رسائل إلى المحرّر كتب
وضاح شرارة

ملاحظات على جواب وديع حمدان

2 أيار 2023

في ملاحظاته المستنكرة على مقالي في كتابه سيرة مناضل يساري (ميغافون، 9 و16 نيسان 2023)، يأخذ عليّ وديع حمدان «استصغاري» عمله وروايته. وهو لا يرفق رأيه هذا بدليل عليه. وأحسب أنا أنه لو حاول الوقوع على مثل هذا الدليل لأعياه الأمر. فما دعاني إلى كتابة تعليق، طويل وجزئي، على سيرته هو خلاف «الاستصغار»، أي الاهتمام بما بدا لي مداخل إلى تناول مسائل مثل صورة الحزبيّين عن أنفسهم، ومزاولتهم عملهم وصلاتهم بالمادة السياسية الظرفية التي «يعالجونها» وتصنّعهم إلى حدّ ما... وإذا لم «أُكبر»، على معنى المديح المبتذل وترديد مقالته وتلخيصها، والإحجام عن النظر فيها وسؤالها عما قد لا تفصح عنه، فهذا ليس من قبيل «الاستصغار»، ولا يمتّ إليه بأضعف نسب أو علاقة.

ينكر وديع حمدان عليَّ، على مقالي، اجتزائي من سيرته مسألة واحدة، وإغفالي أجزاء أخرى يراها هو جديرة بالتناول، وبتنبيه القارئ إليها. ويسمّي الإغفال أو الاجتزاء «تغييباً» للقارئ، على قوله. وأنا أرى في محاولته تقديم كتابه، واختياره المسائل التي يودّ لفت القارئ إليها في الكتاب، سهواً مجحفاً عن أمور كثيرة قد تستوقف مقالات أخرى في السيرة.

فما يرويه في الهجرة من الجنوب الريفي إلى بعض ضواحي بيروت، وفي سيرة المهاجرين ومنهم والده ووالدته، وفي أطوار الرقعة التي هاجرا إليها، وفي علاقة النساء بالرجال (في مختلف الأعمار) وفي الاختلاط الأهلي عموماً، وفي الأحاسيس بالألوان والروائح واللمس، و«الوعي» البيئي... ما يرويه في هذه الوجوه، في إقاماته ورحلاته، قد يغذّي، مع وثائق وشهادات من مصادر أخرى لا تحصى، معالجات تاريخية واجتماعية متفرقة.

وهذه الروايات والأخبار لا يسعه الزعم، بعد كتابتها وتدوينها ونشرها، وبعد اندراجها في نسيج مترامٍ من أمثالها وأشباهها وخلافها، أنه مؤتمن على معناها أو معانيها. فالكلام، حال خروجه إلى علن مشترك وكثير المداخل، وهي حال الكتاب، أيّ كتاب، يفلت من صاحبه والموقِّع باسمه على غلافه، ويغدو، «كرماً على درب» للعابرين به حقوق القطاف والاجتزاء والنظر والفحص واللامبالاة.

وهو، على خلاف زعمه ورغبته ربما، لا يتناول سيرته «النضالية» السياسية أو الحزبية على وجه التخصيص، بل يمرّ بها عابراً. فلا يقع القارئ، مثلاً، على وصف وجوه العمل الحزبي المعروفة والشائعة. فلا صورة عن اجتماع حزبيّ واحد في مئات الصفحات التي سوّدها الحزبي السابق، ولا عن الحزبيين الآخرين الذين جمعتهم حلقتهم أو خليتهم أو فرقتهم، ولا عن قواسمهم المشتركة ومهماتهم، وأدائهم هذه المهمات، و«الأفكار» التي ولدت من أدائهم إياها، وتداولها وتناقلها، وأثرها في صوغ المواقف... وما يتناول علاقة المراتب بعضها ببعض لا يقلّ غيابه عن غياب النواة الأولى.
وليس ثمّة صورة واحدة عن إسهام حزبي، أو حلقة حزبيين، في مهمة حزبية مثل تنظيم اعتصام، أو إضراب، أو تظاهرة، أو ندوة، أو توزيع بيان، أو جمع تواقيع على عريضة، أو الإعداد لاقتحام عسكري أو سلمي، ما دام صاحبنا انخرط، ولو على كرهٍ منه، في حزب مقاتل، وبذل في القتال أرواح العشرات من المقاتلين. وما يفتقر إلى الوصف «المقطعي» والثابت، إذا جازت الصفة، يفتقر بالأحرى إلى التعقّب الزمني لأطواره ومراحله.

وحين يكتب أنّ منظمته انقلبت من العمل أو النضال الاجتماعي واللجاني، وهو يبالغ كثيراً في تقدير اتساع هذا العمل وقوته، إلى «العمل الوطني الفلسطيني»، يقتصر وصف الانتقال على تقرير حدوثه العاري. فلا نذر، ولا إجراءات أولى، ولا مصادر أو مواضع أو مناقشات أو خلافات مكتومة أو معلنة تدل على أجوبة. ولا وقائع تقيس الإقبال على الانقلاب هذا، أو مقاومته. والحادثة، في تيار نضالي ويساري، تحصل في داخل مغلق ومنطوٍ على «مناضليه»، وعلى علاقاتهم الحزبية. فلا «خارج»، هو المجتمع اللبناني والمجتمعات العربية، يَسأل أو يقوِّم أو يحتجّ...

والاكتفاء بـ«خبر» الانقلاب، واختصاره إلى واقعة حزبية داخلية، يُنسيان صاحب الخبر أن كل الذين استولوا على الأحكام في الدول والمجتمعات العربية المشرقية، في الأعوام القليلة التي تلت 1967- ومعظمهم من الضباط، أو من لابسي الحلّة العسكرية (صدام حسين وياسر عرفات)- شاؤوا أن يكونوا «أمناء عامّين» في، أو على منظمات، أو أحزاب، أو أجهزة تدمج الإدارة في السياسة و«الأفكار» والحرب، والداخل في الخارج، والعام في الخاص. وتحوّلت الأجهزة الحزبية، في بلدان الاستيلاء العسكري، وفي وكالاتها الوطنية أو القطرية، إلى آلات تؤطّر الانقياد العام، وتتربّع في سُدّة جماعات ومجموعات متحاجزة ومتباعدة، ولا «تتواصل» إلا من طريق السّدة، النصاب العالي وسدنته، أمناء عامّين الجماعات والمجموعات.

ومثل هذه الحال، وهي تقوم على الفتح والضمّ والاستتباع والانفراد بالأمر وبـ«مادة» العمران، لا تستقيم مع نشاط أو نضال اجتماعي أو مجتمعي، وسياسي وثقافي مستقل، «قاعدي» أو «عفوي»، على قول بعضهم وهو يسدّ أنفه تفادياً للرائحة الكريهة المنبعثة من «تحت»، أو من أجهزة الاستخبارات «الغربية» و«السفارات»، وهي تحت التحت هذا.

فالمسائل «الاجتماعية»، وهي تعريفاً مادّة تحريض على استقرار الأنظمة الوطنية والمقاومة، القومية والدينية والعقائدية معاً، تلهي الناس، أو الشعب أو الأمة، عن همومها الحقيقية والصادقة، مثل عدد أجهزة الاستخبارات التي تتصدّى للحروب الكونية، الجارية أو المتوقعة، والتنسيق بينها، أو مثل توزيع العوائد والمكرمات والمرافق على حراس الاستقرار وأركان الحلقة الضيقة، أو اختيار مسالك التهريب التي تغذّي صناعات القوة والأمن وتصدّر المسيرات إلى الجيوش المظفرة والغازية وصديقة البيئة والشعوب.

هذه هي القضايا الكبيرة والمصيرية التي أرهصت بها حروب لبنان «الصغيرة»، على قول بذيء كان شائعاً، وولد في ثناياها أمناء عامون لا يحصى عددهم، ولا مآثرهم، ولا خدماتهم لأعلام التاريخ العربي المشرق، ومراجعه التي يعظمها وديع حمدان. وعندما يُروى بعض تاريخ «الزمن الجميل» هذا - انتهى الراوي إلى «الزمن الجميل حقاً»، على قول ورقة غويلزية (أنظر غوغل، على سبيل تندية الذاكرة) في حاضرنا المعجِز، أم لم ينتهِ- (عندما يروي الراوي) ولا يعرج على ملابسات بناء الجماعات والمجموعات «المناضلة» و«اليسارية» و«سير» هذا البناء، حقَّ لبعض من شهدوا هذه الروائع، والفقير لربه منهم، أن ينظروا إلى الخلف بشيء من الغضب والإنكار، على قول فيلم بريطاني من ذلك الزمن.

آخر الأخبار

الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه
إسقاط 3 مسيّرات في أصفهان
إسقاط مشروع عضوية فلسطين كدولة في الأمم المتّحدة