مراجعة سينما
حسن الساحلي

«البحر أمامكم»: صور البؤس النمطيّة

2 تموز 2022

دائرة الإحباط والبؤس

بعد فوزه بالسعفة الذهبية في مهرجان «كان» السينمائي عن فيلمه القصير «موج 98» (2015)، قدّم إيلي داغر أوّل أفلامه الطويلة، «البحر أمامكم» (2021) الذي عرض في ختام مهرجان «أيام بيروت السينمائية». 

يبدو الفيلم استكمالا لـ«موج 98»، أو على الأقل، استلهاماً له من ناحية اختصار الشخصيات في كآبتها وخوفها من المستقبل، كما من خلال نقل صورة عن المدينة الغارقة في الميلانكوليا التي يريد سكانها مغادرتها باستمرار. يبقى المختلف هذه المرّة أنّ الفضاء الموازي الذي يتمّ تقديمه كمهرب في «موج ٩٨» لا وجود له في «البحر أمامكم»، أو على الأقل، ينحصر في الهجرة والسفر إلى أوروبا التي تمثّل يوتوبيا مطلقة بالنسبة لأبناء العالم الثالث.

منذ البداية، يسجن الفيلم شخصياته في دائرة من الإحباط والخوف من المستقبل بدون منفذ يمكن اللجوء إليه. تصل جنى (منال عيسى) بحالة سيئة من باريس إلى منزل عائلتها في بيروت بعد غياب دام عامين. لا نعرف تحديداً ما الذي حصل معها في الخارج، لكنّ المؤكّد أنّها لم تتمكّن من تحقيق نجاح في سوق العمل أو تستكمل تعليمها الجامعي بعدما ظنّت أن أوروبا ستكون حلّا لمشاكلها. نعرف لاحقاً أنّها كانت قد تركت بيروت قبل عامين بطريقة «عنيفة» وبدون أن تخبر أحداً، بمن فيهم أقرب الناس إليها. 

يبدأ التحوّل في إيقاع الفيلم عند عودة علاقة جنى مع حبيبها السابق. منذ هذه اللحظة، يصبح السرد منقسماً بين عالمَيْن، الأوّل هو عالمها مع عائلتها الذي يعطي لمحة عن أمراض المجتمع المزمنة (تبدو حفلات الأعراس التي يرتادها جميع الأجيال كتكثيف للعلاقات والمراتب والطبقات في بيروت). والثاني هو عالمها مع حبيبها الذي يشكل صلة الوصل بالمدينة، إن من خلال الجولات بالسيارة التي تشكل فرصة لاستكشاف التحولات الحضرية التي تحصل في وسط بيروت أو من خلال نشاطات أخرى كالسهر الذي يعطينا لمحة عن عوالم الشباب.

بالرغم من جرعة الحيوية التي يدخلها الحبيب السابق، لا تتوقف كآبة جنى التي يمثلها النوم المفرط والشلل عن القيام بأي شيء. تعي الفتاة حقيقة أنها تعيد خلق العالم الذي هربت منه في الأساس. يعزز الكآبة أيضا الاهتمام المبالغ به من قبل العائلة الذي يأخذ منحىً سلطوياً حتى لو أراد بالظاهر المساعدة. فهو يعمّق مشاعر الذنب والإحباط عند الابنة، كما يجبرها على تقديم تنازلات تؤثّر سلباً عليها في النهاية.


صُوَر المدينة النمطيّة

تحضر بيروت في الفيلم كشخصية رئيسية تتماهى مع كآبة جنى: ميلانكوليا بصرية تُظهِر الشوارع باهتة ومظلمة، تركيز على الأمكنة الفارغة والبحر- الفسحة الوحيدة التي تمثل الأمل تتحول تدريجيا الى مكب للنفايات، بالإضافة لتقديم صورة عن مدينة تطرد سكانها من أحيائها الرئيسية، كما تعيش علاقةً ملتبسةً مع الزمن، سواء الماضي الذي تردم ذاكرته، أو المستقبل الذي ينبئ بحصول الكارثة.

تُذكّرنا ميلانكوليا الفيلم بأعمال مخرجي ما بعد الحرب في لبنان الذين نقلوا صورة عن مدينة تعيش في المؤقت وغارقة في القلق والخوف من تجدد الكارثة. يمكن ذكر أفلام غسان سلهب مثلاً كأحد أبرز نماذج هذه الموجة التي تتشارك الإيقاع البطيء والسوداوية. وقد وصلت تلك السوداويّة حدّ زوال بيروت نهائياً في فيلمه ما قبل الأخير (الوادي). 

كما يذكرنا الفيلم بأعمال جوانا حجي توما وخليل جريج، خاصةً «يوم آخر» (2005) الذي ينقل لنا يوميات شاب يعاني من إفراط في النوم، ويعيش علاقة مضطربة مع والدته التي تبالغ بالتحكّم به بحجة الخوف والاهتمام، ومع حبيبته السابقة التي لم تعد ترغب بالبقاء معه. 

بعد عرض «البحر أمامكم» مؤخراً، قال لي أحد الأصدقاء إنّه شعر عدّة مرات بأن المشاهد أليفة جداً لدرجة ظنّ أنه رأى الفيلم سابقاً. فهمت أنّ السبب يعود لوجود مشاهد أصبحت نمطيّةً عند المخرجين اللبنانيين، وتتكرر باستمرار في أفلامهم، مثل صُوَر المسابح الفارغة والفنادق القديمة التي تحيل إلى نوستالجيا الزمن الذهبي لبيروت، الشوارع الشبحيّة خلال الليل التي تحوّل المدينة إلى فيلم Noir ضخم يبدو وكأنه ينتظر جريمة ستحصل، بالإضافة لمشاهد الحياة الليلية والرقص المتكررة بكثرة في الأفلام (يمكن أيضا إضافة رحلة الصيد مع الأب، ومشهد النزول إلى البحر بجسد عارٍ). 

يتكرّر أيضاً استخدام المدينة كمرآة للشخصيات حيث يتمّ إسقاط أزماتهم النفسية بشكل مباشر عليها، والعكس صحيح. يظهر هذا على مستوى الربط بين كآبة جنى وموت المدينة التدريجي أو إعطاء معنى للاصطدام بين جنى وحبيبها السابق على أنه استمرارية لحالة الاحتجاج الجماعية التي عاشتها المدينة عام 2019 (بعد خروجها من الفندق القديم، يظهر آخر الفيلم شعار «ثورة» على أحد الجدران). 

طبعا الربط بين العام والخاص ضروري وأصلا من الصعب الفصل بينهما. لكن في الوقت نفسه من الظلم أن نختصر تجارب الأفراد بالسياقات الاجتماعية والسياسية التي يعيشون ضمنها وهو خطأ يقع فيه عدد لا بأس به من المخرجين اللبنانيين. ربما عزز الميل لهذا الخيار رغبة المخرج بقول كثير من الأشياء في فيلم واحد (حصل ذلك أحيانا بشكل فج ومباشر) ان كانت مرتبطة برؤيته للأوضاع اللبنانية وكيفية تعامل اللبنانيين معها أو فهمه للفضاءات المدينية التي يتحرك ضمنها. لكن في الوقت نفسه، وفي حال تم تخفيف جرعة المباشرة كان سيترجم ذلك إيجابيا على الفيلم لأنه سيجبر حينها المخرج على ايجاد أساليب سينمائية بديلة لإيصال أفكاره بدون الاضطرار لقولها هكذا بشكل مباشر وعلى حساب القصة والسرد.

آخر الأخبار

الاقتصاد السوري في قبضة بشّار وأسماء
الإسرائيليون يُحاربون فيلم «فرحة» لنقله فظائع النكبة
أميركا x فنزويلا: النفط بدلاً من العقوبات
02-12-2022
تقرير
أميركا x فنزويلا: النفط بدلاً من العقوبات
رئيستا حكومة نيوزيلندا وفنلندا تردّان إهانةً جندريّة
«تذكّروا فلسطين» في ملاعب المونديال 
الزيتونة باي: الكزدورة ممنوعة للإثيوبيّات