محاكمة أمجد يوسف
ليس هناك من مشهد يعبّر عن مأزق مسار العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد الأسد، أكثر من المشهد الذي بثته قناة الإخبارية السورية الرسمية وبعض الأقنية والمنصات الإعلامية التابعة للسلطة بتاريخ 24 نيسان 2026، احتفاءً باعتقال أمجد يوسف، سفاح مجزرة التضامن. يظهر في المشهد وزير الداخلية أنس الخطاب في مواجهة اليوسف وهو يعيد على شاشة تلفونه الخاص تشغيل الفيديو الشهير لمجزرة التضامن طالبًا من أمجد الذي يُصوَّر من الخلف أن يشاهد الفيديو الذي يظهر فيه وهو يقتاد المدنيين الأبرياء إلى حافة الحفرة ويطلب منهم الركض باتجاهها قبل أن يطلق النار عليهم.
بعد ذلك نشاهد الوزير جالسًا في مقطع ثانٍ ووجهه ملء الكاميرا في مواجهة المجرم أمجد يوسف الذي يدير ظهره لذات الكاميرا، لتغيب معالم وجهه وهو يستمع لأسئلة وتأنيب الوزير في حين لا يظهر على الشاشة سوى خلفية رأسه وهو يهزه خانعاً.
نشاهد في مقطع الفيديو الوزير مخاطبًا أمجد يوسف: انت ما عندك أطفال؟، ليرد يوسف: عندي بنت. ويتابع وزير الداخلية قائلًا: ما عندك قلب لتقتل الناس بهذه الطريقة؟ واحد عم يتسلى يلا أركض أركض في قناص يلا كذا كذا قدامك فاضي أمشي، انت الفعل الي فعلته مو فعل واحد بده ينتقم، فعل واحد ما عنده إنسانية بصراحة. ينهي الوزير حواره ويطلب من مساعديه إخراج أمجد يوسف من المكتب حيث تم تصوير هذه المقاطع.
نعم كم كان مهمّاً في ملف العدالة الانتقالية في سوريا مثل تلك اللحظة التي يُعتقَل فيها واحد من أعتى مجرمي النظام الصغار وقد دخل في الذاكرة الجمعية للسوريين جميعاً من بابها العريض بعد أن نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تحقيقها عن مجزرة التضامن، والذي تضمّن واحداً من الفيديوهات المسرّبة للمجزرة ومنفّذها. نعم كم كانت منتظرة مثل تلك اللحظة التي يُعتقَل فيها هذا المجرم، لا ليظهر مصوَّرًا من الخلف وتغيب معالم وجهه في مواجهة وزير الداخلية المنتشي بهذا الإنجاز، ولكن ليمثل تحت قوس المحكمة أمام ممثّلي سلطة قضائية مستقلّة في حضور أهالي الضحايا، لينظروا بتمعّن في تقاسيم وجهه ويستمعوا لاعترافاته ويحاولوا أن يفهموا ما الذي حلّ بأبنائهم وكيف ومن ولماذا؟ ومَن هم المتورّطون في المجزرة وما هي السلسلة الهرميّة التي أنتجتها؟ وكيف صُوِّر فيديو المجزرة ومَن سرّب الفيديو؟ وليأتي حكم العدالة في النهاية ليس فقط للقصاص من قاتل أولادهم، ولكن لفهم وتفكيك هذه البنية الإجرامية التي أنتجت أمجد يوسف وأمثاله.
فصلٌ جديدٌ من فصول العدالة الاستعراضيّة
بدلاً من ذلك، فضّلت السلطة أن تُتبِع فيديو المواجهة بين وزير الداخلية وأمجد يوسف، بفيديو آخر لا يقلّ عنه سوءاً، ولكن هذه المرة كان القاتل في مواجهة كاميرا السلطة وموسيقاها التصويرية ومونتاجها التشويقي، فيما يُفترَض أنه فيديو لجانب من اعترافات أمجد يوسف الذي يقرّ فيه إنه تصرف من قرارة نفسه من دون أوامر من أي رتبة عسكرية او ضابط او لواء، وانه وحده يتحمل مسؤولية هذه المجزرة.
وهكذا، وبدلاً من أن تكون لحظة اعتقال أمجد يوسف، فرصة للسوريين، كل السوريين، للتأمل والفهم وكشف الحقائق عن البنية الاجرامية التي ولّدت أمثال أمجد يوسف ولكشف بقية المتورطين في مجزرة التضامن وغيرها من المجازر، ومن ثم محاسبة المتورطين وجبر الضرر عن عائلات الضحايا، تحوّل اعتقال أمجد يوسف إلى فصل جديد من فصول العدالة الاستعراضية التي تغيّب الفاعلين الكبار وتريدنا أن نصدّق أنّ أمجد يوسف تصرّف من قرارة نفسه بعيدًا عن أي رتب عسكرية أو مسؤولية هرمية يمكن أن تصيب أمثال فادي صقر، وتترك في ذات الوقت العنان للتهييج الطائفي والكراهية والشيطنة بحق مجموعات سكانية كاملة بقضها وقضيضها، في ظل تقاعس مريب عن ضبط مثل هكذا خطاب كراهية وارتداداته الخطرة على السلم الأهلي.
محاكمة عاطف نجيب
لم تمضِ أيام قليلة على اعتقال أمجد يوسف حتى تمّ مثول عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا، يوم الأحد 26 نيسان 2026، في قفص حديدي في دمشق أمام محكمة الجنايات الرابعة في حضور بعض أهالي الضحايا ووسائل الإعلام والمؤثّرين الإعلاميين المقرَّبين من السلطة، وذلك بعد إلقاء القبض عليه في 31 كانون الثاني 2025. وكان هذا المجرم، وهو ابن خالة بشار الأسد، المسؤول عن الكثير من الانتهاكات والجرائم في درعا في بداية الثورة السورية.
ومرّةً أخرى، كان يمكن لهذه المحاكمة أن تدشّن بدايةً حقيقيةً لمسار العدالة الانتقالية في سوريا ولفتح ملفات الجرائم التي ارتكبها النظام الأسدي بحق الشعب السوري، لو أنها جرت بعد إقرار قانون للعدالة الانتقالية من قبَل مجلس تشريعي منتخب من قبل الشعب، بدلاً من محاكمة عاطف نجيب وأقرانه اليوم أمام محكمة جنائية عادية غير مختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام السابق.
لكن للأسف، وإلى اليوم، وبعد أكثر من عامين على سقوط النظام وبعد أكثر من عام على إقرار الإعلان الدستوري، لا تزال البلاد من دون منظومة قضائية مستقلة ومن دون مجلس تشريعي يُنتظَر أن يعيّن الرئيس الشرع ما يقارب الـ30 بالمئة من أعضائه بشكل مباشر، بعد أن عيّن بشكل غير مباشر بقية أعضائه من خلال تعيينه للجان الانتخابية. هذا ناهيك عن أن الإعلان الدستوري نفسه لم يؤسّس لفصلٍ واضحٍ للسلطات ولم يعمل على استقلالية السلطة القضائية، كونه لم يؤسّس لاستقلالية مجلس القضاء الأعلى، وأعطى للرئيس الحق في تعيين كل أعضاء المحكمة الدستورية العليا.
من هنا جاء التسرّع في محاكمة عاطف نجيب وتحويلها إلى مشهديّة إعلاميّة فارغة، كردّ فعل متسرّع من قبل السلطة القائمة، في محاولةٍ منها لتبرير التلكؤ في إطلاق مسار حقيقي للعدالة الانتقالية، ولاحتواء التوترات المجتمعية التي أطلقها اعتقال أمجد يوسف والتسويات التي تمّت مع بعض المتورّطين الكبار في جرائم النظام من أمثال فادي صقر ومحمد حمشو.
مجازر بانياس
لم يكن ينقص حالة التعميم الأعمى والهياج والتجييش الطائفي التي أطلقها اعتقال أمجد يوسف وتسريب فيديوهات جديدة- قديمة لمشاهد التعذيب والقتل في المشافي العسكرية وغياب أي مسار حقيقي للعدالة الانتقالية إلا إعادة فتح ملف مجازر بانياس إعلاميًا ومشهديًا، لا من أجل محاسبة المجرمين وكشف مصير المفقودين وكشف أمكنة المقابر الجماعية وتهدئة خواطر الأهالي وجبر الضرر عنهم، ولكن من أجل نكء الجراح وتأجيج الأحقاد في منطقة تتداخل فيها القرى والأحياء العلوية مع القرى والأحياء السنّية. وسبق لهذه المنطقة أن شهدت قبل عام تقريباً في منتصف آذار 2025 مجازر مروعة بحق المدنيين العلويين، في حين تُعَدّ مجازر بانياس والبيضا والمزارع أحد أبشع فصول المجازر والقتل على الهوية التي ارتكبتها قوات الأسد والميليشيات الرديفة بقيادة معراج أورال، الملقب بعلي الكيالي، بحق المدنيين الأبرياء في بداية شهر أيار من العام 2013 في بعض الأحياء السنّية لمدينة بانياس وريفها القريب.
فقد دعا الشيخ أنس عيروط، وهو ابن مدينة بانياس وعضو مجلس الإفتاء الأعلى وعضو اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي التي شكلها الشرع في العام 2025 بعد مجازر الساحل، إلى وقفة تضامنية ومهرجان خطابي جماهيري في مدينة بانياس في 3 أيار إحياءً لذكرى المجازر التي هزّت المدينة في العام 2013، بحضور مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الإعلامية أحمد زيدان، وقائد الفرقة 56 العميد منير الشيخ. لكن بدلًا من أن تكون الذكرى مناسبة لتذكُّر الضحايا وللعمل على كشف مصير المفقودين ولمحاكمة المجرمين ومحاسبتهم، تحوّلت المناسبة، مع بعض كلمات الخطباء، إلى فرصة للتجييش والدعوة إلى الثأر والانتقام، وإن كان في ظلّ النظام والدولة هذه المرة. فالشيخ أنس عيروط، وهو عضو لجنة السلم الأهلي، صعد إلى المنصّة التي جلس على كراسيها كبار الحضور من الطيف الإسلامي وعلّق على سقفها في الأعلى مشانق خشبية، لم يجد غضاضة في كلمته في الحشود من أن يؤكد انه لن يستريح ولن يهنأ إلى أن تعلَّق المشانق في كل الساحات بحق المجرمين الجزارين.
تُرى بدلاً من الدعوة إلى تعليق المشانق، ألم يكن من الأجدى بمن هو عضو في لجنة الحفاظ على السلم الأهلي في الساحل أن يدعو إلى منصته بعضاً من الوجوه المعارضة للنظام الأسدي من أبناء الطائفة العلوية، وبعضهم قضى سنوات طويلة في سجون الأسد وأدانوا جهاراً مجازر بانياس، أو أن يدعوا للمنصّة بعضاً من أعضاء فريق «متطوّعو العمل الإنساني في محافظة طرطوس» من أبناء الطائفة العلوية الذين خاطروا بحياتهم ليدخلوا مناطق البيضا ورأس النبع لإغاثة الأهالي بعد المجازر التي ارتكبتها المليشيات الأسدية. هؤلاء، بالتأكيد، ليسوا ضدّ أن يحاسَب مجرمو الأسد أو عاطف نجيب أو أمجد يوسف أو مرتكبو مجازر بانياس، لكنهم بالتأكيد ضدّ أن تكون لغة أعواد المشانق والعدالة الاستعراضية طريقاً إلى العدالة الانتقالية والحفاظ على السلم الأهلي.