قرار منع بيع الكحول
في 16 آذار 2026، أعلن محافظ دمشق ماهر الإدلبي، في ليلة عصماء، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، قراره منع بيع الكحول بشتى أنواعها في ما سمّاه «كافة مطاعم وملاهي مدينة دمشق». وحدّد متكرمًا ثلاثة أحياء في العاصمة، وهي باب توما وباب شرقي والقصاع، سُمِح فيها لمن لديه رخصة بيع مشروبات روحية ببيع زجاجات الكحول المختومة مع التعهّد بعدم تقديمها بالأقداح داخل المحل، أي بيعها فقط للاستهلاك المنزلي خارج المحل. وأشار نص القرار إلى موافقة أعضاء المكتب التنفيذي بالإجماع على بنوده.
لم يهبط هذا القرار فجأة من السماء، بل سبقه على مدى عام كامل من حكم هيئة تحرير الشام والفصائل الإسلامية المتحالفة معها للدولة السورية، العديد من الممارسات الجائرة التي تتناول الحريات الفردية وتخص مواضيع الملبس والمأكل والاختلاط ومكانة المرأة في المجال العام. من بين هذه الممارسات:
منع الاختلاط في باحة الجامع الأموي، الأمر الذي لم يطبق على مدى ثلاثة عشر قرناً وأصبح ساريًا اليوم في عهد هيئة تحرير الشام، وإلغاء الاختلاط في المدارس الرسمية، والتضييق على الاختلاط في وسائل النقل العام لا سيما في محافظة ادلب، والتضييق على أي فتاة سافرة ومنعها، لا بقوة القانون ولكن بقوة الزجر والتهديد، من ارتياد الفضاء العام سافرة في محافظة ادلب، ومنع لباس البحر للنساء على الشواطئ في بعض المحافظات الساحلية، ومنع الموظفات من وضع المكياج او التضييق على محلات بيع واستهلاك المشروبات الروحية ومحاصرتها بالقرارات الاعتباطية بخصوص الرخص وصلاحيتها وشروط تجديدها، ومنع أي مواطن سوري أو أجنبي من ادخال او اخراج أي زجاجة كحول في المنافذ الجوية والبرية والبحرية السورية، حتى لو كانت هذه الزجاجات مصنعة في سورية ومعدة للتصدير.
يبقى أن قرار محافظ دمشق هو الأول من نوعه لجهة صدوره ممهوراً بتوقيع جهة رسمية ووضوح نصه في منع تقديم المشروبات الكحولية في كافة أحياء مدينة دمشق باستثناء الأحياء الثلاثة.
الاستثناء الخطير
ما فات السيد المحافظ، ابن مدينة قطنا وعديل الرئيس أحمد الشرع، ومستشاريه في مجلس المحافظة، الذين على ما يبدو لا يفقهون شيئا من تاريخ المدينة، أن هذا القرار المتهور، سواء لجهة منعه بيع الكحول في كل مطاعم العاصمة أو لجهة تقييده بيع زجاجات الكحول المختومة في ثلاثة أحياء مسيحية في قلب المدينة القديمة، ينمّ عن جهل عميق بالتاريخ الاجتماعي والسياسي الحديث لمدينة دمشق، وهو يتجرأ ويوصم جغرافيا واجتماعيا ثلاثة أحياء في قلب المدينة القديمة وفي قلب تاريخ سوريا الحديث كمكان مخصص فقط لبيع المشروبات الروحية بمعزل عن بقية أحياء عاصمة الدولة السورية.
تُرى ألم ينتبه أحد من جهابذة المحافظة، أن هذه الأحياء الثلاثة التي يريدون تخصيصها جغرافياً فقط لبيع الكحول، تضمّ كراسي ثلاث بطريركيات لأنطاكية وسائر المشرق للمسيحيين المشرقيين وتضم عشرات المطرانيات لبقية الطوائف المسيحية وعشرات المدارس والإرساليات، كما تضم كنيسة حنانيا وباب كيسان الذي نزل من على سوره بولس الرسول لينشر المسيحية في أوروبا والعالم؟
تُرى ألم يهمس أحد في إذن المحافظ ومستشاريه أن هذه الأحياء التي خصصها بالاسم لبيع المشروبات الكحولية، هي ذاتها لا غيرها، التي شهدت في العام 1860 مجازر مروعة، ارتُكبت تحت حجج واتهامات واهية تخص قضايا السلوك في المجال العام، وقد قتل في هذه المجازر الطائفية آلاف المسيحيين الدمشقيين ودمرت معظم هذه الأحياء وهُجّر سكانها ونُكبت المدينة في أسس وجودها وتعايشها المشترك.
تُرى ألم يعلم المحافظ ومستشاروه، قبل أن يقرّروا فصل هذه الأحياء عن بقية المدينة ووصمها ببيع الكحول، حجم الجهود الشاقة والامكانيات الهائلة والتعويضات الكبيرة التي وُظِّفت ودُفعت من أعيان المدينة في نهاية عهد الإمبراطورية العثمانية، من أجل إعادة تأهيل واعمار هذه الأحياء والسماح لأهاليها بالعودة للعيش داخلها والاندماج مجددا في نسيج المدينة الديني والاجتماعي والتجاري والسياسي، ومنع الدول الكبرى من استخدام مسألة حماية الأقليات للتدخل في الشؤون الداخلية للبلد؟ وقد تحققت هذه العودة تدريجيا مع بداية عصر النهضة في سوريا ولبنان والتي ساهم فيها المسيحيون العرب بشكل فاعل، وتكرّست مع ولادة الدولة السورية الأولى في العام 1920 ودستورها الذي أسس لمفهوم المواطنة والدولة المدنية، وصولاً لنيل الاستقلال التام وولادة الجمهورية السورية في العام 1946.
زيارة المسجد بعد توضيح القرار
طبعاً أثار هذا القرار الخنفشاري الكثير من الاعتراضات والاعتصامات، مما اضطر المحافظة إلى إصدار توضيح لم يوقعه المحافظ شخصياً على عكس القرار السابق. وفيه تعتذر المحافظة لأهالي هذه الأحياء الثلاثة وتعد بإعادة النظر بتخصيصها الجغرافي فيه من دون ان تتراجع عن مضمونه.
أما المحافظ نفسه، فلم يجد غداة إصدار القرار أفضل من زيارة مسجد تنكز في قلب العاصمة للصلاة والاجتماع بالشيخ عبد الرزاق المهدي (أبو عبد الرحمن الشامي) وأخذ صور الى جانبه. وهذا الشيخ هو أحد شرعيي جبهة النصرة السابقين، وانفصل عنها في العام 2017 وهو ملاحق في تركيا وسبق له أن اعتقل في مطارها قبل عدة أشهر ورحل من جديد الى سوريا. هو واحد من أكثر دعاة السلفية الجهادية تشددًا في سوريا وله صولات وجولات في التحريض على العنف الطائفي وفي التضييق على الحريات العامة وفي الدعوة إلى إقامة الحكم الإسلامي وتحكيم شرع الله.
ترى هل كان يعلم السيد المحافظ ماهر الادلبي عندما قرر زيارة الشيخ السلفي المتشدد عبد الرزاق المهدي في جامع تنكز رمزية هذا المكان في تاريخ سوريا الحديث، ومعنى هذه الزيارة بعد قرار المحافظة الطائش؟ أغلب الظن أنه لا يعلم. لكن القليل من التاريخ ومن الذاكرة هنا قد يفيد في استخلاص العبر لمن يريد أن يقرأ ويتعظ، حتى لا تتكرر أخطاء وخطايا الماضي، مع أنها لا تنفك تتكرر من قبل قيادات سياسية وعسكرية تفتقد للمشروعية الشعبية وتدير ظهرها عمداً لتاريخ البلد ولأحداثه التأسيسية ورموزه الوطنية.
فمسجد تنكز الذي كان في الأربعينات مقرّاً للجمعية الغراء، الجمعية الاسلامية الأبرز في المدينة، شهد في ذلك الزمن أحد أهمّ الأحداث التأسيسية لولادة الدولة السورية ولمكانة الحريات الشخصية في الفضاء العام ولعلاقة الدين بالسياسة.
بعد انتخابات العام 1943 التي أتت بالكتلة الوطنية إلى الحكم وانتخب على اثرها شكري القوتلي رئيساً للبلاد، شهدت العاصمة دمشق والعديد من المدن السورية بين العامين 1943 و1944 مظاهرات وحوادث شغب متعددة بتحريض من بعض المشايخ القريبين من الجمعية اعتراضًا على ما سمّوه مظاهر التغريب وتعليم النساء والاختلاط في الأماكن العامة والتراموي وخروج النساء سافرات وارتياد النساء لدور السينما. وفي منتصف شهر أيار من العام 1944، تواردت أنباء مغلوطة عن قيام الجمعية الخيرية، «نقطة حليب»، التي ترأسها زوجة وزير المعارف نصوح بخاري، بتنظيم حفل راقص مختلط في نادي الضباط لجمع التبرعات من أجل أنشطتها في توزيع حليب الأطفال على الأمهات المحتاجات في المدينة. ورغم تأكيد حكومة سعد الله الجابري أن هذه الأنباء مغلوطة وأنه ليس هناك من اختلاط ولا تواجد للنساء المسلمات في هذا الحفل، إلا أن شيوخ الجمعية الغراء والشيخ محمد الأشمر، الزعيم الشعبي في حي الميدان، تداعوا لاجتماع في جامع تنكز وألقى الأشمر خطاباً حماسياً حمل فيه على الحكومة ومظاهر التغريب وخرجت على أثره مظاهرات عنيفة تمّ فيها تكسير واجهات بعض المحلات ومهاجمة بعض النساء السافرات في الشوارع وصولاً إلى اقتحام سينما أمبير ومحاولات الاعتداء على النساء المتواجدات مع عائلاتهنّ داخلها، الأمر الذي تطور إلى اشتباك مسلّح مع عناصر الشرطة، ما أدى إلى سقوط قتيلين من المتظاهرين. ونجم عن هذه الاحداث اعتقال الشيخ محمد الأشمر ونفيه خارج دمشق، وهو من هو، مقاتل شارك في معركة ميسلون في العام 1920 وفي الثورة السورية الكبرى في العام 1925 وفي الثورة الفلسطينية في العام 1936. لكنه عندما حرّض على العنف وعلى انتهاك حريات الناس الفردية، لم تتأخر حكومة سعد الله الجابري المتمتعة بالمشروعية الانتخابية في محاسبته واعتقاله لتحريضه الناس على الفتنة والقلاقل في أدق الأوقات وأصعبها عندما كانت هذه الحكومة تفاوض الفرنسيين والانكليز على انسحاب قواتهم ونيل الاستقلال الكامل للبلاد.
لا شك أن هذه القضية كانت من الحوادث التأسيسية للدولة السورية الحديثة ولعلاقة الدين بالدولة ولمكانة الحريات الشخصية في حرية الملبس والمشرب في الفضاء العام.
ويمكننا العودة لخطاب رئيس الوزراء سعد الجابري التاريخي في مجلس النواب بعد إخماد الأحداث في 22 أيار 1944 لأننا سنجد فيه العديد من الإضاءات الهامّة لنا اليوم من قبل رجل دولة يدرك معنى الحرية ومعنى مسؤولية الدولة في صيانتها. فالجابري يؤكد بدايةً أن حكومته تتمتع وحدها بثقة المجلس الذي يمثل الأمّة أصدق تمثيل وأنها لم تشأ إلا أن تفتح المجال للأفراد والجماعات بالحرية الكاملة بالرأي والقول والعمل… ولكن يا للأسف أخذت بعض العناصر المختلفة تلقى في روع بعض الناس بأن هذه الحرية يمكن أن تنقلب إلى تحكم في الحكم أو تحكم في الحرية نفسها. ويقول الجابري أن هذه الحوادث جاءت نتيجة هذه الحرية التي يظنّ بعض الجهلة أنه يستطيع بواسطتها أن يحصل على ما يرغب به من تجاوز على أرض أو استيلاء على ملك او التدخل في أمر كبير أو الحد من حرية بعض الناس إلى ما هنالك. ويضيف الجابري لا نريد في حال قيام الدستور والحياة النيابية أن تكون عرضةً دائماً لحملات في الشوارع والأزقة، فلا بد من أحد أمرين إما أن نفسح المجال لأن تكون الأزقة والشوارع هي صاحبة الأمر والبت في الحوادث، وإما أن يكون مجلسكم ورئيس الجمهورية هم أصحاب هذا الحق ولا فاصل بين هذين الأمرين أبداً.
ومن المهمّ أن نقرأ بتمعّن كيف استجاب المجلس لخطاب الجابري وصوّت بالآتي: إن المجلس بعد أن سمع إيضاحات رئيس الوزراء عن حوادث يومي السبت والأحد، يعلن أنّ حماية الحرية الشخصية من أقدم الواجبات التي تقع على عاتق الحكومة ومجلس النواب، وهذا يدعو الحكومة إلى اتخاذ كافة التدابير اللازمة التي تؤول إلى منع الاعتداء على الحريات الشخصية ما دامت ضمن حدود القانون والدستور.
سلخ سوريا عن تاريخها
طبعاً، نحن للأسف في سوريا اليوم بعيدون كلّ البعد عن التعلّم واستخلاص العبر من هذه اللحظات التأسيسية لولادة الدولة السورية. لا بل إنّ هناك محاولات مضنية وخبيثة لسلخ الجمهورية السورية عن تاريخها الحقيقي، من إلغاء عيد شهداء 6 أيار الذين أعدمهم جمال باشا إلى التشكيك بمشروعية المؤتمر السوري وحكومة فيصل في دمشق، مروراً بمعركة ميسلون والثورة السورية الكبرى ودور سلطان باشا الأطرش فيها، ووصولاً إلى معركة الاستقلال وولادة الدولة السورية ودساتيرها الحديثة، بدءاً بدستور 1928 ووصولاً إلى دستور العام 1950. كما يتمّ على قدم وساق تغيير أسماء الشوارع والمدارس وتغييب أسماء رجالات ونساء سوريا الحديثة الذين ساهموا بنهضتها العلمية والأدبية والسياسية من مثل القرار الأخير لمجلس محافظة دمشق ذاته الذي تداولت صورته بعض وسائل التواصل الاجتماعي من دون أن تنشره المحافظة على صفحتها الرسمية، ويتمّ بمقتضاه تغيير أسماء مدارس حملت أسماء مفكرين وكتاب، من مثل زكي الأرسوزي وسامي الدروبي والعلامة محمد كرد علي والشهيد الطيار في حرب تشرين فايز منصور.
واليوم، إذ تتوالى دعوات بعض الموتورين للتظاهر بعد صلاة الجمعة يوم 27 آذار دعمًا لقرار محافظة دمشق والمطالبة بتعميمه على باقي المحافظات، لا بدّ لنا أن نستعيد مؤرخ دمشق ومؤسس المجمع العلمي فيها وصاحب خطط الشام محمد كرد علي الذي كتب في مذكراته تحت عنوان «الحنبليات الضارة»، مذكرًا بحادثة تبرع فيها واحد من المغتربين السوريين في الأرجنتين وأصله من دير عطية، بمبلغ مئة ألف ليرة لبناء جامع ومدرسة إناث ومدرسة ذكور، وكان هذا المبلغ معتبراً في ذلك الزمن. لكن من يسميهم كرد علي بالثرثارين قالوا بأن هذا حرام لأن صاحبها يملك في الأرجنتين كرومًا واسعة ويعصر عنبها ليبيعه خمراً. فما كان من كرد علي إلا أن سأل العلامة الشيخ عبد المحسن الأسطواني، وكان من أكبر علماء الحنفية في الديار الشامية. فأتاه بالنص من كتب الفقه وقرأه على كرد علي: وجاز بيع عصير العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمراً، لأن المعصية لا تقوم عليه. وهكذا كان، وابلغ كرد علي هذه الفتوى لمواطنه الكريم المغترب في الأرجنتين وتمّ قبول التبرع.
فأين نحن اليوم من ذلك الزمان!