تعليق انفجار المرفأ
سامر فرنجية

4 آب

عن انفجار بات بلا عالَمِه

4 آب 2026

لم تمرّ ستّ سنوات فحسب على انفجار المرفأ. مرّت حيوات بأكملها. 

مرّت وتدمّرت، حتى بات «عالم 4 آب»، هذا العالم الذي نشأ حول الجريمة مع ضحاياها وسجالاتها والمشتبه بهم وقاضي التحقيق والذكرى السنوية، عالماً بعيدًا إلى حدّ الزوال. فليست جريمة 4 آب ما نحاول استذكاره اليوم، بل هذا العالم الذي كان انفجار المرفأ لا يزال يُشكّل فيه جريمة. 

تسلسُل المشاعر

عدتُ بمقالاتي بالزمن، لأبحث عمّا كنتُ أشعر به في هذه اللحظات التي شكّلت عالم 4 آب. بعد يومٍ على الانفجار، لم يكن هناك سوى الانتقام، ببساطته الجميلة: نحن لا شيء بعد اليوم، ولذلك سنقتلكم، ليس لأنه لم يعد لدينا ما نخسره، بل لأنه لم يعد هناك ما نفعله إلّا قتلكم. سنلملم الزجاج من الشوارع، وسنحتفظ به بأيادينا، وعندما يأتي النهار، سنملأ قبوركم به. بعد سنة على الجريمة، تحوّل الانتقام إلى محاولة لمشروع سياسي، يقوم على الفرز بينهم وبيننا، وكانوا لا يزالون في الحكم: ربّما كان لا مجال للإطاحة بهم الآن. لكن لا مجال أيضًا للعيش معهم بعد اليوم. بات هناك «مجتمع 4 آب»، وهو ليس بالضرورة المجتمع بأكمله، في وجه «نظام 4 آب»، وهو النظام بأكمله، وبينهما علاقة قطيعة.

لكنّ عالم 4 آب لم يكن عالماً مكوّناً من غضب ومقاومة فحسب، كان أيضًا درسًا عن التأقلم مع الظلم والعيش معه، كان درسًا عن تقبّل أنّنا أقلية لم تنسَ، وعن رثائنا المستحيل. في عام 2022، بدأ الدرس: هذه السنة لم تكن سنة المواجهة، كانت سنة الحزن، حزن دفين، مقموع، مرفوض، غير معترف به. والحزن غالبًا يُعاش منفردًا، على شرفة منزل، وحيدًا في الشارع، في دكان شبه مغلق، وراء غيمة. كانت المدينة البارحة حزينة، تعترف لنفسها أنّ حدادها لم يتمّ، قبل أي مواجهة، قبل أي سياسة. بدأت السياسة تتراجع. لم يكن هناك مقال في عام 2023. أمّا في عام 2024، فبدأ عالم 4 آب يزول ووضوحه يضعف: في هذا المكان، تحت شمس آب، هناك مطلوبون للعدالة، وقاضٍ يحاول أن يحقّق، وضحايا ما زالوا ينتظرون العدالة. في هذا المكان، تحت شمس آب، «المقاومة» التي تنعى شهداءها يوميًا، هي «حزب النترات»، الحزب الذي هدّد وعرقل وأخذ البلاد إلى حافّة الحرب الأهلية من أجل حماية مجرميه.

في عام 2025، صرنا بمكان آخر، وصار «عالم 4 آب» وراءنا. 

ما بعد ليس كما قبل

أمام هَوْل الحدث، كنّا نردّد، كنوع من صلاة مدنية، أنّ «ما بعد 4 آب» ليس كـ«ما قبل 4 آب»، لا يمكن أن يكون كما قبل الجريمة، لا يجب أن يكون كما قبل الجريمة. أكان في السياسة أو الفن أو الثقافة، كنّا نصرّ، غالبًا من خلال سجالات حادة، أنّنا لا يمكن أن نستمرّ كما لو أنّ العالم ونسيجه لم يتغيّرا جراء الانفجار. عاد البعض إلى أدورنو وقطيعته، وآخرون إلى الحرب الأهلية وقطيعتها، في محاولةٍ لتحويل إسم «4 آب» إلى قطيعة مشابهة. 

كنّا على حق، لكن لأسباب أخرى، لم نتوقّعها ونحن قابعون في ركام مرفأنا. جاء «طوفان الأقصى» ومن بعده الإبادة والحروب اللامتناهية لكي ينقلونا إلى عالم  جديد، لا مكان فيه لصدمة انفجار ومطالبةٍ بانتقام والبحث عن تحقيق. ليست ذكرى الانفجار هي التي ضعفت مع مرور الزمن، فما علينا إلّا طرح سؤال «ماذا حدث في 4 آب؟» على أيّ ناجٍ أو ناجية، حتى نستشعر بوجوههم مدى تشابك الحدث بنظامهم العصبي. لكنّ ما بدأ يختفي من مخيلتنا هو «عالم 4 آب» نفسه، مع أبطاله ومشاعره وذكراه. 

عُدنا لنقول أنّ ما قبل ليس كما بعد، لكن هذه المرّة عن الحرب الدائرة في الجنوب. وذلك قبل أن نلاحظ أنّنا نعيش من قطيعة إلى أخرى، حتى باتت فكرة القطيعة فاقدة لأي معنى، لنواجه السؤال الأكثر ريبة، وهو إن لم يعد هناك من قبل أو بعد، بل مجرّد لحظات، لا مهرب منها.

ركام 4 آب

ما يبقى من 4 آب ركام وآثار. آثار على حيطان، آثار جروح، آثار خطابات. هناك مظاهرة لم تعد موجودة، حلّت مكانها ذكرى رسمية تُنكَّس فيها الأعلام وتعدَّل البرامج العادية في محطات الإذاعة والتلفزيون. وهناك تحقيق ما زلنا ننتظره، وإن كنّا ندرك أن نتائجه باتت خارج أيّ سياق سياسي. أمّا المشتبه بهم، فتمّت ترقيتهم، تحت حماية «قرينة البراءة»، إلى مناصب عليا في المؤسسات ذاتها التي أشرفت على جريمة 4 آب.

ربّما كان الخط الوحيد الذي ما زال يربطنا بجريمة العام 2020 هو عائلات الضحايا. عائلات الضحايا، كعائلات المخطوفين أو عائلات الموقوفين، هم آخر رابط بيننا وبين أحداث كان من المفترض أنّ ما بعدها ليس كما قبلها. الرابط العائلي، المباشر، الحتمي، الموروث، المفروض، هو ما نجا من زوال «عالم 4 آب»، وهو ما زال يذكّرنا أنه كان هناك انفجار غيّر حيواتنا يومًا ما. قبل أن تتغير عن جديد. لكنّ الرابط العائلي له حدوده، العلاقة المباشرة لها حدودها. وخارج هذه الحدود، زال الحدث. 

الحياة تعود رغم رفضنا لها

رغم إصرارنا أنّ ما قبل ليس كما بعد، عادت الحياة إلى المدينة، حتى إلى مرفأها. حياة فيها حروب وتهجير ودمار. حياة غير آبهة بمطلبنا أن «تُعلَّق» ريثما ينتهي التحقيق/ الرثاء. عادت ومحت آثار هذه اللحظة التي أردناها تأسيسيّة. أمّا الآثار التي لم تُمحَ، فتمّ تعليبها لكي تتحوّل إلى ما يشبه الصور التذكارية عن عالم كان. ربّما هناك شيء مطمئن في عودة الحياة هذه رغم قساوتها، وفي فكرة أنّ الحياة ستعود، لكونها دائمًا تعود، مهما حاولنا تعليقها ومهما كثر الدمار. عادت الحياة بعد الحرب الأهلية، وعادت بعد الانفجار، وستعود بعد الحرب في الجنوب. هذا ما تفعله الحياة، تعود لتستردّ حقها في هذا العالم.

الحياة تعود، كما عادت في الماضي، لكنّ في طيّاتها انفجاراً سيبقى، رغم كل شيء، يذكرنا أنّه في يوم ما، عاش هنا «مجتمع 4 آب»، مجتمع خُلق من انفجار وحُرم من رثائه لحيواته.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

4 آب

سامر فرنجية
الرياضي بطل لبنان لكرة السلة 
كيف دافعوا عن صورة أنطون صحناوي مع نتنياهو؟
03-08-2026
تقرير
كيف دافعوا عن صورة أنطون صحناوي مع نتنياهو؟
حدث اليوم - الاثنين 3 آب 2026
42.5°C: أعلى درجة حرارة سجّلتها كوريا الجنوبية في تاريخها، أمس الأحد
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 3/8/2026