تعليق أحمد الشرع
محمد علي الأتاسي

الاستعصاء السوري وحوار الطرشان

16 كانون الثاني 2026

«الشرع مصدر كلّ السلطات»

مضى ما يقارب الثلاثة أشهر على انتهاء عملية ما سمّي بـ«انتخابات» مجلس الشعب السوري، والتي قامت من خلالها «اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب»، المعينة من قبل الرئيس احمد الشرع، بتعيين هيئات انتخابية مناطقية لانتخاب ما يقارب ثلثي أعضاء مجلس الشعب. ولا تزال البلاد تنتظر أن يعيّن الشرع مباشرةً سبعين عضواً، هم ثلث عدد الأعضاء الإجمالي، ليكتمل بذلك نصاب مجلس الشعب المعيّن، بشكل مباشر أو غير مباشر، والذي إلى اليوم، لم يمارس مهامه التي حددها له الإعلان الدستوري. 
هذا الإعلان الدستوري منبثق عن «لجنة إعداد الإعلان الدستوري»، التي عينها الرئيس الشرع، بالاستناد للصلاحيات التي فوّضه بها مؤتمر النصر لقادة الفصائل العسكرية التي أطاحت بنظام الأسد. هذا المؤتمر التأسيسي للسلطة، الذي اختار أحمد الشرع نفسُه أسماء القادة المدعوّين للمشاركة به، قبل أن يغدو هو نفسه رئيساً للجمهورية بحكم البيان الصادر عن هذا المؤتمر.
وقد استند المؤتمر إلى «المشروعية الثورية»، في مواجهة المشروعية الانتخابية، لتبرير بناء هرم السلطة على هذا الشكل المقلوب. وقد تكفّل بالتنظير لمصطلح «المشروعية الثورية» بعض جهابذة المثقفين من أمثال الباحث رضوان زيادة، صاحب براءة اختراع الدعوة لتشييد «برج ترامب» في مدينة دمشق. أتحفَنا زيادة في بودكاست ونصّ قصير، يصلح كنموذج فريد في حوليات آداب الزعبرة السياسية، بكيفية الانتقال من العرف الدستوري «الشعب مصدر كل السلطات» إلى العرف السوري الجديد «الشرع مصدر كل السلطات»، من خلال استخدام مصطلح «المشروعية الثورية» الذي نسبه الى من سمّاه «أستاذ شهير للعلوم السياسية في جامعة هارفارد»، لكنه نسي في معمعة توليد أفكار نصّه ان يذكّرنا باسمه الكامل.

تفريغ السلطة التشريعيّة

نعم سلطة تشريعية. لكنها سلطة مبتورة ليس فقط لأنها اختيرت بالتعيين المباشر وغير المباشر بعيداً عن المشروعية الانتخابية والشعبية. لكن لأن «الإعلان الدستوري» لم يحترم فصل السلطات. فهو، وإن كان يعطيها سلطة التصديق على المراسيم والقوانين الآتية من السلطة التنفيذية وسنّ وتشريع بعض القوانين إذا ما اقتضت الحاجة، فإنّه لا يعطيها الحق في استدعاء واستجواب أعضاء السلطة التنفيذية والحكومة وسحب الثقة منهم وممارسة دورها في الرقابة على السلطة التنفيذية. لأن في ذلك تخوفاً من تغوّل السلطات بعضها على بعض، كما يدّعي نوار نجمة، وهو جهبذ آخر من جهابذة السلطة وعضو «اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري» المعيّنة من الشرع نفسه. يعود لنوار سبق اختراع هذا التعبير «تغول السلطات بعضها على بعض» في حال مارست السلطة التشريعية دورها المشروع في الرقابة على السلطة التنفيذية، مع أن هذا هو في صميم تعريفها ودورها في النظم الديموقراطية الحديثة .

صورة لقاعة المجلس النيابي تحت الترميم

وفي انتظار اكتمال النصاب واختيار الشرع للسبعين عضواً المتبقّين وبدء جلسات المجلس المعلقة، تجري أعمال تجديد قاعات المجلس ومداخله وأروقته فيما يُعَدّ، بحسب موقع مجلس الشعب، تجديداً جذرياً يتواءم مع الهوية البصرية الجديدة. ومن المفترض، بحسب موقع المجلس، أن يضاف رمز العقاب والنجمات الثلاث إلى العديد من المداخل والجدران. وكل الخوف، بعد أن تمّ تفريغ العملية الانتخابية من بُعدها التمثيلي الشعبي الحقيقي، أن يترتّب على هذا التجديد المعماري إساءة وتشويه لذاكرة البناء التاريخي لمجلس النواب الذي قرّروا الإبقاء على اسمه الأسدي «مجلس الشعب» بدلاً من «المجلس النيابي»، مع انه وجد قبل عائلة الأسد وسيستمر من بعدها، وهو الذي شهد تحت قبّته أهم الأحداث السياسية السورية، قبل أن يسخّره حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار لحفلات التصفيق والتطبيل لشخصيهما من دون أن يتجرّأا على المساس بهوية المكان البصرية وهويته المعمارية.

الاستعصاء السوري 

في هذه الأثناء، وبعد مضيّ ثلاثة أشهر على إجراء هذه الانتخابات الشكلية، لا يبدو أن الرئيس الشرع في عجلة من أمره لاختيار الأعضاء المتبقّين ليكتمل نصاب مجلس الشعب حتى يتمكن من المباشرة في أعماله كسلطة تشريعية. وكأنّ البلاد ليست بحاجة للسلطة التشريعية ولا لفصل السلطات، لأنها باتت تدار بعقلية الرجل الواحد واللون الواحد والسلطة الأحادية والمراسيم الآتية من أعلى، بعيداً عن أي رقابة تشريعية أو شعبية، وبعيداً عن أي مساءلة أو تشاركية أو حوار مع الداخل السوري. فالحوار الوحيد والمفاوضات الوحيدة هي مع الدول والقوى الخارجية فقط، في حين يبقى الداخل السوري بتنوّعه وتعدّده بعيداً عن أيّ تشاور أو مشاركة في القرارات السيادية والاقتصادية والسياسية التي ستحدّد مصيره لعقود قادمة.
في هذا السياق، لا شيء يعبّر عن المأزق السوري واستعصاء الحوار الداخلي الحقيقي والدور الكارثي الذي يلعبه بعض المستشارين الإعلاميين والسياسيين المحيطين بدوائر القرار في قصر الشعب، أكثر من المقابلة التلفزيونية التي أجراها الشرع مع إيلي ناكوزي، مدير قناة شمس الكردية العراقية الناطقة بالعربية والتابعة للزعيم الكردي العراقي مسعود البرزاني، وهذا بناء على طلب الرئيس أحمد الشرع. امتنعت القناة بعد ذلك عن بثّ المقابلة بحج واهية، من بينها حرصها على السلم الأهلي في سوريا. وأعادت قناة الإخبارية السورية بثّ مقاطع منها فيما بعد.
إذا افترضنا نيّة الرئيس الشرع مدّ الجسور ومخاطبة الأكراد السوريين مباشرة وطمأنتهم بأنهم جزء أصيل من الشعب السوري، في مثل تلك اللحظات الحرجة التي تخللتها معارك في حلب، فهناك أسئلة يجب طرحها، في الشكل كما في المضمون. فمن حيث الشكل، يُطرَح السؤال عن كارثية مستشاري القصر الإعلاميين الذين حضّروا لهذه المقابلة وعن جدوى أن يتم اللجوء الى وسيلة إعلامية تخصّ الكرد العراقيين، وأن يكون المحاور صحافياً لبنانياً لا يفقه من الناقة الجمل، بدلاً من أن يخاطب الشرع الكرد السوريين ويجيب على أسئلتهم ومخاوفهم من خلال محاورة صحافي أو صحافية كردية مستقلة أو من خلال وسيلة إعلام سورية حرّة؟ 
أما من حيث المضمون، فحين يتحدث الرئيس الشرع عن أنّ «قسد» لا تمثّل كل الأكراد وأنها تخلّفت عمّا أسماه المؤتمر الوطني الجامع وتخلّفت عن تشكيل الحكومة وعن الإعلان الدستوري وعمّا أسماه مراحل تشكيل الدولة السورية الحالي، وأنهم كانوا غائبين عنها بإرادتهم وليس بمنعها عنهم، فعندها يحق لنا أن نسأل ماذا فعلت السلطة السورية لكي يتمثّل الكرد بشكل صحيح في مؤسسات الدولة السورية، وهم من أكثر فئات الشعب السوري تسيُّساً وتنوّعاً؟ لا بل ماذا فعلت لكي تتمثل كل شرائح المجتمع السوري وقواه السياسية والاجتماعية؟ وماذا فعلت لإطلاق عملية انتخابية حقيقية في المناطق التي تحت سيطرتها ليتمثل أكراد حلب ودمشق وغيرها من المناطق، ولينتخبوا بشكل حرّ وديموقراطي ممثليهم إلى مجلس الشعب.
وحين يتحدث الرئيس عن تعيين وزير كردي في الحكومة وعن أن هذه التعيينات تحرص ان يكون الاختيار فيها على أساس الكفاءة لا المحاصصة، فعندها يحق لنا أن نسأل ماذا يمثل هذا الوزير الكردي بالنسبة لأبناء شعبه ومن يقرر مشروعية تمثيله الشعبي من خارج صندوق الاقتراع؟ وعن أي كفاءة بعيداً عن المحاصصة نتحدث، فيما كل التعيينات في الدولة الجديدة تتم في الظل ومن خلال شبكات معارف ومصالح وولاءات سياسية وعقائدية بعيدة كل البعد عن الشفافية والرقابة الشعبية. وهل أمثال أبو عمشة وهند قبوات ويعرب معروف وسليمان عبد الباقي يمثلون حقيقة بيئاتهم الاجتماعية ويغلب على تعيينهم الكفاءة على المحاصصة؟ 
الأمر نفسه ينطبق على الاستعصاء السياسي في جبل العرب والساحل السوري، بعد المجازر التي ارتكبت بحق السكان المدنيين. فإذا كنّا نريد فعلاً الوقوف في وجه المشاريع التقسيمية وتلاعب القوى الخارجية، وعلى رأسها إسرائيل، ببعض ضعاف النفوس والمرتهنين للخارج في هذه المناطق، فالأجدر بنا أن نمضي بمسار العدالة الانتقالية حتى نهايته، وأن نمكن سكان هذه المناطق، كما بقية سكان سوريا، من اختيار نوابهم وممثليهم الحقيقيين في دوائر صنع القرار داخل الدولة الجديدة.
وبمعزل عن العملية الانتخابية وصندوق الاقتراع، أليس من المعيب والكارثي، أن يغيب عن تعيينات المحافظين ومساعديهم وقادة الأمن في تلك المحافظات، كل الوجوه الوطنية التي أمضت السنوات الطوال في غياهب السجون الاسدية وتحظى بالتقدير والاحترام في بيئتها المحلية، ليس لأنهم ينتمون الى الكرد او الى الطائفة الدرزية او العلوية او المسيحية، ولكن لأنهم معارضون وطنيون معنيون بمصير بلدهم سوريا.
وإذا كنا لا نرضى عن حق أن يحتكر أشخاص، من مثل مظلوم عبدي والشيخين الهجري وغزال تمثيل الكرد والدروز والعلويين، فالأجدر بنا أن لا نقبل كذلك ان يمثل الرئيس أحمد الشرع أو هيئة تحرير الشام المسلمين العرب السنّة، وأن نعي أن علينا في مرحلة ما أن نحتكم إلى صناديق الاقتراع وإلى الإرادة الشعبية الحرة وأن تُترَك للشعب السوري حرية اختيار ممثليه في السلطتين التنفيذية والتشريعية على أساس وطني جامع.


قد يبدو هذا الكلام للبعض حالماً بعض الشيء، لكن من حق هذا الشعب الذي دفع أفدح الأثمان في ثورته من أجل الحرية والكرامة، أن ينال حقيقةً لا جزافاً هذه الحرية وهذه الكرامة. لن نأتي بجديد إن قلنا أنّ لا حلّ لهذا الاستعصاء السوري ولإعادة بناء البلد ومنع استباحته من القوى الخارجية، وعلى رأسها إسرائيل، إلا بالمشاركة السياسية وقبول التنوع وتحقيق العدالة الانتقالية وإطلاق عملية حوار وطني جامع مع القوى السياسية والاجتماعية الحية ضمن مؤتمر وطني عام، تسمح بالمضيّ قدماً نحو انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً للبلاد وتقرّ مبدأ فصل السلطات وشكل الحكم وآلية تداول السلطة، وإلا فعلى سوريا السلام. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
ماتشادو تهدي ترامب جائزة نوبل
جريح في المنصوري صباحاً وشهيد بغارة ميفدون ليل أمس
معرض «على وشك»: اللعب بالنار
16-01-2026
تقرير
معرض «على وشك»: اللعب بالنار
تعليق

الاستعصاء السوري وحوار الطرشان

محمد علي الأتاسي
وقفة غضب لذوي الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية
15-01-2026
تقرير
وقفة غضب لذوي الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية
حدث اليوم - الخميس 15 كانون الثاني 2026
15-01-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 15 كانون الثاني 2026