دراسة دين
سعود المولى

الفكر السياسي الشيعي وتحوّلاته المعاصرة 

من التنظير الفقهي للإمامة إلى فضاء الدولة المدنية والمواطنة

6 أيلول 2026
ترصد هذه القراءة الموجزة تحوّلات الفكر السياسي الشيعي، ومسار انتقاله من دوائر التنظير الفقهي التقليدي في الحوزات العلمية إلى ضرورات مواجهة شروط الحداثة ومتطلّبات الإصلاح السياسي والاجتماعي، خصوصًا في الفضاء اللبناني الديمقراطي التعدّدي.

إشكالية الغيبة الكبرى ونشوء المرجعية والتقية

أحدثت الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن المهدي) عام 941 صدمةً مفاهيميةً وحالةً من الارتباك والضياع داخل الجماعة المؤمنة بالوجود المستمرّ للإمام الظاهر المعصوم. ولتجاوز هذه الأزمة التأسيسية، طوّر العقل الفقهي الشيعي، استنادًا إلى قراءة تأويلية لرسائل الإمام المهدي وأحاديث الإمام جعفر الصادق، آليّتين رئيسيّتين لإدارة مرحلة الانتظار:  

المرجعية الدينية 

تبلورت بداياتها الأولى خلال الغيبة الصغرى عبر السفراء الأربعة الذين اضطلعوا بوساطة مالية وتشريعية تشمل جباية «الخمس» (وهو ضريبة تمثّل خُمس الأرباح السنوية الفاضلة عن المؤونة السنوية للشخص، وتدفع للإمام) وإيصال التوقيعات والرسائل. ثم استقرّت المرجعية بشكلها النهائي في الغيبة الكبرى كضرورة قيادية لضمان المرجعية والإفتاء والتقليد في شؤون الدين والدنيا، ويُشترط في صاحبها الفقهي والروحي أن يكون «الأعلم، والأعدل، والأتقى» من بين كبار علماء الدينيين في عصره.

التقيّة 

شكّلت التقيّة أداةً تكيفيةً مركزيةً خلال «زمن الانتظار». ورغم الانحراف التأويلي الذي اختزلها لاحقًا في «التستّر، أو الإخفاء، أو إضمار المعتقدات سرًا بغية الانقلاب لاحقاً عند امتلاك ميزان القوّة والمطالبة بالحكم»، فإنّ التيار الإصلاحي—ولا سيّما الشيخ شمس الدين—أصّل للمفهوم لغويًا وعقدياً باعتباره مشتقّاً من «التقوى» وخوف الله. ومن هذا المنطلق الإصلاحي، تعني التقية الاندماج والمشاركة الكاملة في الحياة الاجتماعية والسياسية للأمة، والانخراط النشط في شؤون المجتمع والدولة القائمة بغية إصلاحها، من دون تملّص أو انكفاء، ومن دون نفاق يهدف لقلب الموازين.

ثنائية الدولة والشرعية السياسية

قاد غياب الإمام المعصوم—الذي يملك وحده حصريًا صلاحية إعلان الجهاد الابتدائي وإقامة حكومة العدل الإلهي المطلق—إلى وسم كافة الحكومات التاريخية بصفات «الغصب، والجور، واللاشرعية». ومع ذلك، وانطلاقاً من مأثورات الإمام علي بن أبي طالب في ردّه على الخوارج الذين رفعوا شعار «لا حكم إلا لله» (ردَّ عليهم بقوله: «نعم ولكن لا بدّ للناس من أمير بر أو فاجر»)، تعامل الفكر الشيعي مع وجود الدولة—وإن كانت جائرة—باعتباره ضرورة حيوية لتنظيم معيشة المجتمع وحفظ النظام العام والحياة. 

تاريخيًا، تجلت هذه البراغماتية في انخراط الشيعة في البنية السياسية للدولة القائمة وحتى تأسيس كيانات شيعية، مثل الدولة البويهية (في إيران والعراق في العصر العباسي) التي قضى عليها السلاجقة سنة 1055. والدولة الحمدانية (في حلب والموصل) في القرن العاشر الميلادي، وكانت ذات ميول شيعية في بعض فروعها وحكّامها.  

وفي العصر الحديث قامت الدولة الصفوية في إيران سنة 1501 على يد إسماعيل الصفوي، وأعلنت المذهب الشيعي الإثنا عشري مذهباً رسمياً للدولة. ثم تلتها الدول اللاحقة في إيران، مثل الدولة الأفشارية، والدولة الزندية، والدولة القاجارية التي استمرّت في حكم إيران حتى أوائل القرن العشرين، قبل انقلاب الشاه رضا خان عليها عام 1921 بمساندة بريطانية، ثم إطاحته في عام 1925 بسلالة القاجار، وانتخابه شاهًا على إيران، مؤسّسًا السلالة البهلوية. 

في هذه الكيانات القديمة والحديثة، التزم الشيعة باتّباع مرجعيّتهم في الأحوال الشخصية والعبادات والتشريع الديني، مع الانخراط في الفضاء الاجتماعي العام للوطن والدولة القائمة.

الإمبراطورية الصفوية وتوظيف المذهب

شهد عام 1501 تحوّلًا جوهريًا في تاريخ المذهب الشيعي مع صعود الإمبراطورية الصفوية على يد عائلة ذات أصول صوفية تركمانية سنّية حنفية في الأصل. تبنّت هذه العائلة التشيّع الاثني عشري كأداة أيديولوجية لبناء هوية قومية وإمبراطورية مستقلّة وتوسّعية في مواجهة الدولة العثمانية السنّية الحنفية. سعى الشاه إسماعيل الأوّل لشرعنة حكمه بصبغة ثيوقراطية ادّعى فيها اللقاء بالمهدي المنتظر في مغارة، وتلقّي سيفه وفرسه كرمز للجهاد والسيادة الأرضية، زاعمًا أنّه المستودع الحصري لقوّة المهدي وسلطته. ولحاجته إلى غطاء فقهي متين وشرعية علمية، استدعى فقهاء جبل عامل (جنوب لبنان) والبحرين والإحساء. أدّى هذا التعاون إلى نشوء مفهوم «النيابة الملكية»، حيث عيّن الشاه طهماسب الأوّل المحقّق الكركي (العاملي) في منصب شيخ الإسلام. ورغم رفض عموم فقهاء جبل عامل والنجف والإحساء والبحرين لمقولة إنّ الشاه هو النائب المباشر للمهدي، فقد أفضت هذه الحقبة إلى ولادة «دولة شيعية مقدّسة» حظيت ببركة مشروطة وتفويض خاص من المؤسّسة الدينية.

اختراع ممارسات طقوسية وتصعيد التوتّر السنّي-الشيعي

تأصّلت جذور الأزمة التاريخية المعاصرة وتصعيد التوتّرات بين السنّة والشيعة في هذه الحقبة الصراعية بين القوّتين العثمانية والصفوية. وبحسب تحليل المفكر علي شريعتي في أطروحته حول «التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي»، عمد الصفويون إلى إدخال ممارسات طقوسية مسرحية دموية غريبة على النسيج الاعتقادي الشيعي الأصيل، وذلك لصياغة تميّز هوياتي حادّ في مواجهة العثمانيين. وشمل ذلك إدخال الممارسات الدموية والجلد والتمثيل المسرحي في عاشوراء (والتي لم تدخل جبل عامل إلّا عام 1912 عبر مهاجرين إيرانيين استقرّوا في النبطية لتمييز الهوية الشيعية عن المحيط العثماني السنّي). كما شمل ذلك تعظيم مقام أبو لؤلؤة الفيروزي (قاتل الخليفة عمر بن الخطاب) وتشييد مزار له في قم، يُطلَق عليه «بابا شجاع الدين»، مدفوعين بنزعة قومية شوفينية عنيفة ضدّ الفتح العربي لبلاد فارس، فضلًا عن اختراع مبرّرات تاريخية مغلوطة تزعم زواج الإمام الحسين من «شهربانو» ابنة كسرى يزدجرد لمنح السلالة أبعادًا ملكية ساسانية مدمجة بالقداسة الدينية؛ ثم شرعنة التحالفات الصفوية مع القوى الأوروبية ضد الدولة العثمانية.

التطوّر الفقهي لولاية الفقيه: من النراقي إلى الخميني

ظلّت صلاحيّات الفقيه لقرون طوال محصورة في النطاق «الحسبي» الضيّق (رعاية الأيتام، القضاء، الولاية على القصر والمجانين ومن لا ولاية لهم، وجباية الخمس). واستمرّ حظر إقامة صلاة الجمعة، والجهاد الابتدائي، وإقامة الحدود الجنائية العنيفة أو استخدام القوّة للدولة باعتبارها من الصلاحيات السيادية الحصرية للإمام المعصوم. إلّا أنّ التحوّل النظري الأبرز برز في القرن التاسع عشر على يد الفقيه أحمد الملا مهدي النراقي الذي أصّل لتوسيع صلاحيات الفقيه نحو التفويض المطلق وإمكانية إقامة حكومة إسلامية برئاسة مجتهد جامع للشروط، مستنداً في ذلك إلى تأويل روايتَين (توقيع الإمام المهدي بالرجوع إلى رواة الحوادث، وحديث الإمام الصادق الذي استخدم فيه لفظ «حَكَمًا» بفتح الحاء والكاف بمعنى القاضي والمصلح، وليس «حَاكِمًا» بالمعنى السلطوي والسياسي). وفي القرن العشرين، التقط آية الله روح الله خميني هذا التنظير الفرعي ليحوّله أثناء نفيه في النجف إلى محاضرات (1969) ثم إلى نظرية سياسية حركية متكاملة نُشرت لاحقًا في كتاب «الحكومة الإسلامية» (1979)، مانحاً الفقيه سلطات سيادية وتشريعية وتنفيذية مطلقة.

الحوزة العلمية في القرن العشرين: الدستور ضدّ المستبدّة

عقب الثورة الدستورية الإيرانية (المشروطة) عام 1906— والتي أيّدها فقهاء النجف كالميرزا حسين النائيني بكتابه التأسيسي عن المبادئ الديمقراطية للحكومة الدستورية لحظر استبداد الشاه— أخفقت الحركة واستعاد الشاه استبداده المطلق بدعم من فقهاء «المستبدّة». قاد ذلك الشاه لتدعيم حوزة قم لتكون ثقلًا تشريعيًا مضادًّا لنجف العراق التي حملت لواء مساندة الدستورية والحرية. ثم تعمّق هذا الانقسام مع ممارسة الدولة البهلوية اضطهادًا للعلماء وتغريبًا قسريًا للمجتمع. وفي المقابل، انخرطت نجف العراق بزعامة المرجع السيد محسن الحكيم في صلب العمل السياسي الوطني العراقي (ثورة 1915، ثورة العشرين، وبناء الدولة الملكية الدستورية). وفي عام 1963، وعند نفي الخميني إثر ثورته ضدّ الشاه، تحرّك مراجع قم (بروجردي وشريعتمداري) بالتنسيق مع السيد محسن الحكيم في النجف لإصدار بيان مشترك يمنح الخميني رتبة المرجعية الدينية رسمياً لحمايته من حكم الإعدام ، ليتوجّه بعدها إلى منفاه في النجف عام 1964.

التناقض الجذري: ولاية الفقيه المطلقة مقابل ولاية الأمّة على نفسها

يُظهر التحليل المقارن للمواقف الفقهية وجود تباين جذري وجوهري بين النظرية الخمينية والمدرسة المرجعية التقليدية والإصلاحية العربية، حيث ترفض حوزة النجف الكبرى (الحكيم، الخوئي، السيستاني) ومصلحو جبل عامل (محسن الأمين، محمد جواد مغنية، موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين) مبدأ ولاية الفقيه العامّة المطلقة وتستبدلها بنظرية «ولاية الأمّة على نفسها». تؤكّد هذه النظرية الإصلاحية أنّ الشعب هو صاحب الولاية والسيادة على حياته الدنيوية وسياسته في عصر الغيبة الكبرى، وأنّ السلطة السياسية تُمنح عبر الوكالة والانتخابات الديمقراطية الحرّة والتمثيل الدستوري، في حين تزعم نظرية ولاية الفقيه المطلقة أنّ التفويض والشرعية يسقطان عمودياً من الإمام المهدي إلى الفقيه الحاكم مباشرة، مما يجعل سلطته مطلقة وفوق الدستور والشعب.

الاختلاف بين الصدر والخميني والانقلاب الداخلي في الثورة الإيرانية

شهدت الفترة الواقعة بين عامي 1975 و1978 نزاعًا صامتًا وحادًّا بين الإمام موسى الصدر في لبنان وآية الله الخميني في النجف. رفض الصدر بشكل حاسم الاعتراف بمرجعية الخميني الدينية أو تبنّي أطروحته لولاية الفقيه، متمسّكًا بمرجعية السيد محسن الحكيم ومن بعده السيد أبو القاسم الخوئي، ومثيراً غضب الجناح الخميني الحركي. فشلت جهود الوساطة التي قادها هاشمي رفسنجاني عام 1975 في ردم هذه الفجوة المنهجية. ومع انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، تشكّلت في البداية جبهة تحالفية واسعة ضمّت التيار الإسلامي الديمقراطي الليبرالي (حركة حرية إيران بزعامة مهدي بازركان وإبراهيم يزدي، وآية الله طالقاني) والتي صاغت مسوّدة دستور أولى خالية تماماً من مقولة «ولاية الفقيه». إلّا أنّ جناح الخميني قاد انقلاباً داخلياً تصفوياً أقصى بموجبه رئيس الوزراء بازركان والرئيس بني صدر، وصَفّى عبر المحاكم الثورية بقيادة صادق خلخالي آلاف المعارضين من مجاهدي خلق الإسلامية، والشيوعيين (حزب توده وفدائيي خلق، ومجاهدي خلق الماركسية، والمنظّمة الثورية لحزب توده)، والقوميين الليبراليين، بل والفقهاء الكبار كآية الله شريعتمداري الذي فرضوا عليه حل حزبه والإقامة الجبرية حتى وفاته ومنع الصلاة عليه. و عُزل آية الله منتظري (الذي كان يطالب بالعودة للشعب والمؤسسات الديمقراطية). وواكبت هذا المسار تعديلات دستورية أقرّت ولاية الفقيه المطلقة وجعلت خامنئي رئيسًا أعلى وقائدًا مطلقًا للجيش والسلطات الثلاث.

الإمام موسى الصدر ومفهوم «الدولة المؤمنة»

أحدث قدوم الإمام موسى الصدر إلى لبنان (1959) ثورة سوسيولوجية في واقع الطائفة الشيعية، مقتلعاً إياها من التهميش والحرمان والميل نحو الحركات اليسارية والعروبية الراديكالية إلى فضاء المأسسة القانونية عبر تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام 1967 ورئاسته له عام 1969. تمحور مشروع الصدر حول مفهوم «الدولة المؤمنة» كبديل ثالث يرفض الطائفية السياسية الزبائنية والعلمانية اللائكية المتطرّفة على النمط الفرنسي. ترتكز «الدولة المؤمنة» على الإيمان بالله كمنطلق للالتزام بمنظومة القيم الأخلاقية والإنسانية المشتركة، مع اعتبار الدولة أداةً إدارية وتنظيمية محايدة لخدمة الفضاء المشترك، بينما تستمد غاياتها الكبرى من قيم المجتمع الدينية التعدّدية. صان الصدر التعدّدية الطائفية اللبنانية باعتبارها نوافذ حضارية تغني الكيان الوطني الشامل، مصرّحاً بمعادلته الذهبية: «إسلامية المسلم اللبناني لا تكتمل إلّا بالمسيحي، ومسيحية المسيحي لا تكتمل إلّا بالمسلم». حظيت حركته بدعم واسع من نخب فكرية مسيحية وإسلامية مشهودة (كغسان تويني والآباء يواكيم مبارك وميشال حايك وغريغوار حداد وجورج خضر)، الذين وصفوا حراكه بالحراك الطائفي الوحيد ذي المحتوى التقدّمي والوطني الجامع لتعزيز مؤسّسات الدولة والعدالة الاجتماعية.

الشيخ محمد مهدي شمس الدين وتأصيل «ولاية الأمّة»

تولّى الشيخ محمد مهدي شمس الدين قيادة المجلس الشيعي عقب تغييب الصدر عام 1978 في ليبيا، وانصرف إلى وضع الأسس التشريعية والفلسفية للإصلاح الديني وبناء السلم الأهلي، متوّجًا جهوده بتأسيس «اللجنة الإسلامية للحوار» عام 1990، والتي كانت قاعدة لتأسيس اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار، الفريق العربي للحوار، وغيرها من المبادرات. تميّز مشروع شمس الدين بنقد معرفي عميق للأيديولوجيات الكلانية والشوفينية؛ حيث فكّك مفهوم «الأمّة المطلقة» معتبرًا إيّاها تجريدًا ذهنيًا لا رصيد له في الفقه الإسلامي أو الواقع العملي، فالأمم هي صيرورات تاريخية خاضعة للمصالح المادّية المتغيّرة، والإسلام لم يطرح نموذجاً لـ«دولة أيديولوجية مركزية مقدسة» أو خلافة عابرة للحدود، بل إن حكومة الرسول نفسها تأرجحت بين الفيدرالية والكونفيدرالية. أسّس شمس الدين لضرورة إنتاج فقه وعلم كلام جديدين يؤصّلان للحوار والمواطنة الكاملة المتساوية في الحقوق والواجبات للجميع، متجاوزاً المفهوم التاريخي المؤقّت لـ«أهل الذمة». فالذمّية في نظره لم تكن حكماً دينياً ثابتاً، بل ترتيباً تنظيمياً قانونياً دولياً تفوّق به العالم الإسلامي أخلاقياً في العصور الوسطى على الغرب الذي كان غارقاً في التطهير الديني ومحاكم التفتيش. أما اليوم، وفي ظل تطوّر القانون الدولي والتزام المسلمين بالمواثيق المعاصرة، فإن المواطنة الكاملة والقانون المدني هما الواجب الشرعي البديل.

الوثائق الميثاقية ونهائية الكيان اللبناني

جسّدت الفلسفة السياسية للصدر وشمس الدين تحوّلاً بنيويًا تمثّل في إعلان «الزواج الكاثوليكي الأبدي» بين الشيعة والكيان اللبناني. تبلور هذا المسار التاريخي في وثيقتين تأسيسيتين: بيان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لتسوية النزاع الداخلي (1977) ووثيقة الثوابت العشر للمسلمين اللبنانيين (أيلول 1983) التي أذيعت من دار الفتوى. أرست هاتان الوثيقتان المبادئ الحاكمة لـ«لبنان الرسالة»، مُقرّتَين صراحةً بأنّ لبنان وطن نهائي سيد حر مستقل لجميع أبنائه ضمن حدوده المعترف بها، وأن العروبة رابطة ثقافية ولغوية وحضارية جامعة، وليست مشروعًا سياسيًا شموليًا تذويبيًا، معتبرين العيش المشترك والديمقراطية التوافقية ثروة إنسانية فريدة وجبت حمايتها وتحديثها.

إستراتيجية التسلّل والولوج إلى حركة أمل

بدأت إرهاصات مشروع حزب الله بالتشكّل منذ عام 1975 عبر قرار حركي اتّخذه حزب الدعوة الإسلامية العراقي باختراق بنية حركة «أمل» (أفواج المقاومة اللبنانية) الوليدة. استخدم حزب الدعوة الأسلوب التروتسكي الشهير بـ«الدخولية» (Entrisme)، عازمًا على توجيه حركة أمل الجماهيرية الصاعدة وإدارتها من الداخل. تأثّرت الكوادر القيادية لحزب الدعوة تنظيميًا بالبنى الحزبية الصارمة، على نموذج البلشفية والفاشية، لا سيّما وأنّ بعض مؤسّسيه الأوائل جاؤوا من خلفيات حزب التحرير أو جماعة الإخوان المسلمين. ومع اشتداد ضربات نظام صدام حسين ضدّ حزب الدعوة في العراق، عاد كبار كوادره اللبنانيين (أمثال الشيخ صبحي الطفيلي، السيد علي الأمين، الشيخ علي الكوراني، الشيخ حسين الكوراني، الشيخ حسن ملك، والسيد عباس الموسوي) إلى لبنان ليلتقوا مع الجيل المنضوي تحت لواء «الاتّحاد اللبناني للطلبة المسلمين» بإشراف السيد محمد حسين فضل الله (ومنهم نعيم قاسم ومحمود قماطي، ومحمد رعد).

الاجتياح الإسرائيلي (1982) ومأسسة الوجود الإيراني بالبقاع

أحدث الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 زلزالاً سياسيًا أدّى إلى انهيار مؤسّسات الدولة وحالة الشلل الكلّي في عصب حركة أمل. وفي حزيران 1982، وتزامنًا مع قبول نبيه بري الانضمام إلى «هيئة الإنقاذ الوطني» والجلوس مع بشير الجميل، أعلن السيد حسين الموسوي انشقاقه وتأسيس حركة «أمل الإسلامية» في البقاع. شكّلت منطقة البقاع حينذاك الملاذ الأيديولوجي والجغرافي الأمثل لوفود قوات «الحرس الثوري الإيراني» (الباسداران)—وتحديداً «فوج القدس»—التي احتلت ثكنة «الشيخ عبد الله» العسكرية في بعلبك. وبين عامي 1982 و1985، قاد الباسداران مسارًا منظّمًا لدمج المجموعات المنشقة (أمل الإسلامية، خلايا حزب الدعوة المنحل عام 1981، اللجان الإسلامية، المجموعات الموالية لفتح والمنخرطة في الثورة الفلسطينية) تحت مسمّى معسكر «عشاق الشهادة». جرى تأطير آلاف الشباب عسكريًا وعقائديًا، وبُنيت منظومة إعلامية وتعبوية متكاملة (إذاعة، صحيفة، حوزات دينية) رعتها دولة نفطية ذات موارد هائلة استبدلت الأيديولوجيا اليسارية والفلسطينية السابقة بأيديولوجيا دينية تعبوية تلامس الوجدان الشعبي. وتوّج هذا المسار بالإعلان الرسمي عن ولادة «حزب الله» في 16 شباط 1985 عبر وثيقته الشهيرة الموجّهة للمستضعفين والمتمسّكة بإلغاء الكيان اللبناني ودمجه بالدولة الإسلامية الكبرى الممهِّدة للمهدي.

اتّفاق دمشق والانتقال الإستراتيجي للمشاركة السياسية

شهد عام 1991 منعطفًا حاسمًا في استراتيجية الحزب السياسية ، جاء في سياق متغيّرات دولية عاصفة أبرزها: حرب الخليج الثانية (2 آب 1990 -  28 شباط 1991)، مؤتمر مدريد للسلام (30 تشرين الأوّل - 1 تشرين الثاني 1991)، وانهيار الاتّحاد السوفيتي (رسميًا في 26 كانون الأول 1991). ساهم هذا المناخ في الضغط على حركتَي أمل وحزب الله لإنهاء الحرب الأهلية الدامية ووقف القتال الذي كان اندلع بينهما منذ آذار 1988، وإلى إبرام «اتّفاق دمشق الثاني» (9 تشرين الثاني 1990) برعاية إيرانية-سورية مباشرة (قادها وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي والرئيس السوري حافظ الأسد). قضى الاتّفاق بإدماج حزب الله في النظام البرلماني والسياسي اللبناني والمشاركة في انتخابات 1992 البرلمانية، مقابل منح الحزب حصرية وامتياز قيادة المقاومة المسلّحة في الجنوب وحظر أي نشاط مسلّح خارج إطاره. نتج عن هذا التحوّل إقصاء الشيخ صبحي الطفيلي عن رئاسته للحزب، وبقرار مباشر من الولي الفقيه علي خامنئي، لتبدأ مرحلة تعزيز نفوذ الحزب وقدرته على التعطيل أو التوجيه داخل بنية النظام اللبناني والمؤسّسات الطائفية.

طبيعة العلاقة العضوية مع الولي الفقيه

تتجاوز علاقة حزب الله بالجمهورية الإسلامية الإيرانية أنماط التحالفات السياسية التقليدية لتّتخذ بعدًا هيكليًا ووجوديًا. يتأسّس الحزب اعتقاديًا وبنيويًا على فكرة أنّه «حزب الثورة الإسلامية في لبنان»، وأنّه ليس سوى لواء عسكري أو كتيبة عاملة ضمن تشكيلات «جيش القدس العالمي» الممتدّ. يخضع الحزب إداريًا وسياسيًا وتكتيكيًا لسلطة وأوامر الولي الفقيه المطلقة، باعتباره القائد الأعلى والحاكم السياسي الكلّي الذي يملك دون غيره الصلاحية الحصرية لإنشاء الكيانات والحركات في العالم العربي والإسلامي (كما جرى في الحجاز والكويت واليمن). وتثبت أدبيات الحزب وخطابات قادته (حسن نصر الله، ونعيم قاسم في كتابه الصادر عام 2003) هذه الطاعة المطلقة للولي الفقيه الذي يتربّع على رأس هيكل سياسي ودولَتي يدير مصالح الدولة الإيرانية القومية، بمعزل عن مواقف الغالبية العظمى من فقهاء ومراجع الشيعة التقليديين الذين يفصلون المرجعية الدينية عن الهيمنة السياسية والإدارية لنظام أو سلطة مهما كانت.

مفهوم الساحة مقابل مفهوم الوطن

ينعكس الالتزام الأيديولوجي الشمولي بالمركز الإيراني على التعريف المعرفي للوطن والجغرافيا. يسقط حزب الله من أدبياته الفكرية العميقة مفاهيم «الوطن النهائي، الكيان المستقل، أو الأمّة الوطنية الدستورية». ويُستبدل ذلك بمصطلح «الساحة». فالكيان اللبناني في هذا المنظور ليس غاية في ذاته ولا يملك خصوصية بنيوية دائمية، بل هو «ساحة مواجهة متقدّمة» وفضاء جغرافي تكتيكي يُدار لصالح المعركة الكبرى للمركز الإسلامي في طهران ضدّ الغرب وإسرائيل. لا يحتاج حزب الله، استراتيجياً، لإقامة دولة إسلامية خاصّة في لبنان لأن الدولة الإسلامية المركزية قد قامت بالفعل وتجسّدت في إيران. وما الكيانات الأخرى إلّا هوامش وتفاصيل تدور في فلك هذا المركز لحمايته والدفاع عن مساراته الإقليمية واستخدامه كورقة ضغط تفاوضية.

الصعود المهدوي الحركي وأخطاره الفكرية والسياسية

بلغ استقطاب العقيدة مداه الخطير مع صعود النزعة الفكرية «المهدوية الحركية» بالتزامن مع وصول محمود أحمدي نجاد لسدة الرئاسة الإيرانية في حزيران 2005، وتأثّره بالمرجعية الروحية لآية الله مصباح يزدي. يتأسّس هذا التيار العقائدي على افتراض خطير مفاده أنّ الحكومة القائمة والحروب التي تخوضها الأذرع العسكرية في المنطقة هي تمهيد مباشر ومادّي لظهور الإمام المهدي وعلامة على اقتراب المواجهة العالمية النهائية. ولا نحتاج للتذكير بالأخطار التاريخية الكارثية الكامنة في هذا المنحى العقائدي، والتي يحملها الولي الفقيه الجديد مجتبى خامنئي الذي كان ضمن حلقة مصباح يزدي وكان هو مهندس وصول أحمدي نجاد للحكم في 2005 ثم في فرض إعادة انتخابه عام 2009 في عملية تزوير معروفة.

ولا بدّ أيضًا من التذكير بنتائج الأزمات الفكرية والعقيدية التي عرفها الشيعة الفرس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما انزلقت بعض النخب نحو إنتاج مهدوية نشورية، تمثّلت في «البابية» (ادّعاء النيابة والباب للمهدي) التي ولدت منها لاحقًا «البهائية» كدعوى للحلول والاتحاد الإلهي. هذا الغلو المهدوي الحركي قوّض سابقًا و يمكن أن يقوض راهنًا ركائز المذهب الشيعي التقليدي. كما أن هذا الطرح يختزل شعوب المنطقة ويحوّل الطائفة الشيعية اللبنانية برمّتها إلى «كبش فداء» ووقود عسكري في صراعات التسويات الدولية (الإيرانية-الأمريكية اليوم، والسورية-الإسرائيلية أمس)، مستخدمًا فائض القوّة لفرض الاستبداد الديني الفاشي وإلغاء التعدّدية السياسية الوطنية وعرقلة الاندماج والوفاق الدستوري اللبناني.

مرجعية النجف الحالية (السيد علي السيستاني)

يمثّل المرجع الأعلى الحالي في النجف الأشرف، آية الله العظمى السيد علي السيستاني، الامتداد الفقهي والمؤسّسي الأبرز للمدرسة النجفية التقليدية القائمة على صيانة استقلالية المؤسّسة الدينية ورفض مقولات الاستبداد الثيوقراطي الحركي. يتبلور موقفه الفقهي والسياسي من خلال السجال والتباين التام مع أطروحة «ولاية الفقيه المطلقة» المطبّقة في إيران، وذلك عبر ركائز أساسية تكشف عنها رسائله العملية ومواقفه التاريخية في العراق بعد عام 2003:

الموقف الفقهي من حدود ولاية الفقيه 

يرفض السيد السيستاني صراحةً الأدلّة الروائية والعقلية التي ساقها أحمد النراقي والخميني لإثبات الولاية السياسية المطلقة (الرئاسة العامة للحكم) للفقيه الحاكم، مسقطًا حجّية روايات مثل «مقبولة عمر بن حنظلة» أو «معتبرة أبي خديجة» في شأن الإدارة السياسية العليا للبلاد، معتبرًا إيّاها إمّا ضعيفة السند وإمّا قاصرة الدلالة. وتقتصر الولاية عنده على ثلاثة مجالات رئيسة: الفتوى، والقضاء، وولاية الأمور الحِسبية بصيغتها الواسعة لحفظ النظام العام، وحماية الأرواح، وصيانة بيضة الإسلام عند اختلال السلطة العامة. أمّا في الشؤون العامة الكبرى التي يتوقف عليها نظام المجتمع، فيشترط السيستاني ثبوتها للفقيه بظروف إعمال صارمة أبرزها المقبولية العامة لدى عامّة المؤمنين والشعب، ممّا ينقل الشرعية السياسية من التفويض الإلهي العمودي إلى الاختيار الشعبي الأفقي المباشر.

تأصيل مفهوم «الدولة المدنية والمواطنة» 

رغم تحاشي السيد السيستاني استخدام مصطلح «الدولة المدنية» بحذافيره في نصوصه الفقهية الصرفة لتجنّب اللبس المفاهيمي، إلّا أنّ تنظيراته وسياق مواقفه العملية عقب سقوط النظام العراقي عام 2003 كرّس ما يمكن تسميته بـ«الدولة المدنية الدستورية القائمة على المواطنة». حسم السيستاني التناقض الجوهري الذي تعاني منه ثيوقراطية ولاية الفقيه الإيرانية (التي تختزل الفرد في كونه «مكلّفًا بالواجب الشرعي» الذي يحدّده الحاكم المطلق)، منحازًا بالكامل إلى مفهوم «المواطن الذي يملك الحق والحرية في الاختيار السياسي الدستوري». وظهر ذلك جليًا في إصراره التاريخي أمام سلطات الاحتلال الأميركي على صياغة الدستور العراقي بأيدٍ وطنية منتخَبة وإجراء انتخابات عامة مباشرة، رافضًا قيام أي حكومة دينية تعيّن المجتهدين حكّامًا مطلقين فوق القانون الدستوري.

مقاربة الفصل بين الدين والسياسة وحظر الاستغلال الحزبي 

يسير السيستاني على خطى أستاذه السيد الخوئي والمرجع السيد محسن الحكيم في حظر انخراط المرجعية والمؤسّسة الدينية المباشر في تفاصيل العمل الحزبي والسياسي السلطوي، معتبرًا أنّ إقحام عمامة الدين في دهاليز الفساد التنفيذي والسياسي يضر بقدسية المذهب وجوهره الإنساني. وتتجلّى نزعته الدستورية المدنية في تأكيده المستمر على «حصر السلاح بيد الدولة الدستورية» وإلزام المجموعات السياسية الشيعية بالخضوع للقوانين الوطنية، معتبرًا الفتاوى الدفاعية (كفتوى الجهاد الكفائي الشهيرة ضدّ تنظيم داعش عام 2014) تدبيرًا حِسبيًا استثنائيًا مؤقّتًا لحفظ النظام العام وحماية كيان الأمّة بأسرها (بمكوّناتها السنّية والشيعية والمسيحية والإيزيدية، العربية والكردية)، وليس تأسيسًا لمليشيات أو جيوش أيديولوجية عقائدية موازية تدور في فلك عواصم إقليمية.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
غزّة تشيّع رفات 100 شهيد أمضوا سنوات تحت الرُكام
دراسة

الفكر السياسي الشيعي وتحوّلاته المعاصرة 

سعود المولى
إسرائيل تدمّر مستشفى غندور في النبطية الفوقا
قيل هذا الأسبوع: 31 آب - 6 أيلول
الاحتلال يصعّد: يُنذر مبنىً ويستهدف آخر وسقوط 4 شهداء
حدث اليوم - السبت 5 أيلول 2026
05-09-2026
أخبار
حدث اليوم - السبت 5 أيلول 2026