العهد يكافئ مشتبَهاً بهم
عُيّنت غراسيا القزّي، المدّعى عليها بملف انفجار مرفأ بيروت والملاحقة بقضية فساد في الجمارك، مديرةً عامة للجهاز. لم تكن المرّة الأولى التي يكافئ العهد فيها مشتبهاً بهم. سبق ذلك مكافأة العقيد في قوى الأمن الداخلي سوزان الحاج، المتورّطة بفبركة ملف أمني بالعمالة لإسرائيل للممثّل زياد عيتاني، من خلال تعيينها لمنصب مساعد لرئيس الإدارة المركزية في في قوى الأمن الداخلي. جاء ذلك القرار استكمالاً لمسار مكافآتها من قبل العهد السابق الذي رقّاها من رتبة مقدّم إلى عقيد، وذلك بعد أن تملّص القضاء من ملاحقتها من خلال تخفيف دورها ومسؤولياتها في الملف. ورغم الاعتراضات، استمرّ العهد الجديد بمكافأة الحاج والتغاضي عن مختلف الجرائم التي ارتكبها، بما فيها فبركة الملفات والتزوير والاستغلال الوظيفي والتحريض.
من سوزان الحاج إلى غراسيا القزّي، يُظهر العهد الجديد تأقلمه مع منظومة الإفلات من العقاب والتهرّب من العدالة، مستهلكًا صفته «الإصلاحية» لتعويم مشتبَه بهم.
غراسيا القزّي وانفجار 4 آب
لا تزال غراسيا القزّي من المدّعى عليهم في في ملف التحقيقات بجريمة انفجار المرفأ. صحيح أنّ المحقّق العدلي لم يتّخذ إجراء توقيفها أسوةً بمدّعى عليهم آخرين، لكن في الملف أيضاً عشرات المدّعى عليهم الذين لم تصدر بحقّهم قرارات التوقيف. القزّي وسواها من أعضاء المجلس الأعلى للجمارك علِموا بملف نترات الأمونيوم ولم يتّخذوا أيّ إجراء لحماية بيروت وأهلها من الانفجار. صحيح أنّ القضاء لم يُنهِ عمله بعد، والتهمة تبقى اشتباهاً ولا تعني الإدانة، لكنّها لا تعني البراءة أيضاً. بقرار التعيين، داس مجلس الوزراء، كالسلطة التنفيذية في عهد الرئيس جوزاف عون، على مشاعر أهالي ضحايا الانفجار، خصوصاً بعد أن كان أركان العهد قد رفعوا قضية انفجار المرفأ إلى مرتبة القضية الوطنية.
صفة الاشتباه في ملف انفجار المرفأ لا تعني اتهام القزّي أو تجريدها من حقوقها، لكنّ ذلك لا يعني أيضًا أن تُكرَّم وتُكافَأ على تعيينها بمنصب أعلى قبل إتمام التحقيق وانتهاء المحاكمات.
الابتزاز بالإصلاح
منذ انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، يتصرّف الطقم الحاكم الجديد وكأنّه يبتزّ اللبنانيّين بكونه من خارج الطقم السياسي المتعارف عليه. فهم «الأوادم» و/أو «الخبراء» و/أو «الحقوقيون»، والذي علينا معاملتهم بطريقة مختلفة عمّن سبقهم من سياسيين. فبعكس من سبقهم، إنّهم يستمعون للضحايا. هكذا «استمع» رئيس الجمهورية لزياد عيتاني بعدما كافأ الضابط التي لفّقت له تهمة التعامل مع إسرائيل. وعلينا أن نكون شاكرين لهذا الاستماع لأنّ رئيس الجمهورية السابق ميشال عون سبق له أن وقّع على ترقية الضابط الذي تولّى تعذيب عيتاني، ولم يكلّف نفسه حتى «الاستماع» إلى زياد. هكذا أيضاً، يطمئننا رئيس الحكومة أنّه استمع جيداً إلى أصوات المعترضين على التعيينات الأخيرة في الجمارك، لا بل تفهّم أيضاً مشاعر القلق، لا سيّما لدى أهالي شهداء وضحايا انفجار مرفأ بيروت. لكنّ الاستماع والتفهّم لم يمنعا التعيين، بل بالعكس، جاء توقيع الرئيس السريع لقرار مجلس الوزراء ليؤكد أنّ القرار قد اتخذ رغم الاستماع والتفهم.
صدر مرسوم التعيين يومًا واحدًا بعد قرار مجلس الوزراء، ما يشير إلى أنّ كلّ الكلام عن «إصلاح» أو أهمية قضية انفجار المرفأ كان مجرّد ابتزاز لتمرير قرارات لا تختلف عن قرارات العهود السابقة.
«قرينة البراءة» أو التبرير القانوني للقضاء على العدالة
ربّما كان ما يختلف عن العهود السابقة هو نوعية التبريرات. فبعد الاستماع وتفهّم الضحايا، جاء القاضي ليفسّر لنا القانون. هكذا اختار رئيس الحكومة، وقبله وزير الإعلام- المحامي المحسوب على رئيس الجمهورية، إعطاءنا درساً قانونياً حول «قرينة البراءة». فوفق رئيس الحكومة، قرينة البراءة هي ركن أساسي من أركان العدالة. وهذا يعني أنه ما لم يصدر حكم ضد أي شخص، فيحقّ له ممارسة حقوقه كاملة، بما فيها التعيين في الإدارات العامة. ما قاله القاضي سلام سليم فعلاً، سوى أنّ «التعيين» ليس ممارسة المتّهم لحقوقه. «التعيين» هو ممارسة المسؤول في الدولة تجاه المشتبه به. فإذا كانت قرينة البراءة تكفل للمشتبه بها حقّ تعيينها، فأيّ قرينة تكفل للمسؤول أن يعيّن مشتبهاً بها؟ هنا تتحوّل القرينة من «براءة» للمعيَّن إلى «اتّهام» للمعيِّن، اتّهام باستخدام فذلكة قانونية لتبرير المحاصصة.
ما بقي من «الإصلاح» في هذا الملف هو طبيعة التبريرات. فاستنفد العهد معرفته القانونية ورأس ماله «الإصلاحي» ليقول لنا إنّ له مبررات قانونية للقضاء على العدالة. «قرينة البراءة» ليست دفاعًا عن التعيين، بل اتهام لمن استعملها لتعيين مشتبه بها.
استغلال قضية 4 آب قبل التخلّي عنها
ليس سرّاً أنّ القزّي قريبة من «القوات اللبنانية» وأنّ أيّاً من وزراء «القوّات» لم يعترض على تعيينها. وليس سرّاً أيضًا أنّ رئيس الجمهوريّة هو الذي دفع باتجاه تعيينها، ما استوجب شكراً من القزي التي شربت «كاسه» ليلة التعيين. اللافت أنّ القوّات والرئيس هما الطرفان اللذان لا يكفّان عن تأكيد وقوفهما إلى جانب أهالي ضحايا المرفأ، ودفاعهما عن العدالة في هذا الملف. لكن في الواقع، مهما حاولنا أن نمغط مفهوم العدالة، لا يمكن أن يستقيم مع تعيين مشتبه بها في قضية المرفأ مديراً عاماً للجمارك. فبعدما حاول البعض الانقلاب على التحقيق في انفجار المرفأ، بدأ من كان يُفترَض أن يكون إلى جانب الضحايا بتمييع القضية والتضحية بها من أجل المحاصصة.
باتت قضية 4 آب عبئاً على من ادّعى الدفاع عنها وعن ضحاياها، لكونها عائقاً أمام لعبة المحاصصات.
العدالة قبل الإصلاح
القانون في لبنان ليس ضمانة للعدالة. ففي بلد اعتدنا فيه التلاعب على نصوص القوانين وتطبيقها، لم يعد القضاء المدخل الأساسي للعدالة. كما أن «الإصلاحيين» ليسوا ضمانة للعدالة. ففي بلد اعتدنا فيه على رؤية «إصلاحيين» يتأقلمون مع الفساد قبل أن يصبحوا من أربابه، لم يعد وجودهم في السلطة ضمانة للعدالة. وهنا العدالة سهلة، لا تتطلّب فذلكات قانونية أو حسابات معقدة. هي مجرّد احترام لضحايا أكبر انفجار في تاريخ البلاد، احترام يقتضي التروي قبل تعيين مشتبه بها. لكن عندما تكفّ حتى هذه الفكرة البسيطة عن تشكيل عائق أمام المسؤولين، نكون قد دخلنا مرحلة من الوقاحة غير المسبوقة.
العدالة ليست القانون أو الإصلاح أو الأوادم. هي أبسط من ذلك. هي التروّي الأخلاقي قبل تعيين مشتبه بها في منصب مشرف على الجريمة، وعدم إذلال ضحايا الجريمة بمكافأة مشتبه بها. إذا كان هذا المستوى البسيط من العدالة مفقودًا، يكون العهد قد افتتح مستوى جديداً من الوقاحة.