تعليق
سلسلة
موادّ محظورة
ميشال وزان وأندريه جوميز

من يستحقّ النجاة من جرعةٍ زائدة؟

3 أيلول 2026

في اليوم العالمي للتوعية بالجرعة الزائدة، نتذكّر أولئك الذين رحلوا ونتساءَل عمّا كان يمكن فعله ليبقوا قيد الحياة.

تخيّل أن تكون جالساً مع صديقك عندما يبدأ بالارتباك. يتعرّق، يرتجف، ويستصعب الكلام. 
لستَ متأكّداً كيف بإمكانك مساعدته.
أنفاسه تصبح أصعب وأقسى، إلى أن تتوقّف فجأةً.
ويفقد الوعي.

تَعلَم مسبقاً أنّه مصابٌ بمرض السكري، فتشكّ بأنّ نسبة السكر في دمه انخفضت بشكلٍ خطير، لكنّكَ لستَ متأكّداً بالكامل. تتّصل بالإسعاف كي يتدخّل المختصّون. لا تسأل نفسك ما إذا كان الاتّصال هو الخيار الأنسب. لا تشكّ بأنّ استدعاء سيّارة الإسعاف إجراءٌ آمن. عند الحالات الطبّية الطارئة، الأولويّة هي لإبقاء صديقك قيد الحياة. سيقدّم الإسعاف الرعاية لإنقاذ حياته، من دون أي سؤال.

تخيّل الآن لو أنَّ المادّة المُستخدمة، أي السكّر، كانت غير قانونية. تخيّل لو اضطررتَ إلى أن تسأل نفسك، هل الإسعاف سيجلب الشرطة معه؟ تخيّل أنّ من يحتاج إلى رعاية طارئة قد يُنظَر إليه كمُجرم، وليس كمريض.

يبدو السيناريو عبثياً. ولكن بالنسبة للأشخاص الذين يستخدمون المخدّرات، وخاصّةً الموادّ الأفيونية كالهيروين أو الترامادول، السيناريو ليس فرضياً. هذه الاعتبارات بغاية الواقعية. في لبنان، مجرّد حيازة المخدّرات قد تعني ثلاث سنوات من السجن. إن احتاج مستخدمو المخدّرات إلى رعايةٍ طبّية، فيجب أوّلاً أن يقرّروا ما إذا كانت عوارضهم تستحقّ الكشف عن جرمهم، ما قد يعني الاستجواب أو الاعتقال أو أسوأ. وفي أغلب الأحيان، لن يطلب مستخدمو المخدّرات المساعدة إلّا بعد فوات الأوان أو بالحالات الخطرة.

في لبنان، التعامل مع حالات الجرعات الزائدة ليس مسألة طبّية فحسب. فاستمرار تجريم المخدّرات في مجتمعنا يعني أنّ المسألة مرتبطة بالرقابة البوليسية وسياسات الحظر والوصم.

تُعتبر الجرعة الزائدة من المخدرات حالة طبية طارئة، ويمكن تداركها بسرعة باستخدام الدواء المناسب. لكنّ النجاة من جرعةٍ زائدة قد يتقرر حسب معيار لا علاقة له بالطب: غالباً ما يعتمد الأمر على شعور الأشخاص الذين يستخدمون المخدرات بالأمان الكافي لطلب المساعدة.

الموت بالجرعة الزائدة فشلٌ سياسي، وليس فشلاً أخلاقياً

نعرفُ طبّياً كيفية الاستجابة للجرعة الزائدة. عالمياً، تتوفّر أدوية تعكس مفعول الجرعات بأمان. أمّا بالنسبة للعوائق التي تُعرقل إبقاء متناولي الجرعات الزائدة بأمان وقيد الحياة، فنحن أقلّ استعداداً لمواجهتها.

يصادف 31 آب من كلّ سنة اليوم العالمي للتوعية بالجرعة الزائدة، وهي حملة عالمية تخلّد ذكرى جميع الأرواح التي فُقدت إثر ذلك، وتدعو لاتّخاذ تدابير إنسانية توقي من الجرعات الزائدة، وتقلّل من أضرار استخدام المخدِّرات، وتحافظ على سلامة الناس وحياتهم.

يُعَدّ هذا اليوم بمثابة تذكير بأنّ الأشخاص الذين يستخدمون المخدّرات، بغض النظر عن الأسباب، يواجهون خطراً إضافياً قد يقتلهم، وهو استمرار تجريم المخدّرات.

وبينما يشكّل استخدام المخدّرات بعض المخاطر التي لا يمكن إنكارها على صحّة الأفراد، يُحدث تجريمها أيضاً أضراراً أخرى متزايدة. عادةً تحتوي المخدّرات في الأسواق غير القانونية على موادّ غير معروفة أو ذات فعالية مجهولة، فلا يمكن التأكّد ممّا بداخلها. تختلف تداعيات ذلك مع اختلاف أنواع المخدّرات، إذ تكون أقل خطورةً بحالة القنّب. أمّا بالنسبة لموادّ أخرى كالهيروين والترامادول والكوكايين، فإنّ عدم التأكّد من درجة فعاليّة الجرعة يمكن أن يكون قاتلاً. تجريم المخدّرات يمنع تنظيم أسواق المخدّرات، وإثر ذلك، لا تخضع المخدّرات المُستخدمة للرقابة. كما أنَّ التجريم يحول دون اعتماد آليات أمان للحفاظ على حياة المستخدمين بحال حدوث خطأ ما. مبدئياً، ينبغي أن يلبّي نظام الصحّة العامّة في لبنان احتياجات الجميع، وليس فقط أولئك الذين يُعتبر أنهم يستحقّون الرعاية.

التجريم والصحّة العامة

يخلق التجريم بيئة تُرسّخ استخدام المخدّرات كجريمة أوّلاً، ومن ثم مشكلة صحّية. هذه المفارقة أساسية في حالات الجرعة الزائدة، عندما لا يكون هناك ترف الوقت لمناقشة حقّ المستخدم بالرعاية الطبية أم لا.

في لبنان، التعميم رقم 55/1 لعام 2006 ينصّ على المستشفيات إبلاغ قوى الأمن الداخلي عن «الحوادث المتأتّية عن فعل الغير» (مثل إطلاق النار والطعن وحوادث السيارات). لكنّ التعميم وُسِّع بشكل خاطئ ليشمل الجرعات الزائدة من المخدّرات. وقد بذلت الدولة جهوداً لتصحيح سوء التفسير عبر عدد من التعاميم، لكنّ خطر تدخّل الأمن يبقى حقيقياً، بسبب سرعة تبدّل الموظّفين، وغياب تنفيذ الرقابة، والأحكام المُسبقة لدى العاملين الطبّيين تجاه مستخدمي المخدّرات.

يُدرك مستخدمو المخدّرات أنّ بلحظة تناولهم جرعة زائدة، أو إذا حدث أي خطأ وباتوا بحاجةٍ إلى رعاية طبّية، فإنهم يخاطرون بالاعتقال أو الموت أو كلَيهما. في البلدان التي تجرّم استخدام المخدّرات، قد تحضر أجهزة الشرطة مع سيّارات الإسعاف في حالات الجرعة الزائدة. يحدث ذلك خارج لبنان أيضاً: هناك أدلة عالمية تثبت أنّ تواجد الشرطة عند التدخّل الطبي بحالات المخدّرات يمكن أن يشكّل عائقاً خطيراً أمام طلب المساعدة.

لا يفقد مستخدمو المخدّرات حقّهم بتلقّي العلاج عندما يحتاجون إليه؛ ولا ينبغي أن يُترَكوا للموت في حالة طارِئة لمجرّد استخدام موادّ غير قانونية عن سابق علم.

أمام مُصابٍ بنوبةٍ قلبية، لا نسأل إذا كان «يستحقّ» العلاج، ولا نُشكّك بخياراته قبل إنقاذ حياته. في لبنان وخارجه، تُشرعن القوانين وأنظمة مكافحة المخدّرات التمييز بين أشكال المعاناة، بين إنقاذٍ صالحٍ ومُستحَقّ، ولومٍ وعقاب. لا يمكن للأنظمة الصحّية أن تميّز بين الأفراد، بل يقع على عاتقها واجب ومسؤولية رعايتهم، بغضّ النظر عن اختياراتهم. لكنّ تجريم استخدام المخدّرات يُحوّل الوصم إلى خطرٍ على الصحّة العامة، وليس مجرّد امتعاضٍ اجتماعي.

في الواقع، إنّ غياب الحماية القانونية للأشخاص الذين يطلبون المساعدة الطبّية في حالات الطوارئ المرتبطة بالمخدّرات يجعلهم أقل استعداداً للّجوء إليها. فمن الطبيعي ألّا تطلب المساعدة إذا كنتَ تعتقد أن الاتّصال بالإسعاف أو التوجّه إلى المستشفى يعني أيضاً حضور الشرطة.

التقدّم حقيقي، لكنه هشّ

بذلت منظّمات المجتمع المدني في لبنان جهوداً لضمان شعور الأشخاص بقدرٍ كافٍ من الأمان لطلب المساعدة. وتُعتَبر بعض المستشفيات «آمنة» للأشخاص الذين يستخدمون المخدّرات، وهي مستشفيات عامّة وخاصّة لا تُبلّغ (التزاماً بتوجيهات وزارة الصحّة العامة) قوى الأمن الداخلي عن حالات الجرعة الزائدة؛ غير أنّ عدد المستشفيات التي تلتزم بهذه التوجيهات يتغيّر من سنة إلى أخرى، مع تبدّل الطواقم وتفاوت المعرفة بهذه السياسات.

ويمكن للتغيير في السياسات العامّة أن يُسهم أيضاً في إنقاذ الأرواح، لكنّه يتطلّب الابتعاد عن الأحكام المُسبقة والوصم والمواقف الأبوية تجاه الأشخاص الذين يستخدمون المخدّرات. ومن بين الخيارات المتاحة، يمكن للبنان إقرار قوانين على غرار قوانين «السامرّي الصالح» (Good Samaritan Laws)، بما يحمي الأشخاص الذين يطلبون مساعدة طبّية من المُلاحقة الجزائية. كذلك، من شأن توسيع نطاق الوصول إلى «النالوكسون» أن يشكّل تحسّناً جدّياً. فهذا الدواء المُنقذ للحياة، والذي يعكس مفعول الجرعة الزائدة من الموادّ الأفيونية، لا يوزَّع حالياً إلّا من خلال مراكز علاج الإدمان. أمّا إتاحته على نطاق أوسع ضمن أوساط مستخدمي المخدّرات، وكذلك لأصدقائهم وأفراد عائلاتهم، فمن شأنه أن يؤَمّن استجابةً أفضل لحالات الجرعة الزائدة من دون الحاجة إلى إشراك النظام الصحّي. ويجب أن يكون الوصول إلى هذا الدواء متاحاً للجميع، وألّا يكون مشروطاً بالالتحاق ببرامج العلاج.

لكن هذا التقدّم لا يتعدّى كونه معالجة لهوامش منظومة مكافحة المخدّرات والتي تعاني من خللٍ بنيوي، إذ ما زالت تمنح الأولوية للعقاب على حساب الرعاية للأشخاص الذين يستخدمون المخدّرات. 

سلسلة

موادّ محظورة

يمكن وصف النظام الحالي لمكافحة المخدّرات في لبنان على أنّه قمعي. فهو مزيج من الممارسات العقابية، ونهج «الحرب على المخدّرات» الأمني، والشيطنة السياسية والثقافية لمستخدمي المخدّرات. كل ذلك للوصول إلى يوتوبيا «عالم خالٍ من المخدّرات».

ونظراً لفشل هذه المقاربة القديمة، بُذلت جهودٌ لتجريب أساليب جديدة لتنظيم المخدّرات، كنهج الصحّة العامّة أو إلغاء التجريم. رغم ذلك، لا تزال الأنظمة القمعية قائمة بسبب المصالح الخاصّة المرتبطة بالأجهزة الأمنية، إضافةً إلى ترسُّخ المعايير والقيم المُحافِظة حول المخدّرات.

وقد حصرت هذه المعايير استخدام المخدّرات داخل «منفى خطابي»، أي خلف المُحرّمات، وبصمت، ما يعرقل أي مراجعات نقدية، وبالتالي يحدّ من التفكير بالسياسات المتوفّرة أمام مجتمعنا للسيطرة على أضرار المخدّرات.

وبعد تشخيص فشل السياسات المتعلّقة بالمخدّرات، وبسبب الحاجة الملحّة إلى كسر التابو، تطلق ميغافون وTalkingDrugs سلسلة «موادّ محظورة»، وهي تتضمّن مقالات شهرية، تُسلّط الضوء على النقاشات الحالية والتطوّرات العالمية بشأن سياسة المخدّرات، وهي تطوّرات لا تطمح إلى «عالمٍ خالٍ من المخدّرات»، يأتي على حساب تدمير حياة المستخدمين والمجتمعات.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

من يستحقّ النجاة من جرعةٍ زائدة؟

ميشال وزان وأندريه جوميز
حدث اليوم - الأربعاء 2 أيلول 2026
02-09-2026
أخبار
حدث اليوم - الأربعاء 2 أيلول 2026
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 2/9/2026
انتقادات بوجه مهرجان البندقية السينمائي
02-09-2026
تقرير
انتقادات بوجه مهرجان البندقية السينمائي
غزة وأوكرانيا والنساء
سليم صفير باقٍ ويتمدّد على رأس جمعية المصارف
02-09-2026
تقرير
سليم صفير باقٍ ويتمدّد على رأس جمعية المصارف
73 طناً من اليورانيوم الطبيعي