تعليق لبنان
زياد ماجد

نكبتا لبنان في الذكرى المئوية لإقرار دستوره

16 تشرين الأول 2026

مضى قرنٌ كاملٌ منذ إقرار الدستور المؤسّس لدولة لبنان، ومعه أوّل قانون انتخاب، خلال حقبة شهدت بعد إعلان «لبنان الكبير» العام 1920 إحصاءات سكّان ومشاورات بين السلطات الفرنسية الانتدابية ونخب حقوقية واقتصادية محلّية أفضت إلى اعتماد فلسفة توافقية تمكّن ممثّلين عن الطوائف الكبرى ديموغرافياً من تقاسم الحكم. سمح الأمر وقتها، ثم بعد الاستقلال العام 1943 بغلبةٍ للنخب المسيحية، لا سيّما المارونية، استمرّت حتى «اتّفاق الطائف» العام 1989 الذي تلا الحرب الأهلية والتدخّلات الخارجية فيها. أجرى «الطائف» تعديلات دستورية بهدف إحقاق توازن في الصلاحيات بين رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الحكومة السني، وفرض قسمة مناصفة بين المسيحيين والمسلمين في السلطتين التشريعية والتنفيذية وفي مناصب الفئة الأولى في الإدارات العامة. واقترح في المقابل خطّة طريق لتقليص الطائفية السياسية، عبر تحرير المجلس النيابي منها واستحداث مجلس شيوخ يُبقي على مبدئها التمثيلي. واقترح السير باللامركزية الإدارية التي تقوم على المجالس المحلّية المنتخبة التي لا اشتراط تمثيل طائفي فيها. لكن اقتراحيه المذكورين ظلّا حبراً على ورق.

نكبة الإفلاس

تطوّرت الأوضاع وتبدّلت الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال القرن الماضي. وشهد لبنان حروباً واجتياحات واحتلالات وإعادة إعمار واغتيالات وتحريراً للجنوب من إسرائيل ثم طرداً لجيش النظام السوري البائد من باقي المناطق. وشهد هجرات وتدفّق أموال ومشاريع ضخمة وحيوية ثقافية وتنوّعاً إعلامياً ونشاطاً جامعياً وحملات حقوقية ونسوية ونقابية وانتفاضات شعبية. وشهد أيضاً فساداً وزبائنية وانتهاكات للدستور ولحقوق الإنسان. وانعكست أحوال المنطقة والعالم دورياً عليه، صراعاتٍ أو تحالفاتٍ أو استقراراً أو تدفّق أسلحة. وتكرّرت الأزمات السياسية والانتخابية فيه مُظهرة تراجعاً لنظام التوافقية الطائفية الذي تكرّس على مراحل في الأعوام 1926 و1943 و1989. وبات النظام المذكور اليوم أقرب إلى «الفيتوكراسية» (أو الحق في الفيتو المعطّل) منه إلى «ديمقراطية تقاسم السلطة».

مع ذلك، لم ينهَر البلد قبل العام 2020. ولم تستعصِ أي من نكساته القاسية على إمكانيات النهوض اللاحق. ولم تمحُ الحروب أجزاءً منه على النحو الذي نشهده منذ ثلاث سنوات. فالانهيار المالي والاقتصادي الذي تسبّبت به السلطات الحاكمة المتعاقبة ومعها جمعية المصارف وحاكمية البنك المركزي، أطاحت بعشرات مليارات الدولارات من أموال المودعين، وأفقرت ملايين المواطنين بعد انهيار القوة الشرائية لليرة على نحو غير مسبوق حتى في أواسط ثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي. ولا يبدو أنّ «قيامة» مالية اقتصادية تحسّن الظروف المعيشية لأكثرية اللبنانيين المنهوبين والمُهانين ممكنة في المدى المنظور. وهذا يجعل نكبتهم، نكبة الإفلاس، مستمرّة، بحصانة المسؤولين عنها، غير المهدّد معظمهم حتى الآن، وبآثارها ومآسيها الفردية والعامة، كما بالهجرات ونزيف الاختصاصات والمديونية وتراجع الخدمات وكوارث التلوّث التي ترافقها.

نكبة الحرب

في عزّ النكبة المالية، أصابت نكبة ثانية قسماً من اللبنانيين، من سكّان جنوب البلد وبعض بلداته البقاعية وأحياء ضاحية عاصمته الجنوبية. النكبة هذه تسبّبت بها الإبادة العمرانية التي نفّذتها إسرائيل بعد اندلاع حربها مع حزب الله. والأخير، الذي استهلّ الحرب في جولتها الأولى، ظانّاً قدرته على إبقاء وتيرتها منخفضة وعلى إلزام تل أبيب بخطوط حمراء نتيجة ما خاله قدرات ردع لديه، أخطأ في جميع حساباته، وفشل في فرض الإيقاع الحربي وفي ردع آلة العدوان والتدمير. وتحوّلت جولة الحرب الثانية التي انغمس بها، بعد بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إلى بلاءٍ غير مسبوق في التاريخ اللبناني رغم كل ما عرفه البلد من جولات قتال وتهجير وتدمير على مدى سنوات طويلة. ذلك أن دولة الإبادة الجماعية التي جرّبت كل ضروب القتل والتعذيب والتدمير والتجويع في غزّة على مدى سنتين، نقلت آلتها الإبادية لتفتك بعمران الجنوب، مزيلةً من الوجود عشرات البلدات وملحقة أضراراً غير قابلة للتعويض قبل عقود بعشرات البلدات الأخرى وحقولها الزراعية. كما أنها احتلّت 620 كيلومتراً مربّعاً من الأراضي، أي أكثر من 6 في المئة من مساحة لبنان، لا يشي أي معطى سياسي أو عسكري بانسحابها منها في المستقبل القريب. يعني الأمر تهجيراً «مستديماً» لعشرات الألوف من الجنوبيين ممّن سيصبح «حقّ العودة» مطلبهم في المقبل من السنين.

هكذا، أصابت لبنان نكبتان في السنوات الأخيرة من القرن التالي لوضع أسس نظامه ومؤسّساته السياسية. نكبتان مستمرّتان ومستعصيتان. الأولى ما زالت تُفقر ثلثي اللبنانيين، وما زال المسؤولون عنها محميّين، وبعضهم يملك نفوذاً داخل أروقة الحكم وداخل المصارف والبنك المركزي نفسه. والثانية، ستبقى جاثمة وظاهرة فوق جزء من الأراضي اللبنانية المدمّرة والمحروقة والمحتلّة، لحصانة إسرائيل والاحتلال أميركياً، ولمكابرة حزب الله المستمرة ورفضه الاعتراف بالأمر والتصرّف بمقتضاه. ولا شكّ أن الانقسامات السياسية والطائفية داخل البلد ورهانات البعض على إسرائيل أو على دونالد ترامب لتصفية حساباتهم لا تسهّل الإنقاذ، ولا توفّر موجبات التعافي والنجاة من النكبتين الأولى والثانية ومفاعيلهما.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

نكبتا لبنان في الذكرى المئوية لإقرار دستوره

– زياد ماجد
قطع أثرية منهوبة تُعيدها إسرائيل لليونان
16-10-2026
تقرير
قطع أثرية منهوبة تُعيدها إسرائيل لليونان
حدث اليوم - الخميس 15 تشرين الأول 2026
15-10-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 15 تشرين الأول 2026
جيش الاحتلال في زوطر الشرقية: شاحنات تموين وذخيرة ووقود
بعد 21 عاماً من المقاومة عودة المستوطنات إلى جنين
15-10-2026
تقرير
بعد 21 عاماً من المقاومة عودة المستوطنات إلى جنين
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 15/10/2026