وإليها، لتقع أولى المواجهات مع الشرطة. وسرعان ما تكرّر الأمر وانتشرت الظاهرة في مختلف مدن فرنسا، وشارك فيها عشرات آلاف الطلاب الذين نجحوا في إقفال أكثر من 560 ثانوية (من أصل 3,700 ثانوية وطنية عامة وخاصة). وأعلن الطلاب من خلال بيانات اتّحاداتهم وجمعياتهم العمومية عن مطالب أبرزها تحسين ظروف المباني الدراسية وصيانتها وتحسين قاعات الدراسة وتجهيزها، وتوظيف المزيد من المدرّسين واستبدال الغائبين منهم بعد تراجع أعدادهم (بموازاة ازدياد أعداد الطلاب الذي أشرنا إليه)، واستحداث قاعات تدريس جديدة لتخفيف الاكتظاظ، خاصّةً في ظلّ ارتفاع درجات الحرارة في الخريف والربيع، وتلبية احتياجات المطابخ المدرسية والمرافق الصحية، وتعديل نظام التنسيب للجامعات الذي يقلّل فرصَ الوافدين من غير الثانويات الكبرى في اختيار اختصاصاتهم ومدن دراستهم. ترافق ذلك مع تداول عشرات الفيديوهات المسجّلة في مدارس الضواحي والأحياء المدينية الشعبية، والتي تظهر الظروف السيئة للثانويات ووجود القوارض داخلها وانعدام النظافة في حمّاماتها بعد تقليص أعداد عمّالها.
وفي مواجهة تحرّكات الطلاب التي اتّسعت لتشمل في بداية تشرين الأول جميع الأقاليم الفرنسية، لم يصدر لأيّام أيّ تعليق سياسي حكومي، واكتفت وزارة الداخلية بإصدار أوامر للشرطة للتدخّل بذريعة فضّ الاعتصامات و«تأمين الثانويات». فانقضّت بالفعل وحدات الشرطة على الكثير من المجموعات الطلابية، واستخدمت عنفاً مفرطاً استهدف بشكل خاص طلاب ضواحي باريس ولانس، وأدّى إلى إصابة أكثر من 200 طالب، حالة ثلاثة منهم خطرة. وردّ الطلاب بالتظاهر وإقفال المزيد من الثانويات، كما انضمّت مجموعات شبابية من أقصى اليسار إلى تحرّكاتهم واصطدمت بالشرطة. كذلك انضمّت إلى التحرّكات نقاباتٌ، ونظّم مدرّسون وأهالي طلّاب سلاسل بشرية حول الاعتصامات والمظاهرات لحماية الشبان من هجمات الشرطة. كما حضر رؤساء بلديات ونواب من حركة فرنسا الأبية لدعم الطلاب وتبنّي مطالبهم.
وشكّلت مظاهرات 6 تشرين الأول التي جمعت ربع مليون شخص (بحسب الشرطة) ونصف مليون (بحسب النقابات) منعطفاً في مسار التحرّك الطلابي، إذ بات عنواناً للمواجهة مع الحكومة من جهة، ومع اليمين المتطرّف الذي يدعم الشرطة وسلوكها، من جهة ثانية.
يفيد القول هنا إن استطلاعات الرأي تؤكّد في كلّ استحقاق انتخابي منذ ستّ سنوات، أنّ ما بين 55 و60 في المئة من عناصر الشرطة الفرنسية يصوّتون لليمين المتطرّف. كما أنّ التقارير التي تعدّها هيئات حقوقية متخصّصة حول العنف الميداني وسلوك الشرطة تُظهر أن أغلب القضايا المرفوعة أمام المحاكم نتيجة إصابات (بعضها مميت) تسبّب بها شرطيّون، حصلت في الضواحي التي يقطن فيها فرنسيون من أصول مهاجرة، أفريقية وشمال أفريقية. وتُظهر التقارير نفسُها أنّ احتمال تعرّض شبّان للتفتيش أو للتضييق أو للألفاظ النابية من قبل عناصر الشرطة يزيد خمسة أضعاف عن المعدّل إذا كان هؤلاء من السُّود أو من أصول عربية. تدفع هذه المعطيات العديد من علماء الاجتماع لاعتبار عنف الشرطة في الضواحي أشبه بالعنف الكولونيالي، إذ يمارسه جهاز «وطني» مركزي ضدّ سكّان تحدّروا من بلدان كانت مستعمرات فرنسية. أضِف إلى ذلك أنّ فرنسا هي البلد الوحيد في غرب أوروبا الذي يجيز استخدام بعض الأسلحة وطرق الاعتقال خلال ما يُسمّى «أعمال العنف المديني».
التغطية الإعلاميّة واللحظة السياسيّة الانتخابيّة
تسيطر على المشهد الإعلامي المرئي والمسموع في فرنسا منذ عقد من الزمن ثلاث شبكات خاصة تعود ملكيّتها لشخصين مليارديرين (بولوريه واللبناني سعادة الذي اشترى شبكة رجل الأعمال الإسرائيلي دراحي) ولشركة بويغ (متعدّدة المجالات والقطاعات الهاتفية والرقمية والهندسية والصناعية). يقدّم أولئك المالكون، وهم يمينيّون أو يمينيّون متطرّفون، تغطيةً للأحداث الداخلية والخارجية ضمن أجندة أيديولوجية تدافع في كلّ منعطف عن مصالح الأثرياء. وتتصاعد سنوياً الشكاوى المقدّمة ضدّهم أمام الجسم الفرنسي الرسمي المولج بمراقبة الإعلام وأساليب تناوله للأخبار ومدى احترامه للتنوّع ولنسب الأوقات المتاحة للقوى السياسية المختلفة.
يشنّ هذا الإعلام، حالياً، حملةً ضدّ المظاهرات والمجموعات اليسارية المنخرطة فيها، رغم اضطراره لاستضافة ممثّلين عنها في البرامج الحوارية. وتبلغ حملته حدوداً غير مسبوقة من الكراهية في حالة سي نيوز (المملوكة من اليميني المتطرّف بولوريه ضمن مجموعة كانال بلوس)، حيث ينعت بعض المذيعين والضيوف المتظاهرين بالحثالة، ويتّهمون حزب فرنسا الأبية اليساري بتحريكهم، ويعدّون الضواحي أوكاراً للإسلاميين والمهرّبين والمجرمين.
في المقابل، يحضر الطلاب بقوّة في وسائل التواصل الاجتماعي وفي قنوات الإعلام البديل ومواقع الأخبار الإلكترونية. وينفي ممثّلو فرنسا الأبية الاتهامات الموجّهة إليهم، مؤكّدين في الوقت نفسه على تأييدهم التامّ لمطالب الطلاب، ومستنكرين العنف ضدّهم.
والحقّ أنه بمعزل عن الاتهامات هذه ونفيها، يجدر القول إنّ الطلاب الثانويين الذين سيصوّت بعضهم للمرّة الأولى في الانتخابات الرئاسية المقبلة (الدورة الأولى في نيسان 2027) هم عنصر المفاجأة الوحيد الممكن لوقف تقدّم مرشّحة اليمين المتطرّف مارين لوبن إلى سدّة الرئاسة. ذلك أنّ الاستطلاعات تشير إلى أكثرية ساحقة من بينهم، ستصوّت ضدّ لوبن في جميع السيناريوهات في الدورَيْن الأوّل والثاني (الذي يصعب عدم تخيّلها فيه)، وإلى أنّ ما يزيد عن نسبة الثلث ستصوّت منذ البداية لجان لوك ميلانشون، مرشّح فرنسا الأبية. ويُدرك ميلانشون أنّ كثافة تصويت الوافدين الجدد إلى الحلبة الانتخابية هي سبيله الوحيد للوصول الى الدور الثاني في مواجهة لوبن، ويعرف أيضاً أنها قد تكون فرصته- ولَو الضئيلة- لإحداث إنجاز تاريخي في الدور الثاني.
لذلك، باتت تحرّكات الثانويين اليوم بارومتراً للحياة السياسية الفرنسية قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية وقبل عامين من الانتخابات التشريعية. ويُرجّح أن تستمرّ الأمور على النحو نفسه في الأسابيع المقبلة، وأن تشهد باريس ومرسيليا وليون وليل ورين وتولوز وغيرها من المدن مظاهرات ضخمة في 17 تشرين الأول.
بات الطلّاب الثانويّون إذاً محور التجاذبات السياسية الوطنية. وبات التعامل مع مطالبهم جزءاً من البرنامج السياسي لمعظم القوى ومرشّحيها، مثله مثل الموقف من عنف الشرطة وعنف الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.