الأمن النظيف في جمهوريّة رامكو


اسمه عناية الله.

لكنّ اسمه لم يسعفه.

لا نعرف الكثير عن رحلته إلى لبنان، ولا عمّا تركه وراءه في بلاده البعيدة التي تُدعى بنغلادش.

نعرف أنّه واحدٌ من العمّال الأجانب الذين يخاف حاكم مصرف لبنان من مصادرتهم للدولارات في السوق لإرسالها إلى عائلاتهم.

نعرف أيضاً أنّ جهاز الأمن العام أعدّ لعناية الله وزملائه سجوناً لا نعرف عنها شيئاً.

نعرف أيضاً أنّه واحدٌ من الذين تُطبَّق عليهم مقولة وزيرنا الأكبر بأنّنا عنصريّون بلبنانيّتنا.

عناية الله، هو الآخر، لم يكن يعرف الكثير عنّا حين تحوّل إلى عامل تنظيفات.

لم يعرف ربّما أنّه قطع المسافات الطويلة ليأتي إلى بلاد تحكمها المافيات.

لم يعرف أنّ كنس النفايات في لبنان هو الفريسة التي تتناتشها أنياب العرّابين، وأنّ الصراع على النفايات أشعل البلد ذات مرّة، قبل أن يعاد تقاسم الغنائم عبر المتعهّد الأخطبوط الذي ابتلع عقود الهدم والبناء، وعقود الكنس والطمر.


اسمه عناية الله.

لكنّ اسمه لم يُسعفه.

يقول زملاؤه إنّه أصيب بمرضٍ عقليّ. لكنّ الأطبّاء لم يصلوا إليه. فقد ألغت شركة رامكو مخصّصات العلاج. بدلاً من الأطبّاء، جاء رجال الأمن. ليسوا البوليس تماماً. إنّهم رجال الأمن الخاص بالشركة. احتجزوا عناية الله في غرفة مظلمة تحت الأرض. احتجزوه ثلاثة أيّام، وقاموا بتعذيبه. لا نعرف حتّى الآن ما هي أساليب التعذيب. لكنّ زملاءه يؤكّدون إنّه كان تعذيباً نفسياً وجسدياً.

لكنّ عناية الله لم يستسلم. لم يسقط جسده الهزيل في تلك الغرفة المظلمة. عندها، أقدم الحرّاس على محاولة خنقه بأيديهم. كان القتل وسيلتهم الأخيرة للتخلّص منه، تماماً كما تخلّصوا سابقًا من زميله الذي أقدم على الانتحار حين فقد قدرته على تحمّل شروط العمل، فاتّهموه بالجنون.

سمع العمّال صراخ عناية الله، وأنقذوه من الموت. لكنّنا لا نعرف حتّى الآن إن كانوا قد أنقذوه من الحياة.


اسمه عناية الله.

لكنّ اسمه لم يُسعفه.

هو واحدٌ من عمّالٍ لا نرى من وجوههم إلا يونيفورماتهم التي تحمل علامة شركة رامكو، والشاحنات التي يقفون عليها وهي تجول المدينة بإعلاناتٍ تدعو للحفاظ على النظافة والرقيّ.

هو واحدٌ من عمّالٍ لم تسأل حكومة التكنوقراط عن حجرهم المنزليّ لأنّ لا منازل لهم، ولن يسأل صندوق النقد الدولي عن شروط عملهم ورواتبهم، ولا حتّى عن طريقة موتهم، ما داموا يساهمون في عصر النفقات.

هو واحدٌ من عمّالٍ لم تنتظر جمهوريّة جهاد العرب الأمن العام ليسجنهم، ولم تنتظر مكافحةَ الشغب لتقمعهم. ففي ظلّ الانهيار و«العهد القوي» وحكومة التكنوقراط، بات لتلك المحميّات سجونها الخاصّة، ووسائل تعذيبها الخاصّة.

من الآن فصاعدًا، قد نعتاد على مشهد الأمس في باحة شركة رامكو. الشراكة بين القطاع الخاص والقطاع العام ستتّخذ شكلاً أكثر وضوحاً. الأوّل يستعبد العمّال، وحين يعجز عن إخضاعهم، يستنجد بالثاني.


يخبرنا غوغل أنّ الذين يلجأون إليه مستفسرين عن لبنان، غالبًا ما يسألون إن كان بلدًا آمنًا. يخبرنا أيضًا أنّ الذين يستفسرون عن بنغلادش، غالبًا ما يسألون إن كان بلدًا نظيفًا. لا يعلم سيّاح غوغل أنّ عمّالاً بنغلادشيّين يتولّون تنظيف الشوارع اللبنانيّة، وأنّ لبنان بلدٌ آمن للمافيات التي تشغّلهم.
المكنسة بيد، والهراوة بأخرى، بات شعار رامكو. أمّا عناية الله، فما زلنا لا نعرف… لا نعرف إن كان يحلم من زنزانته برمال بلاده الذهبيّة التي تمتدّ دون توقّف على واحدٍ من أطول شواطئ العالم.

«حالة طوارئ» في الجامعة الأميركيّة؟

«حالة طوارئ» في الجامعة الأميركيّة؟

ليست مطالبَ طوباويّة

ولطالما اتُّهِمنا بالتحليق بعيدًا من مشاغل العامّة، أو بالدفع نحو مطالب غير منطقيّة أنّ الدولة تحاول حماية حيواتنا من خلال التعبئة العامّة كما تتمنّى أن يحصد في طريقه بقايا أيّة همّة سياسية بقيت لدينا منذ 17 تشرين حالة الطوارئ لدينا ثابتة، لا تسعفها التعبئة وخططها الإنقاذية