عودة مفاجئة للتحقيق
منذ مدّة ولم يعد ملف التحقيق بانفجار المرفأ مطروحاً على طاولة «المواضيع الساخنة» في البلد.
فالاحتلال هاهنا، وانعكاسات الأزمات الاقتصادية تشتدّ، والشاشات مفتوحة أمام التراشق بين النوّاب، وأمام تشجيع الانقسام السياسي حول مسألة الحرب والسلم. قبل أسابيع معدودة جاءت ذكرى الانفجار وكأنّها من زمن ولّى، زمن لم يعد يتذكره إلّا أهالي ضحايا انفجار المرفأ في وقفتهم الشهرية.
فجأة عاد هذا الزمن، زمن الانفجار والتحقيق والعدالة المنتظرة. سلّم المحامي العام التمييزي، القاضي محمد صعب، مطالعة النيابة العامة للمحقّق العدلي القاضي طارق البيطار، وهي المرحلة الأخيرة قبل إصدار المحقّق العدلي قراره الاتّهامي وإحالته إلى المجلس العدلي. ومن المتوقّع إتمام هذه المهمّة قبل نهاية العام الجاري، إلّا في حال طرأت بعض المفاجآت الجديدة، بفعل المطالعة التي قدّمتها النيابة العامة بالملف.
مسار العدالة المستقلّ
وهكذا وصل التحقيق في انفجار المرفأ إلى محطّاته الأخيرة.
لكنّه كان مساراً عسيراً شاقّاً، حاول خلاله المتضرّرون من التحقيق والمدّعى عليهم عرقلة التحقيقات بلا كلل: عشرات طلبات الردّ والنقل ومعاداة الدولة، بمحاولةٍ لمنع القاضي من استكمال عمله واستجواب المدّعى عليهم، وبالتحديد السياسيّين. أكثر من 3 طلبات إدارية رُفض تنفيذها لتبليغ مدّعى عليهم سياسيّين وأمنيّين لمنع استجوابهم أمام المحقّق العدلي. التهديد المباشر بـ«القبع» الصادر عن وفيق صفا، وقبلها الهجمات السياسية والإعلامية على القاضي البيطار من محور حزب الله، وصولاً إلى افتعال حرب أهلية مصغّرة انطفأت بأرضها على محور الطيّونة. وهرطقات قضائية بدايةً مع استبدال المحقّق العدلي، ثم بالانقلاب القضائي الكامل على التحقيق بقيادة النائب العام التمييزي السابق غسّان عويدات، المدّعى عليه هو الآخر في ملف المرفأ. في ظلّ الانقلاب ذاك، بات المحقّق العدلي مدّعىً عليه بجرم «اغتصاب السلطة»، ومُنع حتى من السفر.
أمام كل هذه الضغوط وحملات التحريض والتشهير ومحاولات «القبع»، صمد المحقّق العدلي وثبت في موقعه. وتكمن أهميّة صموده أيضاً في الطريقة التي تعامل بها مع كل ذلك، إذ حرص على أن يبقى حيث هو، في مكتبه، بعيداً عن السياسة. فلم يتلَطَّ وراء حزب أو طائفة أو طرف سياسي، وتمسّك فقط بالنصوص والاجتهادات القانونية التي تضمن صلاحيّاته وتحصّن موقعه. إلى أنّ استجدّ واقعٌ سياسي جديد فرض أولويات جديدة أفرغت الضغوط من مضمونها وأصحابها من سطوتهم.
فراغ سياسي يحيط بختام التحقيق
عاد موضوع المرفأ ولكن في بلد تغيّر كليّاً عمّا كان عليه منذ ستة سنوات. الخارطة السياسية التي شكّلت الخلفية لتأييد التحقيق كما عرقلته لم تعد موجودة، أو تغيّرت إلى حدّ بعيد.
- حزب الله: الذي وُضعَ ووَضعَ نفسه بخانة «المشتبه بهم» سياسياً، ورأس الحربة في مسار العرقلة، لم يعد حزب الله نفسه، بعد ما طاله من اغتيالاتٍ ونكساتٍ سياسية. ومَن أراد يوماً «قبع» المحقّق العدلي بات هو «مقبوع» من الحزب. ويُذكَر ألّا تعليقَ ورد عن الحزب حول قرب انتهاء التحقيق.
- القوّات اللبنانية: أو عموماً «الخصم المسيحي» لحزب الله، والذي دعم التحقيق من باب الخصومة هذه، فقد بدوره الشغف بالتحقيق، وبات غير مكترث بعدما انكسر خصمه، بل أنّه حتّى لم يرَ مانعاً في دعم تعيين مشتبه بها لمنصب مدير الجمارك.
- التيار الوطني الحرّ: والذي يبدو اليوم أكثر الأطراف السياسية المتضرّرة من التحقيق— لا سيّما مع ما سُرّب حول طلب النيابة العامة من القاضي البيطار توجيه الاتّهام إلى رئيس الجمهورية السابق، ميشال عون، باعتبار أنّه «كان يعلم» بوجود نترات الأمونيوم في المرفأ، و«كان يعلم» بخطورتها؛ هذا التيّار الذي كان في السلطة آنذاك، بات اليوم صورةً رديئةً عمّا كان عليه في لحظة الانفجار، مع زعيمٍ يحاول إقناع ذاته قبل إقناعنا بأنّه رئيس معارضة غير موجودة.
بعيدًا عن الاتّهام «السياسي» الذي يطال عون، دارت خشيةٌ من أن يحمل طلب النيابة العامّة في طيّاته هدفاً خبيثاً. فيُعيد هذا الطلب تشريع باب النقاش القانوني والحقوقي والسياسي حول ملاحقة رئيس الجمهورية في هذا الجرم، مع العلم أنّ ملاحقة الرئيس من صلاحيات البرلمان حصراً ومحاكمته لا تجوز إلّا أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، بحسب ما تنصّ عليه الموادّ الدستورية. لذا، يمكن أن يُقرأ هذا الطلب من زاوية فتح المجال أمام إعادة المطالبة السياسية بأنّ يُحاكَم كل المدّعى عليهم السياسيّين (رئيس الحكومة الأسبق والوزراء السابقين) أمام المجلس عنيه، مع العلم أنّ القانون اللبناني يسمح بملاحقة هؤلاء أمام القضاء العدلي. في حين يتمسّك المحقّق العدلي، منذ اليوم الأوّل لتسلّمه الملف، بأنّ صلاحياته واضحة في ملاحقة جميع المدّعى عليهم السياسيّين.
تبدّل الخارطة السياسية لم يطَل الأحزاب السياسية وحسب، بل أيضًا «الجو العام» في البلاد، والذي كان يتلمَّس آنذاك إحساساً عاماً بضرورة محاسبة النظام. جاء الانفجار ليؤكّد صوابية هذه النظرة، أي صوابية فكرة أنّ فساد هذا النظام قاتل، وتحوّل التحقيق إلى رمز لهذه المحاسبة الغائبة. «العدالة للضحايا / الانتقام من النظام»، عبارة خُطَّت على جدران المدينة، وما زالت تظهر خلسةً بين الحين والآخر، على جدرانٍ لم تُطلَ بعد.
ولكن الزمن والأزمات والحروب… حتّى صار هذا الجو العام يخبو شيئاً فشيئاً، وتحوّل مطلب المحاسبة إلى نوع من الوهم الساذج أمام دولة مُهترئة أصلاً.
وسط هذه الخريطة المتحوّلة، يعود التحقيق اليوم ليؤكّد أن طريق العدالة يمكنه أن يستقلّ عن السياسة وينتصر عليها، حتّى إن خرج عن سياقها لفترةٍ من الفترات.
العدالة اليوم
في هذا الوضع من الفراغ السياسي، يصبح من الضروري إعادة التفكير بطبيعة السؤال الذي يحاول تحقيق المرفأ الإجابة عنه سياسياً.
فبالإضافة إلى سؤال الحقيقة في الجريمة نفسها، وفي تحديد المسؤوليات المتعدّدة التي أدّت إلى وقوع الانفجار، تكمن أهمّية التحقيق في عناد العدالة الذي جسّده مسار التحقيق: عنادٌ في وجه العرقلات والتهديدات؛ عنادٌ في وجه تخلّي جميع القوى السياسية عن التحقيق؛ عنادٌ في ظلّ الانحلال العام لأي مطلب محاسبة؛ عنادٌ أوصَل التحقيق إلى خواتيمه، ليتحوّل هذا الملف إلى أوّل ملف منذ انتهاء الحرب الأهلية ينتهي بتحقيقٍ وحقيقة.
في بلدٍ اعتاد على عدم المحاسبة والتهرّب من الحقيقة، سواء أكانت حقيقة عنف الحرب الأهلية أم الاغتيالات أم الانهيار المالي أم الفساد، يعود التحقيق في انفجار المرفأ ليذكّر أنّه من الممكن، «إذا كانت النيّة موجودة»، أن نعرف ما حصل ومَن المسؤول، ولماذا حصل. والأهم، قد يضع هذا المسار أسساً تمنع المقتلة من أن تقع من جديد.
عناد العدالة يتجاوز التحقيق الراهن إذاً، ليؤسّس إمكانيّةَ سياسةٍ مختلفة في هذه البلاد. وإنّ الكباش سوف يشتدّ لمّا تصل لحظة المحاسبة المُقبلة، مع الانتهاء الوشيك للتحقيق وبدء المحاكمات؛ إنّها معركة ستفضح مَن تآمر وتواطأ، ومَن وقف فعلاً إلى جانب ملف التحقيق وسؤال العدالة، ومَن استغل هذا الشعار لمآرب سياسية.