يشهد العراق هذه الأيام لحظة مفصلية تتقاطع فيها ملفات محلية بالغة الحساسية، من مكافحة الفساد إلى حصر السلاح، مع ملفات خارجية معقّدة، أبرزها العلاقة مع واشنطن والتوازنات الإقليمية مع إيران وتركيا. وفي موازاة ذلك، يعيش إقليم كردستان انسداداً سياسياً داخلياً غير مسبوق، تتشابك خيوطه مع الحملة الاتحادية لمكافحة الفساد، ومع ملف نزع سلاح الفصائل، ومع علاقة أربيل المعقّدة والحذِرة مع الجارة الإيرانية.
يحاول هذا المقال جمع هذه الخيوط المتفرّقة في نسيج واحد متسلسل، يبدأ بالمشهد الداخلي العراقي، وينتقل إلى الشأن الكردستاني الداخلي، ثم إلى العلاقة الكردية- الإيرانية بأبعادها التاريخية والراهنة، وينتهي بتداعيات تراجع النفوذ الإيراني على الإقليم الأوسع.
المشهد العراقي الداخلي: بين مكافحة الفساد وحصر السلاح
1. التوازن الخارجي ومعادلة واشنطن المالية
ترتبط خيوط المشهد الداخلي العراقي بملف العلاقات مع الولايات المتحدة وإدارة الرئيس دونالد ترامب. وقد شكّلت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، التي انطلقت في 13 تموز 2026 بناءً على دعوة نقلها المبعوث الأميركي الخاص توم باراك، محطةً بارزة في هذا الملف. فقد التقى الزيدي باراك في مستهلّ زيارته، قبل أن يستقبله الرئيس ترامب في البيت الأبيض يوم 14 تموز، لتختتم الزيارة بعد خمسة أيام بما وُصف بأنه من أنجح زيارات رؤساء الحكومات العراقية إلى واشنطن منذ عام 2003.
وقد سعت بغداد من خلال هذه الزيارة إلى تفكيك عقدة أموالها المحجوزة لدى الولايات المتحدة ككفالات مالية، والبالغة نحو 30 مليار دولار— وهو مبلغ يكفي نظرياً لتغطية رواتب الموظفين لمدة 4 إلى 5 أشهر. وقد أثمرت الزيارة عن نتائج ملموسة على أكثر من صعيد: فعلى الصعيد الاقتصادي، وُقّعت 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع شركات أميركية كبرى شملت قطاعات النفط والطاقة والتكنولوجيا والصناعة والمال؛ وعلى الصعيد الأمني، تمّ الاتفاق على صيغة جديدة للتعاون تركز على التدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية، بما يعيد تنظيم العلاقة الأمنية والعسكرية بين البلدين.
غير أنّ هذا التقارب لم يأتِ من دون ثمن سياسي داخلي، إذ يبقى إطلاق الأموال المجمّدة بالكامل مرهوناً بملفات حسّاسة، أبرزها اشتراط واشنطن إظهار خطوات ملموسة لإبعاد الفصائل المسلحة عن المؤسسات الحساسة— وهو ما يفسر التزامن بين مهلة نزع السلاح المقرّرة في أيلول وحرص بغداد على حشد الدعم السياسي والمالي من واشنطن. وبالفعل، أثارت مخرجات الزيارة استياءً إيرانياً وفصائلياً واضحاً، وسط مخاوف من أن يُترجم هذا الاحتقان إلى عرقلة فعلية لعمل الحكومة في الأشهر القادمة، في مؤشر على أن الملف الأميركي بات جزءاً لا يتجزأ من معادلة الصراع الداخلي على شكل الدولة العراقية. وعلى صعيد دول الجوار (إيران والسعودية وتركيا)، يرى مراقبون أن نجاح الحملات الإصلاحية الداخلية قد يمنح العراق فرصةً للتحوّل من ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وضغوط مضيق هرمز، إلى نقطة توازن قائمة على مشاريع اقتصادية مثل «طريق التنمية» ورؤى تنويع مصادر الدخل.
2. حصر السلاح بيد الدولة: مهلة 30 أيلول
يمثّل ملف حصر السلاح بيد الدولة الاختبار الأمني الأكثر حساسية أمام الحكومة العراقية. وقد وضعت لجنة حصر السلاح موعداً نهائياً هو 30 أيلول 2026 لتسليم سلاح الفصائل وحصره بيد الدولة، محذرة من إجراءات عسكرية وقانونية صارمة بحق المخالفين. ويحمل هذا التوقيت بعداً استراتيجياً مقصوداً، إذ يتزامن مع الموعد المقرر لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق بالكامل، مما يسحب الذريعة الرئيسية التي كانت تتمسك بها بعض الفصائل لتبرير احتفاظها بسلاحها. وقد أفرز هذا القرار انقساماً واضحاً بين الفصائل المسلحة:
- فصائل مستجيبة: أعلنت قوى بارزة مثل «سرايا السلام» (التيار الصدري)، و«عصائب أهل الحق»، و«كتائب الإمام علي»، البدء الفعلي بتسليم سلاحها لدمجه رسمياً ضمن المنظومة الأمنية تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة.
- فصائل ممانعة: رفضت فصائل أخرى متنفذة، مثل «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«كتائب سيد الشهداء»، التخلي عن ترسانتها، رابطةً موقفها هذا بالوجود العسكري الأميركي المستمر في بعض قواعد شمال العراق.
- سلاح العشائر: لم تقتصر خطة حصر السلاح على الفصائل الحزبية، إذ أكد رئيس الوزراء شمول «سلاح العشائر غير المنضبط» ضمن الخطة لإنهاء النزاعات المسلحة في جنوب البلاد. ويحظى هذا المسار بدعم مباشر من رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، الذي يوفر الغطاء القانوني للمداهمات انطلاقاً من مبدأ أن احتكار الدولة للقوة هو أساس قيامها.
3. خلاصة المشهد العراقي: مسار الدولة بين خيارين
يكشف المشهد العراقي عن معضلة تاريخية متكررة: أزمة الشرعية السياسية لطبقة تشكلت ثرواتها عبر ريع الدولة والمحاصصة. ولم تعد المعركة، بحسب هذه القراءة، تدور حول «من يحكم بغداد أو أربيل»، بل حول «طبيعة الدولة» التي يجري بناؤها للمستقبل. فالترابط الوثيق بين ملفات مكافحة الفساد (كحملة «صولة الفجر») وتحديد سقف زمني لإنهاء السلاح الموازي، وإعادة صياغة الشراكة الاقتصادية مع واشنطن، يضع البلاد أمام مسارَيْن:
- مسار النجاح: بدعم من القضاء والشارع والتيار الصدري، لكسر قواعد المحاصصة وبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون وحماية بيئة الاستثمار.
- مسار الارتداد: أن ترتدّ قوى «الدولة العميقة» المتضرّرة من هذه الإصلاحات، لتُدخل البلاد مجدّداً في دوامة التوازنات التقليدية والشلل التشريعي والمالي الذي عطّل مشاريع الإصلاح لعقود.
المشهد الكردستاني الداخلي: انسداد سياسي وارتدادات فساد
1. زلزال «الخميس الحاسم» وانقلاب الأغلبية الرقمية
يعيش إقليم كردستان انسداداً سياسياً حرجاً منذ انتخاباته البرلمانية في تشرين الأول 2024، بسبب الخلاف على تقاسم السلطة وصلاحيات الرئاسات. ورغم بقاء الجلسة الأولى للبرلمان مفتوحة منذ كانون الأول 2024، أدّى الإعلان عن تحالف رباعي جديد إلى قلب موازين القوى وتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية للحزب الديمقراطي الكردستاني («البارتي»). يرتكز هذا التحالف الرباعي— الذي يضم الاتحاد الوطني الكردستاني («اليكتي»)، وحراك الجيل الجديد، وحركة التغيير، وحركة بابليون— على 42 مقعداً، متجاوزاً بذلك «البارتي» الذي يملك 39 مقعداً. وبناءً على هذه المعادلة الرقمية الجديدة، طالب رئيس حراك الجيل الجديد، شاسوار عبد الواحد، علناً بمنصب رئيس حكومة الإقليم. وقد تحوّل هذا الخلاف الرقمي إلى صدام مؤسساتي: يتحرك الاتحاد الوطني وحراك الجيل الجديد عبر رئيس السن، النائب محمد سلمان، لدعوة البرلمان للانعقاد وانتخاب هيئة الرئاسة، بينما يلوّح الحزب الديمقراطي بقيام رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني بحل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة، وسط تهديد القوى المقابلة برفع دعاوى قضائية ضد رئيس الإقليم بتهمة استغلال المنصب. ويرى محللون أن إقصاء الحزب الديمقراطي الكردستاني أمر صعب التحقيق عملياً، لكون الإقليم منقسماً جغرافياً وإدارياً بين إدارتين: أربيل ودهوك بيد الديمقراطي، والسليمانية وحلبجة بيد الاتحاد الوطني؛ إلا أنّ الإصرار على كسر الاحتكار السياسي التقليدي يهدّد بحدوث فجوة عميقة بين الطرفين.
2. أربيل في مرمى حملة «صولة الفجر»
بالتزامن مع هذا الانسداد السياسي، أحدثت حملة «صولة الفجر» الاتحادية لمكافحة الفساد ارتدادات واسعة داخل الفضاء الكردي، تتفاعل عبر مسارَيْن رئيسيَّيْن:
أ. المواقف السياسية الكردية تجاه الحملة:
- الحزب الديمقراطي الكردستاني: يطالب رسمياً بمدّ إجراءات الحملة لتشمل كافة المحافظات العراقية، وعدم حصرها في بغداد وحدها.
- الاتحاد الوطني الكردستاني: أبدى دعماً كاملاً للحملة، معلناً استعداده لتسليم أي مسؤول تابع له في حال ثبوت ملفات فساد ضده في بغداد.
- أحزاب المعارضة الكردية (تيار الموقف، الاتحاد الإسلامي، جماعة العدل): تنظر إلى الحملة كمنعطف تاريخي، وتطالب بكسر الحصانة الحزبية عن الإقليم، إذ ترى أن أربيل تحوّلت إلى «حاضنة» لبعض الفاسدين.
ب. الملفات البنيوية المستهدَفة بالتطهير المالي:
- الملف النفطي وعقود الظل: ملاحقة تحكّم عائلي بنشاط الطاقة، وشركات موازية يُقدَّر عددها بما لا يقلّ عن 35 شركة ومؤسسة وقناة فضائية، تُدار بأموال الإقليم وعقاراته الخارجية.
- ملف «الفضائيين»: مراجعة كشوفات الرواتب لإنهاء ظاهرة وجود أكثر من 200 ألف شخص وهميّ يتقاضون مخصصات مالية دون وجود فعلي.
- السيطرة على المعابر والمنافذ: إنهاء تغوّل النفوذ الحزبي والعائلي على المطارات والجمارك والضرائب وعمليات التهريب، وتفكيك التبعية التي تعاني منها المؤسسات الرقابية المحلية.
وفي خطوة تعكس التنسيق الأمني والغطاء الدولي، أبدت سلطات أربيل مرونة غير معتادة بتسليم مطلوبين بارزين للقضاء الاتحادي، من بينهم زياد الجنابي وأشواق الجبوري ومحمد جميل المياحي. ويعزو مراقبون هذا الامتثال إلى خشية حكومة الإقليم من خسارة الدعم الأميركي، في وقت تؤيد فيه واشنطن خطوات الزيدي لاسترداد الأموال ورفد الموازنة العامة.
العلاقة الكرديّة- الإيرانية: حياد وجودي لا موقف سياسي عابر
1. رفض أربيل استخدام أراضيها منصّةً ضدّ إيران
رغم محاولات وضغوط خارجية لتشجيع قوى المعارضة الكردية الإيرانية على التسلل عبر أراضي الإقليم إلى داخل إيران، أعلنت أربيل بوضوح رفضها استخدام أراضي الإقليم منطلقاً لأيّ هجوم ضد إيران. هذا الموقف ليس جديداً أو طارئاً، بل امتداد لسياسة ثابتة تحكمها اعتبارات أمنية واقتصادية عميقة، تجعل من «الحياد» خياراً وجودياً بالنسبة لأربيل أكثر من كونه موقفاً سياسياً عابراً. في المقابل، تتعامل طهران مع هذا الملف بمنطق «الشك المستمر المقترن بالضغط الاستباقي» لا «الثقة الكاملة». ففي آذار 2026، نفذت ضربات مكثّفة استهدفت مجموعات معارضة كردية إيرانية في محافظتي أربيل والسليمانية، إضافة إلى استهداف مقر اللواء 11 في قوات البشمركة قرب أربيل— وهو ما يعكس تعامل طهران مع أراضي الإقليم كساحة تهديد محتملة، بصرف النظر عن التطمينات السياسية الرسمية الصادرة عن أربيل. ويستند موقف أربيل إلى إطار قانوني قائم فعلاً: ففي عام 2023، وقّعت بغداد وطهران اتفاقية أمنية لضبط الحدود المشتركة ومنع استخدام الأراضي العراقية لشنّ هجمات ضد إيران، تضمّنت نقل مقار الفصائل الكردية الإيرانية المسلحة لمسافة لا تقل عن 80 كيلومتراً عن الحدود، وتجريدها من الأسلحة الثقيلة.
2. لماذا يمثّل الحياد ضرورةً وجوديّةً للإقليم؟
بمنطق براغماتي، هناك عدة عوامل تجعل الانحياز لأيّ طرف يرتّب كلفةً باهظة على الإقليم:
- الجغرافيا والاعتماد الاقتصادي المتبادل: إيران شريك تجاري وحدودي رئيسي للإقليم في مجالات الكهرباء والغاز والسلع الاستهلاكية والمعابر الحدودية، وأيّ توتّر مفتوح يهدّد هذا الشريان مباشرة.
- الانقسام الداخلي الكردي: يتباين الحزبان الرئيسيان في الإقليم (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني) تاريخياً في علاقتهما مع طهران، ما يجعل أيّ انحياز حادّ مصدر توتر داخلي إضافي.
- هشاشة الموقع الجغرافي: كون الإقليم محاطاً بجيران أقوى (إيران وتركيا وبغداد المركزية)، ومن دون منفذ بحري، يجعل من «عدم استفزاز أيّ جار» شرط بقاء لا مجرد تكتيك دبلوماسي. لذلك، يرجَّح أن تستمر العلاقة الكردية-الإيرانية في نمط «توتّر مُدار»، لا في مواجهة مفتوحة ولا في تقارب حقيقي.
3 . الإرث التاريخي: أزمة ثقة عميقة الجذور
يبقى الإرث التاريخي المثقل بأحداث دامية حاضراً بقوة في تشكيل هذه العلاقة. فاغتيال عبد الرحمن قاسملو وفاضل رسول في فيينا عام 1989 أثناء مفاوضات مباشرة مع ممثلي النظام الإيراني— والذي تلاه اغتيال خليفته صادق شرفكندي في برلين عام 1992— أرسى في الوعي الكردي قناعة راسخة بأن طاولة الحوار نفسها يمكن أن تكون فخاً أمنياً. وهذا الإرث لا يزال يُستحضر حتى اليوم كسبب جوهري لانعدام الثقة، ويجعل أي دعوة لحوار جديد تصطدم بسؤال مشروع: من يضمن ألا يتكرر السيناريو نفسه؟ وتشير معطيات حديثة إلى أن طهران، حتى في أضعف لحظاتها، لا تزال تتعامل مع الملف الكردي بمقاربة أمنية صرفة لا سياسية:
- اتجهت الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة نفسها مؤخراً نحو التصعيد لا التفاوض. ففي 22 شباط 2026، أعلنت خمس قوى كردية إيرانية معارضة توحدها في «ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران»، مستفيدة من سياق التوتر مع إسرائيل وأميركا، وهو ما يعكس أن الطرف الكردي رأى في الأزمة فرصة للضغط لا مدخلاً للحوار.
- بقي الردّ الإيراني أمنياً بحتاً، عبر استمرار الضربات الصاروخية والمسيّرة على معسكرات هذه المعارضة في العمق العراقي.
- حتى تجربة إيران التاريخية مع الأكراد «الأصدقاء» لا المعارضين تكشف منطق الأداة لا الشراكة: فقد نجح الحرس الثوري الإيراني منذ الثمانينيات بالتقارب مع جناح داخل حزب العمال الكردستاني التركي، واستخدمه ورقة ضغط ضد أنقرة، لكن العلاقة تدهورت عام 2004 بعد تأسيس الجناح الإيراني «بژاك» الذي خاض معارك ضد الحرس الثوري نفسه، فقصفت إيران مواقعه في جبال قنديل.
4. لماذا الحوار السياسي أصعب على إيران من تركيا؟
تجدر الإشارة إلى أن استحضار التجربة التركية كنموذج يحتاج تدقيقاً. فالمسار التركي نفسه ليس قصة نجاح مكتملة: إذ ترفض كل من أنقرة وحزب العمال الكردستاني الإقدام على الخطوة التالية في عملية السلام، ما عطّل الجهود الرامية لإنهاء الصراع المستمر منذ أربعة عقود. أي أن «استلهام التجربة التركية» يعني استلهام مسار طويل ومتعثر، لا وصفة سريعة. أما سبب كون الحوار السياسي أصعب على إيران تحديداً، فيعود إلى فوارق بنيوية مهمة:
- الشرعية الأيديولوجية: تقوم شرعية النظام الإيراني جزئياً على مركزية «ولاية الفقيه» الدينية، وهذا يجعل الاعتراف بحقوق قومية- ثقافية متمايزة أكثر حساسية أيديولوجياً مما هو الحال في الجمهورية التركية العلمانية- القومية، رغم تعقيداتها الخاصة.
- مرحلة انتقال قيادي حساسة: تمرّ إيران حالياً بمرحلة انتقال قيادي دقيقة، بعد رحيل المرشد علي خامنئي وتولّي نجله مجتبى قيادةً لم تُختبر بعد— وهو سياق لا يشجع الأنظمة تاريخياً على مبادرات انفتاح كبرى، بل على تشديد القبضة الأمنية خشية أن يُفسَّر أي انفتاح كضعف في لحظة هشة.
- الاحتجاجات الداخلية: تجعل الاحتجاجات الإيرانية الواسعة المستمرة أي نقاش عن «حقوق قومية» مرتبطاً في أذهان الحرس الثوري بمخاوف من تفكك أوسع للدولة، لا بمسار إصلاحي محدود. وفي هذا السياق، هناك تياران متقابلان داخل إيران: تيار يرى أن استمرار المقاربة الأمنية أثبت فشله لثمانية عقود دون حل المسألة الكردية، وأن اللحظة الراهنة قد تكون فرصة نادرة لإعادة التفكير؛ وتيار آخر، وهو الموقف الفعلي للمؤسسة الأمنية الإيرانية حتى الآن، يرى أنّ أيّ انفتاح في لحظة ضعف سيُقرَأ كمكافأة للانتهازية السياسية في توقيت الحرب، وأن «الثقة» مع أطراف مسلحة ذات ارتباطات إقليمية متعدّدة مجازفة أمنية لا تحتملها طهران في وضعها الحالي. والواقع حتى تاريخ اليوم (تموز 2026) يميل بوضوح إلى الخيار الثاني، دون مؤشرات فعلية على مبادرة حوار إيرانية جادة.
5. حدود الدور الدبلوماسي لنيجيرفان بارزاني تجاه طهران
يُطرح تساؤل متكرر حول إمكانية أن يوظّف رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني شبكة علاقاته الدبلوماسية المتوازنة مع طهران— بما فيها إرث علاقته بالمرشد الراحل علي خامنئي والقيادة الجديدة— للعب دور الوسيط بين طهران والمعارضة الكردية الإيرانية. تؤكد المعطيات المتاحة وجود قناة تواصُل نشطة ومستمرّة بين بارزاني وطهران، عبر مختلف مراحل القيادة الإيرانية: لقاؤه في طهران مع الرئيس مسعود بزشكيان لبحث تعزيز العلاقات الثنائية والتبادل التجاري والاستقرار الأمني؛ حضوره مراسم تشييع المرشد الراحل علي خامنئي بدعوة رسمية من الرئيس بزشكيان؛ ولقاؤه رئيس البرلمان الإيراني قاليباف؛ ثمّ لقاؤه وزير الخارجية عراقجي في 3 تموز 2026 لبحث العلاقات الثنائية وسبل وقف التصعيد.
غير أن الفارق الجوهري هو أن كل هذه اللقاءات تدور حول ملفات العلاقة الثنائية (العراق- الإقليم- إيران، التجارة، الحدود)، من دون أيّ إشارة موثّقة إلى طرح ملف «الوساطة بين طهران والمعارضة الكردية الإيرانية المسلحة» تحديداً. وهذا يفرض التمييز بين نوعين مختلفين من الثقل الدبلوماسي لبارزاني:
- ثقله كـ«حَكَم إقليمي عراقي-كردي محايد» تجاه إيران: وهذا موجود وحقيقي، ويمنحه قدرة تأثير على ملفات الحدود والتجارة والاستقرار الأمني العام.
- ثقله كـ«وسيط بين طهران ومعارضة كردية إيرانية مسلحة»: وهذا دور مختلف جذرياً، إذ يضعه في موقع حساس للغاية، كون حكومة الإقليم نفسها تستضيف على أراضيها بعض فصائل هذه المعارضة، وأيّ محاولة وساطة رسمية منه ستُفهم في طهران كاعتراف ضمني بشرعية سياسية لهذه الفصائل، وهو أمر ترفضه إيران رفضاً قاطعاً، إذ تعاملها كـ«إرهاب» لا كطرف تفاوضي. وتضاف إلى ذلك عوائق بنيويّة أخرى: حساسية كون الإقليم نفسه حاضناً جغرافياً لهذه المعارضة، ما يضع بارزاني في موقف «الطرف لا الحكم»؛ وتفضيل إيران تاريخياً التعامل مع بغداد المركزية كضامن أمني في هذا الملف، لا مع أربيل مباشرة؛ وانقسام حكومة الإقليم داخلياً بين مقاربتين متباينتين تجاه إيران؛ إضافة إلى أن القرار الفعلي في الملف الكردي يعود لمؤسسة الحرس الثوري الأمنية أكثر من الدبلوماسية الرسمية الإيرانية.
خلاصة هذا المحور هو أنّ بارزاني يملك بالفعل رصيداً دبلوماسياً حقيقياً وقناة تواصل مفتوحة مع مختلف مستويات القيادة الإيرانية، لكن لا توجد حتى الآن مؤشرات فعلية على تحريك هذا الرصيد باتجاه وساطة سياسية مع المعارضة الكردية الإيرانية تحديداً؛ ما يجعل هذا السيناريو أقرب إلى إمكانية نظرية بعيدة المدى منه إلى مسار قيد التشكل فعلياً على الأرض.
تداعيات إقليمية أوسع: تراجع النفوذ الإيراني في المحور
تنعكس ديناميكيات الملف الكردي- الإيراني على سياق إقليمي أوسع يشهد تراجعاً ملموساً في مواقع النفوذ الإيراني التقليدية:
- العراق: يبدو تراجع النفوذ الإيراني في العراق أقرب إلى استجابة اضطرارية منه إلى خطة استباقية مدروسة. فقد أعلن مقتدى الصدر في 27 أيار 2026 انفصال «سرايا السلام» عن التشكيلات الحزبية والتحاقها بالدولة، وأيدت «عصائب أهل الحق» بقيادة قيس الخزعلي— رغم كونها من أبرز فصائل «الإطار التنسيقي» الموالي لإيران— حصر السلاح بيد الدولة، مبرِّرةً موقفها باستجابتها لدعوات المرجعية الدينية العليا. في المقابل، ظلّت «حركة النجباء» و«كتائب حزب الله»، المدرجتان على لوائح العقوبات الأميركية، رافضتين لنزع السلاح، ما يعني احتفاظ طهران بذراع صلبة أكثر ولاءً حتى مع خسارتها الغطاء الأوسع للحشد. وتبدو استراتيجية طهران هنا أقرب إلى «احتواء الخسارة» منها إلى «إعادة البناء»: تجنب المواجهة المباشرة مع الدولة العراقية خشية اقتتال شيعي داخلي، والاستثمار في الشرعية البرلمانية بدل السلاح الموازي، والاستفادة الاقتصادية من العراق كمنفذ مالي للالتفاف على العقوبات.
- لبنان: يدور نقاش حادّ حول ما إذا كان تراجع النفوذ الإيراني مدخلاً لتعافي لبنان، أم فراغاً يخلّ بتوازناته الداخلية. يرى فريق أنّ احتكار حزب الله لقرار الحرب والسلم عطّل بناء دولة ذات سيادة كاملة، وأنّ ضعف الغطاء الإيراني يفتح فرصةً لتطبيق «حصر السلاح بيد الدولة»، وأن مبدأ «ولاية الفقيه» نفسه أحدث قطيعة تاريخية داخل الوضع الشيعي اللبناني مع نهج الإمام موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، لتناقضه مع الوطنية والاجتماع المدني. ويرى فريق آخر أن حزب الله قوة اجتماعية عميقة الجذور في بيئتها الطائفية، وأن تفكك نفوذه المفاجئ دون بديل سياسي- اقتصادي قد ينتج فراغاً أمنياً أو طائفياً، خصوصاً مع استمرار الضغط الإسرائيلي وغياب اتفاق داخلي شامل حول شكل الدولة بعد «السلاح».
- سوريا: تحوّلت العلاقة بين طهران ودمشق الجديدة من «تحالف استراتيجي» إلى قطيعة معلنة مع محاولات تسلل جزئية. فقد وصف الرئيس السوري أحمد الشرع إيران بأنها كانت «رأس حربة» في صراع نظام الأسد ضد شعبه، بينما حذّر وزير خارجيته أسعد الشيباني إيران من «بث الفوضى» في سوريا. وتحاول طهران تعويض خسارة نفوذها الرسمي عبر أدوات «اللادولة»، مثل استغلال محاولات تنظيم داعش استعادة نشاطه، والاستفادة من علاقتها التاريخية بحزب العمال الكردستاني لموازنة النفوذ التركي المتصاعد. غير أن هذا النفوذ البديل يصطدم ببروز تركيا كقوة مهيمنة بديلة في سوريا، وبانفتاح أميركي متزايد على دمشق، ما يجعل «استعادة النفوذ المباشر» خياراً شبه مغلق عملياً، والأقرب أن تكتفي طهران بـ«إدارة خسارة» تحدّ من الأضرار.
يرسم هذا المشهد المركّب صورة عراق وإقليم كردستان يمرّان بلحظة إعادة تشكّل متزامنة على أكثر من مستوى: مكافحة فساد متجذّر، ومحاولة حصر السلاح بيد الدولة قبل موعد نهائي محدد، وإعادة تفاوض على الشراكة مع واشنطن، إلى جانب انسداد سياسي كردستاني داخلي غير مسبوق. وفي الخلفية، يستمر الملف الكردي- الإيراني في نمط «توتّر مُدار» تحكمه اعتبارات وجودية أكثر من كونها خيارات سياسية عابرة، وسط تراجع أوسع للنفوذ الإيراني التقليدي في العراق ولبنان وسوريا على حدّ سواء.
والمرجّح، بحسب هذه القراءة، أنّ الأسابيع والأشهر القادمة— وتحديداً مآلات الملفات القضائية، ونتائج القمة مع واشنطن، ومصير مهلة نزع السلاح في أيلول— ستكون حاسمة في تحديد أي المسارين سيسود: مسار بناء الدولة المؤسسية، أم ارتداد إلى التوازنات التقليدية القديمة.