تعليق الحرب على لبنان
سامر فرنجية

«عقيدة غزّة» في لبنان

11 آذار 2026

«عقيدة غزّة»

الحرب على غزّة لم تكن غلطة أو انتهاكاً أو تهوّراً، كانت عقيدة. أو أصبحت عقيدة، بفعل الواقع.

بعد مرور سنتين على الإبادة، بات واضحًا أنّ آلاف الفيديوهات عن انتهاكات الجيش الإسرائيلي لم تُسرَّب خطأً، وأنّ تدمير العمران ومقومات الحياة لم يأتِ صدفةً، وأنّ مئات آلاف القتلى لم يسقطوا لكونهم أضرارًا جانبية للحرب. من منظور الحاضر،  يبدو كلّ هذا جزءاً من خطّة، أو نموذجاً لعقيدة حرب، تهدف للقضاء على إمكانية الحياة، أو فرض ما سمّاه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن «الحياة العارية» كمستقبل لجماعات بأكملها، أي الحياة التي يمكن الاستغناء عنها من دون أن يُعَدّ ذلك جريمة.

الضاحية الجنوبية لبيروت ستكون مثل خان يونس، قال وزير المالية الإسرائيلي. 

بات واضحًا أيضًا أنّ إسرائيل لم تنزعج من المحاكمات والإدانات ومذكرات التوقيف والمظاهرات والمقاطعات. هذا أيضًا بات جزءاً من الخطة. فأن تكون الجريمة موثّقة ومُدانة ومُستنكرة، ولكنّها مستمرة، فهذا سرّ فعاليتها. نجحت إسرائيل في تحويل غزّة من عنوان للابادة والعار، إلى مجرّد توصيف لنوع من العمليات العسكرية، يمكن تهديد مجتمعات أخرى به. 

إذا لم يتوقّفوا، ستصبح طهران مثل غزّة، عنونت جريدة الغارديان مقالتها عن ليلة القصف الوحشية على العاصمة الإيرانية. 

بات واضحًا أيضًا أنّ غزّة ليست درسًا، أي نموذجاً لشرٍّ يُرتكَب مرّةً كي يُنهي شرّاً أكبر، شرّ لا بدّ منه «لتقصير أمد عذاب الحرب»، كما برّر يومًا الرئيس الأميركي ترومان قراره استعمال القنبلة النووية. «عقيدة غزّة» تهدف إلى تمديد عذاب الحرب، وتحويله إلى حالة دائمة، تجعل من المجتمعات مخيمات مفتوحة من «الحياة العارية»، حتى لا يبقى مجتمع قائم يهدّد مشروع إسرائيل الأبوكاليبتي.


عودة «الاستعمار الأوّلي»

لم يشكّل التفوّق التقني الشرط الوحيد لـ«عقيدة غزّة»، بل مهّدت عودة الاستعمار، في وجهه العاري، الطريق إلى هذا العنف، استعمار لم يعد يختبئ وراء مقولات كالحضارة أو الديموقراطية أو التنمية لتبرير رغبته في السيطرة. 

في خطابه في مؤتمر ميونيخ للأمن في شباط الفائت، رسم وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو معالم هذا الاستعمار. شكّل منطلق الخطاب مفهوم «الثقافة الغربية» ودورها التاريخي في إدارة شؤون العالم، داعيًا الأوروبيين إلى الانضمام إلى مسيرة أميركا في استعادة هذا الدور، بعد عقود من الأوهام الليبرالية. والدور بسيط: التوسّع. 

على مدى خمسة قرون، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الغرب في حالة توسّع؛ إذ اندفع مبشّروه وحجّاجه وجنوده ومستكشفوه من شواطئه، يعبرون المحيطات، ويستقرّون في قارات جديدة، ويقيمون إمبراطوريات واسعة امتدّت عبر أنحاء العالم.

إنّها العودة إلى الاستعمار في حلّته «الأوّلية»، استعمار غير معنيّ بتبرير سطوته، خارج منطق القوّة والإيمان بتفوّق حضاري. وهذا يحتاج إلى نوع معيّن من الحلفاء:

لهذا السبب لا نريد حلفاء مقيّدين بالشعور بالذنب والعار. نريد حلفاء يعتزّون بثقافتهم وبتراثهم، ويدركون أننا ورثة الحضارة العظيمة والنبيلة نفسها، وأنهم، معنا، مستعدّون وقادرون على الدفاع عنها.

حلفاء إذن كإسرائيل، مقتنعون بأنّ إدارة العالم حقٌّ لهم، وغير آبهين بأيّ معيار أو قانون أو اعتبار. هناك «الحضارة الغربية»، وهناك مجتمعات مصيرها الخضوع أو التحوّل إلى مخيمات «الحياة العارية». لا داعي بعد اليوم إلى الذنب أو العار. 


رثاءٌ في صيغة المستقبل

في وجه «عقيدة غزّة» وعودة استعمار «أوّلي»، باتت هشاشة العالم، في مؤسساته وقوانينه وأنظمته السياسية وأخلاقه، واضحة، صلابته المفترضة تتلاشى أمام عودة عنف واثق من ذاته. في وصفها للحروب الدائرة والهجوم الممنهج على المؤسسات حول العالم، قالت الكاتبة والصحافية التركية إجه تملكوران، هذه هي المرة الأولى في تاريخ البشرية التي نرثي فيها بصيغة المستقبل، أي أنّه بات لنا وعي حادّ بنهاية عالمنا:

عندما نرى الأشياء الجميلة، بلدان، ديموقراطيات، أو أي اسم نريد أن نطلقه عليها، البحر، الأشجار، كل شيء، فإن كل ما هو جميل يملأنا بشعورٍ بالفقدان والرثاء. لأننا نعرف أننا سنخسر هذه الأشياء. وينطبق ذلك على الديموقراطية أيضًا. فنحن نعلم أننا نعيش لحظاتها الأخيرة، ولا سيما في أوروبا. يمكننا أن نرى نهايتها.

قد يكون «الرثاء في صيغة المستقبل» شعور لحظة «عقيدة غزّة»، عقيدة شنّت حرب دمار شامل على صلابة العالم، لتحوّله إلى هشاشة دائمة، كهشاشة المباني التي تنهار واحداً تلو الآخر، جراء القصف اليومي. 

لم نعد نرثي ما رحل، بل أصبحنا نرثي بطريقة استباقية، احترازية، دفاعية. نرثي من لا يزال هنا، قبل فوات الأوان. نرثي صلابة عالم، قدّم، رغم عدم مثاليّته، إطارًا لحيواتٍ ومستقبلها. الرثاء لم يعد مرادفًا للفقدان، بل بات أقرب إلى وداع الموجود. فمخزون الرثاء، كأي مخزون محدود، بات علينا حصره بالموجود. أمّا ما رحل، ففات أوان رثائه.


«اليوم التالي»

قد تنتهي الحرب اليوم أو تستمرّ. لكنّها حقّقت نتيجتها، وهي فرض حالة معمّمة من الهشاشة. فـ«اليوم التالي»، مهما كان شكله، سيكون هشًّا، إن لم يكن مجرّد عنف واضح. أمّا اللاعبون المحليون، فباتوا مجرّد عناوين لحالات الهشاشة المختلفة. 

الهزيمة: خرج أمين عام «الجناح السياسي» لحزب الله بكلمة استغرب فيها ردّة الفعل حول ما حدث: هالصواريخ حرزان ينعمل حرب عليهن؟ ما من حدث إذاً، بالنسبة لأمين عام الجناح السياسي لحزب الله، بل مجرّد استكمال لما يجري منذ 15 شهراً، من انتهاكات واغتيالات واحتلال. أمّا تزامن الردّ مع العدوان على إيران، فمجرّد صدفة من غير المفيد التوقّف عندها. لم يحاول الأمين العام إقناع الداخل، بل حاول التذاكي عليه، ربّما لكونه يدرك أنّ ما من دور له في قرار الحرب، كما أنّ لا مخرج ممكناً من حالة التفاوض القادمة، والتي، كيفما أتت، ستكون شروطها أسوأ من آخر اتفاق لوقف إطلاق النار. 

الاستسلام: استدركت الدولة حالة الهشاشة، وجاء ردّها كمحاولة لاسترضاء الخارج بأي ثمن. فصلت بين جناحَيْ حزب الله المفترضين، أوقفت ثلاثة عناصر لحزب الله، وافقت على مبدأ السلام، أعلنت أن الجيش لن يتصدى للجيش الإسرائيلي، وافقت على كل شروط الاستسلام. لكنّ الردّ جاء سلبيًا. لا أحد يريد قبول الاستسلام، فمن بات «حياةً عارية» لا مكان له على طاولة التفاوض.

الحرب الأهلية: أمام احتمال الحرب، تحمّس صبيان السيادة لإعلان جهوزيّتهم لخوض حرب أهلية. جهزوا الكاميرات في غرفة الجلوس، أخذوا نفساً، وصرخوا في وجه هاتفهم «خلصنا»، قبل أن يحرّضوا مَن يتخيلون أنّه يسمعهم على المعركة القادمة. قال أحدهم، ما منقبل نسمع كلمة عن حرب أهلية، فهو لا يكترث لهذا الكلام الفاضي، هو جاهز لها. جاء الثاني، ليوضح معنى هذه الحرب: حوالي 300 ألف شخص سينزحون من الضاحية إلى غير عودة… الآتي مخيف ولكن ستعود الأراضي في الضاحية التي اغتصبها حزب الله إلى أهلها الأصليين. الشوق عند البعض للاقتتال الداخلي يخيف أكثر من إصرار الآخرين على الحروب الخاسرة. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

«عقيدة غزّة» في لبنان

سامر فرنجية
يوسف عسّاف: إسرائيل تقتل أوّل مسعف في الصليب الأحمر منذ تشرين الأوّل 2023
شهداء في غارة على عائشة بكّار في بيروت
ترامب ضدّ ترامب: انتهت الحرب، لم تنتهِ
10-03-2026
تقرير
ترامب ضدّ ترامب: انتهت الحرب، لم تنتهِ
حدث اليوم - الثلاثاء 10 آذار 2026
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 10/3/2026