«إنّني أخجل مما يقوم به قادتُكم»

لم يوجّه من قبل رئيس أجنبي كلامًا بقساوة كلام الرئيس الفرنسي المخدوع. ففي مؤتمر صحفيّ فريد من نوعه، تحدّث ماكرون بلغة غير معتادة عمّا سمّاه خيانة جماعية وعدم الوفاء بالوعود من قبل طبقة سياسية أخذت شعبها رهينةً لمصالحها الشخصية. لكنّ صاحب «المبادرة الفرنسية» لم يكتفِ بلوم السياسيّين والنظام بكلام «ثوري»، بل شرّح مبادرته ليطرح المعضلات الأساسية التي تواجه إمكانية التغيير في لبنان.
يمكن اعتبار فرنسا رأس الحربة للاستعمار الخارجي ويمكن إعلاء المطالبة بالإفراج عن جورج عبد الله قبل أيّ شيء، ولكنّ طرح ماكرون البارحة قد يكون من أكثر الطروحات جديّة كمدخل للخروج من الأزمة، أو على الأقلّ، كأدقّ تصوير لاستحالة الخروج من الأزمة اليوم.

«كلّن يعني كلّن» وحزب الله

لطالما سقطت المقاربات المحلية للأزمة بفخّ تحميل المسؤوليات للأطراف المتعدّدة للنظام، بين من يعيد إحياء اصطفافات الماضي ومن يساوي بين الأطراف بشعارات فضفاضة. انطلق ماكرون من نقد لاذع للطبقة السياسية وأحزابها، مسمّيًا بعض السياسيين بالاسم، ولكنّه خصّص لحزب الله دورًا مركزيًا في هذا النظام. وخرج نقده لحزب الله عن ترّهات النقد المعتاد، ليضع إصبعه على المشكلة مع الحزب وهي تعدّد أوجهه، من ميليشيا تتّبع العنف في السياسة وحزب ذي شرعية انتخابية ومذهبية. وهذا هو الالتباس الذي أدّى بالحزب أن يعتقد بأنه أقوى مما هو عليه، كما جاء في كلام ماكرون.
بنقده هذا، كسر صاحب المبادرة المغدورة، ثنائية «الطبقة السياسية» وحزب الله، التي شكّلت بالنقاش الداخلي طرقاً ملتوية لإعادة إحياء ثنائية «8 و14 آذار»، من خلال نظرة مركّبة لطبقة سياسية فاسدة يحكمها حزب الله بالعنف.

الأحزاب واتّفاق الطائف

بيد أن الأهمّ في كلام ماكرون هو تعريفه للمشكلة في لبنان بهيمنة طبقة سياسية وأحزابها على مصير البلاد المرهونة لمصالح حوالي 10 أشخاص سيضعون البلد بالحفرة. وفي قراءة لفشل اتفاق الطائف، حمّل الأحزاب ورؤساءها مسؤولية تحوير وتفريغ روحية هذا النص، من خلال تلخيص روحه التسوويّة إلى تقاسم طائفي، والتقاسم الطائفي إلى هيمنة أحزاب، والأحزاب إلى نادٍ مصغّر مكوّن من رؤسائها.
لمّح ماكرون إلى ضرورة إعادة تكوين طبقة سياسية جديدة، بعد اجتياز الأزمة الراهنة. لكنّ الأهمّ هو تعريفه للأزمة كنتاج لهذه الطبقة التي أصبحت بعد كلامه كائنًا سياسيًا محدّد الهوية، أخذ شعبه رهينة، بعدما انتُخب ديموقراطيًا. فالأحزاب السياسية اللبنانية باتت بعد المؤتمر الصحفي أدوات سلطة، اتّخذت من اللعبة الديموقراطية غطاء لسيطرة فئوية، كسائر أحزاب المنطقة.

الطبقة السياسيّة والمصارف

لم ينتهِ النقد اللاذع للطبقة السياسية بدفاع عن المصارف أو عن المنظومة المالية، كما يحصل غالبًا عند بعض الغيورين على القطاع الخاص في لبنان. بل بالعكس، أرفق ماكرون نقده السياسي بآخر موجّه للنظام المالي الفاسد وغير المنتج والفاقد للثقة الدولية والمحلية. فأنهى أحلام القطاع المصرفي بأن يفلت من العقاب من خلال تحميل عبء المسؤولية لفساد السياسيين ودولتهم، مصوّرًا القطاع كجزء من ماكينة الفساد، ومعلنًا نهايته مع فقدانه ثقة المجتمع الدولي.
يمكن لرياض سلامة وسليم صفير الآن أن يجتمعا على كأس ويسكي ويقدّما حلولهما العوجاء. لكنّهما، بعد اليوم، أصبحا كأيّ إدارة رسمية فاسدة، مطالبين بالرحيل دوليًا.

ابتزاز المجتمع الدولي

لم يفقد القطاع المالي ثقة المجتمع الدولي فحسب، بل أصبح النظام بأكمله غير قادر على ابتزاز المجتمع الدولي من خلال تسوّل المساعدات من دون تقديم أي تنازل. وبعد محاولة العهد تحويل انفجار المرفأ إلى «فرصة»، وما سبقها من محاولات لابتزاز المجتمع الدولي باللاجئين وقبلهم بالإرهاب، وضع الرئيس الفرنسي حدًّا لتلك المحاولات، رافضًا تمرير المساعدات من خلال المؤسسات الفاسدة أو تقديمها من دون خطة إصلاحية جدّية أو تحقيق شفّاف بانفجار المرفأ.
لكنّ هذا التلويح بالمساعدات ترافق أيضًا بنقد لسياسة الولايات المتّحدة وعقوباتها، وسياسة المحاور التي حاول ماكرون الابتعاد عنها من خلال مبادرته. فبدا ماكرون سياديًا أكثر من القوى اللبنانية التي تعوّل على نتائج الانتخابات الأميركية أو على عقوباتها لحلّ مأزقها الداخلي.

الحرب الأهليّة والإصلاح

أنهى ماكرون مطالعته بوضع الطبقة السياسية أمام مسؤوليتها. فهناك خيار من ثلاثة: إما الإكمال بالنهج ذاته وتشكيل حكومة حزبية، ممّا سيعمّق الأزمة، أو الذهاب نحو حرب أهلية متمحورة حول حزب الله. أمّا الخيار الثالث، فهو تشكيل حكومة إصلاحية تحظى بدعم الأفرقاء الداخليين والمجتمع الدولي. هذه الخيارات موجّهة للطبقة السياسية بأكملها، ولكنّها تخصّ حزب الله أساساً، وهو الذي بات اليوم أمام تحدٍّ وجوديّ تجاه دوره في التركيبة اللبنانية وطبيعة علاقته بالنظام اللبناني. فـسياسة الأسوأ التي تتّبعها معظم القوى السياسية اللبنانية، وعلى رأسها حزب الله، تراهن على قدرتها على إنقاذ مصالحها الخاصة المتناقضة من الانهيار العام، لكنّها لم تنجح لا في جلب دعم عسكري ولا مساعدات خارجية.

معضلة ماكرون ومعضلتنا

سيسارع البعض لاتّهام ماكرون بحنين لزمن الانتداب، كاشفين مصالحه الاستعمارية ومنتفضين ضدّ نبرته الاستشراقية. وقد يكونون محقّين بتحاليلهم هذه. لكن مطالعته عن الوضع السياسي وطبيعة الأزمة اللبنانية قد تشكّل أدّق توصيف قدّمه مسؤول لبناني أو أجنبي حتى اليوم. ففي تصوّره للأزمة الراهنة كأزمة نظام سيطرت عليه طبقة سياسية وأحزابها، وعلى رأسها حزب الله «الحزب-الميليشيا»، مدعومة من قطاع مالي فاسد، أظهر ماكرون أن المجتمع الدولي بات ينظر لهذا النظام كسبب المشكلة التي لن تُحلّ من خلال إصلاحات سطحية أو سياسة محاور. بيد أن معضلته، معضلة الإصلاح من خلال مشاركة الجميع، وصلت إلى حائط مسدود. فهذه الطبقة لن تُصلح ذاتها، حتى ولو انهار البلد.
لكنّ هذه ليست معضلة ماكرون فحسب، بل هي معضلتنا أوّلًا، معضلة الرهائن القابعين تحت ابتزاز الحرب الأهليّة: كيف تُقنع من يفضّل الحرب على الإصلاح بأن يطلق عملية إصلاحيّة هدفها التخلّص منه؟ الجواب ليس عند ماكرون بالتأكيد، ولكنّه ليس عندنا أيضًا.