رسائل إلى المحرّر سيرة
وديع حمدان

ردّاً على وضاح شرارة

عندما يستَغيِب المثقّف القارئ ويتحوّل إلى جلّاد

26 نيسان 2023

جاءنا من وديع حمدان هذا الردّ على المقال الذي نشرته ميغافون لوضاح شرارة في 7 نيسان 2023 تحت عنوان: «سيرة» و«مناضل» و«يساري» (لبناني) في مرآة العصبية السلالية والقبليّة.


في السابع من نيسان الجاري، نشر موقع ميغافون مقالاً بإسم الكاتب والباحث وضاح شرارة، تحت عنوان:  «سيرة» و«مناضل» و«يساري» ( لبناني) في مرآة العصبية السلالية والقبليّة- المزدوجات من وضع شرارة- وذلك في قراءة لكتابي الصادر في مطلع شهر آذار المنصرم، عن دار سائر المشرق، تحت عنوان: «أوراق من دفتر العمر/ سيرة مناضل يساري» ( تأليف وديع حمدان).

بدايةً، فاجأني المقال، وللوهلة الأولى، اغتبطت بالأمر. صحيح أن كتابي حظيَ بقراءات وتعليقات متعدّدة، إلا أنني لم أكن أنتظر تعليقاً من كاتب معروف مثل وضاح شرارة، صاحب مؤلفات عديدة مهمة، منها كتاب دولة «حزب الله» (لبنان مجتمعاً إسلامياً) (1996). 

لكن كما يُقال، راحت السكرة وأتت الفكرة. قرأت مقال وضاح شرارة، مرّات عدّة، أحاول فكّ الشيفرة من غموض الأفكار التي يطرحها، وصعوبة الأسلوب المعقّد الذي يكتب به، وهو مشهور في ذلك النمط من الكتابة، لعلّي أنجح في تبيان ما يريده من قراءته لكتابي. اعتقدت بادئ الأمر، أن العلّة هي عندي، بعدم فهم ما يريده شرارة. لذا لجأتُ إلى مراجعة أسماء الأشخاص الذين اطّلعوا على مقال شرارة، المنشور في الموقع، وعددهم يتجاوز التسعين شخصاً المحرّر: يشير الكاتب هنا إلى عدد من ضغطوا زرّ الإعجاب (لايك) على فيسبوك. لكنّ عدد قرّاء المقال، كما يظهر من إحصاءات موقع ميغافون، هو 953 قارئاً أمضوا ما معدّله خمس دقائق وأربعين ثانية في قراءة المقال. ، وهو عدد مهمّ يستحقّه كاتب معروف، ولكن وجدت أنّ ثمانية أشخاص فقط علّقوا على المقال، وهذا يعني أنهم قاموا بقراءته على الأكيد. إلا أنّ الثمانية سجّلوا ملاحظات بعدم فهم المقال، حتى أنّ بعضهم وصف كتابة شرارة بالطلاسم التي يصعب فكّها. 

إنّ ملاحظات الخائبين من فهم مقال شرارة، خلقت لديّ بعض التعزية، بأنني لستُ وحيداً، وجعلتني لا أتحمّس  للردِّ على مقاله. لكنّ الانطباع الذي تكوّن لديّ من قراءة مقاله، تعليقاً على كتابي، وعلى الأرجح لدى القراء الآخرين، هو أن وضاح شرارة يعطي صورة سيِّئة عن كتابي، ما جعلني أغيّر رأيي، وأحزم أمري للردّ عليه. وممّا شجعني أيضاً على الردّ، هو أن القراءات التي جرت لكتابي ونشرت، ومنها قراءة الكاتب محمد الحجيري في موقع المدن الإلكتروني، وغيرها، كانت موضوعية ومتوازنة، وأن عشرات التعليقات التي أتت من قرّاء الكتاب، كانت إيجابية، وثمّنت ما ورد فيه من مواضيع، واستحسنت وضوح الأفكار، وسلاسة الأسلوب فيه، وأنّ كثيرين ممّن قرأوا نصوصاً واردة في الكتاب، قبل طبعه، أوصوا بفائدة طبعها ونشرها في كتاب.

في العادة، عندما يُريد أحد التعليق على كتاب ما، يقوم بتقديم نبذة عن الكتاب للتعريف بمضمونه، كي يأتي النقد مستنداً إلى مادّة الكتاب. لكنّ وضاح شرارة آثر عدم القيام بمهمة التعريف بالكتاب، واستعاض عنها بإشارات مبتسرة تخدم أحكامه السلبيّة الجاهزة. اكتفى شرارة بصبّ جام غضبه على الكتاب ومؤلفه، وقام  بالاستهزاء والتهكّم. ويبدو من كتابة شرارة أنّ هناك شيئاً ما استفزّه في «سيرة المناضل اليساري»، فلنرَ ما الذي استفزّ شرارة في هذه السيرة، ولنقُمْ بعرض ما تخلّف عنه بتقديم نبذة عن الكتاب أوّلاً.


الكتاب

يقدّم كتاب «أوراق من دفتر العمر» سيرة المؤلف من الخمسينات حتى العقد الثاني من الألفيّة الثانية، مندمجة بالأحوال الاجتماعية والسياسية والحزبية السائدة في لبنان. فتتحوّل بهذا من سيرة شخصيّة إلى سيرة وتاريخ لوطن ولكثير من الناس، خلال حقبة زمنية محددة. 

تتوزّع هذه السيرة على خمسة عشر باباً تقترنُ برسوم ملوّنة. تعرض المراحل التي مرَّ فيها المؤلف بحياته، من النشأة حتى الكبر، وهي تبدأ بوصف المحيط الاجتماعي والبيئي الذي نما وترعرع فيه وأحبّه، مثل أسواق بيروت القديمة، والضاحية الجنوبية، وقريته في جبل عامل، ثم تعرض التحوّلات أو بالأحرى التشوّهات التي طرأت على ذلك بعدها.

ثمّ تأتي مرحلة الانخراط بالسياسة والعمل الحزبي والتعرّف على الفكر الماركسي اللينيني، والالتحام بالمقاومة الفلسطينية، وتفجّر الحرب الأهلية وتداعياتها المؤلمة على الحياة العامة والخاصة والعائليّة، وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي، والقيام بأنشطة حزبية وسفريات إلى تجمعات اللبنانيين في الخارج وبلدان الاغتراب.

وتتضمّن السيرة مراجعة نقدية لتجربة الالتزام الحزبي والسياسي، وغياب الديمقراطية وتقديس القائد فيها، وفي الأخير إعلان الطلاق مع هذه التجربة، وإدانة خيار الاشتراك في الحرب الأهليّة للتغيير والوصول إلى السلطة. 

كما تتضمّن السيرة التحوّل نحو خوض غمار النشاط البيئي، وممارسة المشي في الطبيعة، كمتنفّس في العيش، والتعريف بمسارات المشي وأمكنتها، والكلام عن بعض الشخصيات الفكرية المرتبطة بهذه الأمكنة، إنتهاءً إلى تسجيل مواقف فكريّة ووجدانية من الحياة وبعض وجوهها المختلفة.

في هذه السيرة المذكورة، والتي أغفل وضاح شرارة تقديم نبذة عنها للقارئ فاستغيَبَه، يبدو أن صورة «المناضل اليساري» الواردة فيها قد استفزّته، فقرّر أن يستبدلها بصورة أخرى يشيطن فيها المناضل اليساري ويحطّ من قدْره. وعلى ما يبدو أيضاً، لم يعجب شرارة سيرة يقدمها «المناضل اليساري»، يقول فيها أنه كان بإمكان اللبنانيين، رغم كل مشاكلهم قبل الحرب الأهليّة، أن يحافظوا على الطابع الإيجابي لعيشهم المشترك، وألا يدخلوا الحرب، ويكبّدوا بلدهم الخسائر الفادحة، وألا يلجأوا إلى العنف كخيار للتغيير وحلّ مشاكلهم. 

لقد غاب عن  شرارة أنّ «السيرة» في «أوراق من دفتر العمر» هي خطاب ضدّ الحرب الأهليّة، من أوّل صفحة فيها حتى آخر صفحة، وأنّ كلّ الصور القديمة الحلوة، عن بيروت بأسواقها وبحرها، وبساتين الضاحية وعطرها، وحقول القرى وساحاتها، وكلّ الكلام عن اللبنانيين المنتشرين في العالم المتعلقين ببلدهم، والنقد للتجربة الحزبية والسياسية، ومشاوير المشي في الطبيعة الخلابة في لبنان… كل ذلك هو بمثابة قصيدة وجدانية، تقول بأن هناك ما يستحق العيش والحياة في لبنان.

للأسف لم يرَ شرارة جوهر الموضوع في كتابي، بل اغتنمها فرصة للسجال السياسي والتنمّر، واستعراض عضلاته الفكريّة. لقد وضع نصب عينيه هدفاً واحداً هو تهشيم وتكسير صورة مفترضة لديه «للمناضل اليساري». صحيح أنّ مقولة اليسار تتباين فيها النظرات، هذه الأيام، لكن على أهميّة ذلك، لم يرمِ كتابي لهذا النقاش الذي يحاول أن يفرضه شرارة عليه.


الردّ

يفتتح شرارة تعليقه على «سيرتي» باستطراد يلمح فيه إلى «الالتواء والتخفّي» الذي تحمله السيَر الذاتية، وبأنها تحرصُ على تحقيق بعض «الدويّ» والصيت! وتحت عنوان «المعاصرة»، يقول بأنّ صورة «المناضل اليساري» في مجتمعاتنا العربية تحمل «معاني مختلفة ومتفاوتة» مع الشأن العام، وهي تستدعي صورة «الغريب الدخيل أو في صورة قناع محلي وموارب».

ويكمل شرارة القول بأنّ هوية الشيوعيين المصريين كانت تختصر بالهوية الدينية اليهودية والسياسية القومية والإستعمارية، وبأنّه بعد ذلك، ظهر مع عبد الناصر «اليسار الحقيقي» الذي أعطيت له مناصب صحفية، والسادات سمّى منهم وزيراً. لكن شرارة لم يذكر أن يساريّين كثيرين في مصر اضطُهِدوا وقَبعوا في السجون بسبب معارضتهم نظام عبد الناصر.

ويصل شرارة إلى القول بأن بعض اليساريين التحقوا بصفوف المقاومة الفلسطينية وشكلوا معها «قوات مشتركة» وخاضوا حروباً ضد الأردن وسوريا ولبنان، وتحالفوا مع أنظمة الجزائر وصدام حسين وشيوخ الخليج... كل ذلك وبدون أن يذكر شرارة بأنه كان في تلك الحقبة أحد المنظّرين لليسار الماركسي الجديد، وبأنه كان في لبنان أحد كتاب مقالة «مقاومتان» المؤيِّدة للمقاومة الفلسطينية في العام 1968.

وتحت عنوان «الإخراج»، يستعرض شرارة «سيرتي» ببضع كلمات مبتورة مقطوعة عن سياقها، في تركي للعمل الحزبي وانتقالي للعمل التعاوني ومساهمتي في إصدار نشرة فكرية سياسية، ومشاركتي في نشاطات المشي في الطبيعة. ومقابل التحفّظ والتمنع في عرض السيرة، يسترسل شرارة، ويصول ويجول، في التوقف عند غلاف كتابي، وتحليل الصورة الواردة  فيه، محاولاً استعمال مهارته واختصاصه في علم النفس.

يقول شرارة نافياً الترابط في السيرة: «لا ينسى (المناضل) تصدير صفته المفترضة... على غلاف كتابه... ويحمل السيرة على شجرة تكسوها الأوراق، تتساقط منها، بعد اخضرار وإيناع، وتعود الذاكرة المؤرخة، فتنتزعها ورقة بعد ورقة، وجملة وقائع فريدة بعد جملة، وتوحد متفرقها الذهني والمفتعل في حرارة (عمر) باطنة ومتصلة… وبين معنى إصطلاحي «مناضل يساري»...».

ويكمل شرارة «تزيّن الغلاف الأول الخارجي (للكتاب) والظاهر للعيان، صورة شمسية (للكاتب) تمثّل ما ينبغي أن يكون عليه، قسمات أو دلالات أو معاني «المناضل» أو مثاله في المخيلة، وفي «القلب» وفي «العيون»، على قول هيفاء وهبي». وهذا الاستشهاد ليس لي بل لشرارة الذي لم تسعفه ذخيرته الثقافية، فاستعان بما اعتاد أن يسمعه من الفنانة وهبي.

ويستمرّ شرارة في عرض وتحليل صورة الغلاف للكاتب «من غضون عميقة وشعر أشيب وشفتان رقيقتان، وعينان يقظتان وحالمتان… تنمّ كلها بالنسك… وهي مرآة عزيمة لا تلين... وتسقي الفولاذ». لكن مهلاً قارئي العزيز، فهذا الكلام الجميل من شرارة يكمله بالقول إنها عبارات «سوفياتية» تذكّره بستالين وكتابات مكسيم غوركي. بالنسبة لشرارة، صورة الغلاف لكتابي هي من قبيل «الإخراج  السينمائي» كي تناسب،  حسب رأيه صورة «المناضل اليساري» الذي هو، بالنسبة له، مضمر على مثال حزبي «بلشفي»، أي مثل ستالين ولينين.

طيب إذا أخبرنا شرارة أنّ هذه الصورة على الغلاف عمرها عشر سنوات، وأُخِذت قبل أن يكون هناك فكرة كتاب، وأن اختيارها تم بالصدفة بين عدّة صور، من قبل الناشر، هل سيبقى على رأيه وتحليله النفسي؟

كذلك لا تنجو صورة الغلاف الثاني الأخير للكتاب، وهي الصورة «الفرحة» للكاتب، والتي يعتمر فيها قبعة المشي، من مبضع التشريح والتحليل عند شرارة، ويعتبر أنها تتناقض مع الأولى كونها فرحة! وكيف أنّ أسنان الكاتب تظهر فيها، ويقول تنمراً أنّها قد تكون «نهمة».

وفي معرض تعليقه، على نقدي للتجربة السياسية والتنظيمية اليسارية التي كنت أنتمي إليها، وخروجي منها، يقول شرارة: «وفي وقت متأخّر هو سنة 1990، على ما مرّ، وغداة نحو 23 عاماً، قضى معظمها في خضم الحروب الداخليّة والهجينة («الملبننة»)، يستفيق «وديع» الحزبي… على تحفّظه الشديد عن (خط) حزبه». 

طبعاً هنا لا يسعني إلّا أن أسأل شرارة «المندهش» عن تأخّري في النقد، كم يعرفُ من الأسماء اللامعة، ومن أهمّ مثقّفي البلد الذي كانوا ينتمون لنفس التجربة اليسارية، وكما يُقال خرجوا «خفافاً» من هذه التجربة بدون تسجيل أي نقد أو تقييم. كما أنّ من يحسبون أنفسهم امتداداً لهذه التجربة، ويُكثرون الكلام عن التغيير والتطوير في طرحهم، لم يقدموا على النقد والتقييم الجريء الذي أقدمت عليه أنا، في مراجعتهم لتجربتهم التنظيمية، وتجمدوا عند مقدسات وخطوط حمراء.

 كما أسأل «حضرة» وضاح شرارة، وهو من مؤسِّسي هذه التجربة اليسارية في العام 1970 (منظمة العمل الشيوعي في لبنان) باندماج تنظيم لبنان الإشتراكي الذي كان أحد وجوهه البارزة ومنظمة الإشتراكيين اللبنانيين، وعلى رأسها محسن إبراهيم: أين قراءة وضاح شرارة لتجربته اليساريّة، وقد مضى قرابة خمسين سنة على خروجه بقرار فصل من التنظيم، من هذه التجربة في العام 1973؟

يأخذ عليَّ وضاح شرارة، في نقدي لتجربتي اليساريّة، بأني قبل حسم أمري، كنت متردّداً، وأني حرصتُ على حفظ علاقات طيّبة مع رفاقي المستمرّين بهذه التجربة، وآليتُ على نفسي ألا يأخذ نقدي طابع التشهير. كما يأخذ عليَّ شرارة إشارتي لعدم سهولة النقد الذي قمتُ به تجاه شخصيّة «تاريخيّة» مثل محسن إبراهيم، ارتبطت بعلاقات وأدوار عربية ولبنانية مهمة.

لا يرى شرارة أيّ مأثرة أو حسنة لديّ في النقد الذي سجّلته في كتابي عن تجربتي اليساريّة، وعلى الأخص في نقدي لخوضنا الحرب الأهلية، وتحميل لبنان عبء الوجود  الفلسطيني المسلح، وهو نقد موثّق، واستمرّ النقاش فيه بضعة أشهر في اللجنة المركزية، في العام 1990، وقد عارضه محسن إبراهيم في حينه، وعاد ليتبنّاه ويعلنه بإسمه لاحقاً بعد 15 سنة، في ذكرى أربعين جورج حاوي.

يستصغر شرارة أهميّة النقد الوارد في كتابي عن بناء التنظيم الديمقراطي، والدور السلبي الذي لعبه محسن إبراهيم في بناء القيادة الجماعية، والاستحواذ على سلطة القرار، وماليّة التنظيم، وتقديس الفرد وعبادة القائد، التي كانت تهيمن على التنظيم. مقابل هذا النقد، يستفيض شرارة في مقاله، في تحليله للعمل الحزبي عن «الرابطة السلاليّة العصبية والقبليةّ والطوطم»... وقد يكون ذلك تحليلاً مهماً، ولكن بإسلوب شرارة يحتاج إلى منجم مغربي لفهمه.

لقد قمت بقراءةٍ لتجربتي اليسارية، وهي قد تفيد باستخلاص بعض الدروس والعبر، ويا حبذا لو يقدم الآخرون على قراءة تجاربهم، فهي تساعد في العمل مستقبلاً. وكنت أتمنّى لو أن الكاتب والباحث وضاح شرارة، قد تعامل مع قراءتي بموضوعية، ولم يتصرف بفشّة خلق وانتقام من ماضيه اليساريّ الذي لم يتصالح معه بعد.

آخر الأخبار

الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه
إسقاط 3 مسيّرات في أصفهان
إسقاط مشروع عضوية فلسطين كدولة في الأمم المتّحدة