الحريري والفرصة الأخيرة

حين نصّت المبادرة الفرنسيّة على شرط إستقلاليّة الوزراء في الحكومة الجديدة، وعدم تدخّل الأحزاب في تسميتهم، كان المبدأ بديهيًّا وواضحاً:
لا يمكن إقرار خطّة كهرباء ذات مصداقيّة مع هيئة ناظمة كفوءة بوجود وزير يتبع لجبران باسيل.
لا يمكن إقرار تدقيق جنائي حقيقي وخطّة إصلاح مالي جديّة بوجود حركة أمل على رأس وزارة الماليّة.
لا يمكن إعادة طرح التشكيلات القضائيّة بإستقلاليّة عن التدخلات الحزبيّة مع وزير تابع للعهد في وزارة العدد.
وهكذا دواليك.
بإختصار، لا يمكن تحقيق أي من الإصلاحات التي طلبها صندوق النقد وسائر الجهات الدوليّة الداعمة بحكومة مبنيّة على أساس المحاصصة. ولعلّ تجربة حكومة دياب كانت أبرز مثال على ذلك، وتحديدًا من خلال إسقاط جميع هذه الإصلاحات لتناقضها مع مصالح أقطاب الحكم.


حين جرى تسويق الحريري بعد سقوط خيار مصطفى أديب، كانت الفكرة أن يكون الرجل الفرصة الأخيرة التي يمكن أن تعوّم المبادرة الفرنسيّة، ومعها رزم الدعم التي ينتظرها النظام الإقتصادي اللبناني. لكنّ المفارقة كانت أن الرجل تنازل منذ الأمتار الأولى لمسار التكليف والتأليف عن الشروط والسقوف المرتفعة التي فرضها مع رؤساء الحكومة السابقين على مصطفى أديب. وكانت البداية تحديداً من تسليم وزارة الماليّة للثنائي الشيعي.

لم تكمن أهميّة تنازل الحريري عن وزارة الماليّة للثنائي في خرق التوازنات الطائفيّة من خلال تكريس عرف ميثاقي جديد فقط، بل كانت خطورتها الأساسية في تسليم حركة أمل مفاتيح ملفّات المعالجة الماليّة، من الكابيتال كونترول إلى التدقيق الجنائي وخطة الإصلاح المالي وصولاً إلى مفوّضية الحكومة لدى مصرف لبنان المولجة بالتدقيق في أرقامه.
ولعلّ أهمّ مفاعيل هذا التنازل، هو فتح بازار المطالب المتبادلة بين أقطاب الحكم في ما يتصل بحقائب الحكومة المقبلة، مع ما تنطوي عليه هذه المطالب من صراع على مصالح وملفات كبيرة. فعلى سبيل المثال، من سيتمكّن من إقناع جبران باسيل بالتنازل عن وزارة الطاقة بعد أن تنازل الحريري عن وزارة الماليّة للثنائي، مع كل ما يتصل بوزارة الطاقة من ملفّات دسمة تتصل بمصالحه؟

وبالفعل، سقط ملف تشكيل الحكومة في دوامة النزاع المضجر حول طريقة تحاصص الحقائب، وبات الجميع على دراية أن حكومة من النوع الذي يخرج من رحم هذا النوع من الدوامات لن تنفع في تحقيق أي من المطالب أو الإصلاحات المطلوبة لفتح أبواب الدعم الخارجي. عمليًّا، يمكن القول إنّ الفرصة الأخيرة باتت رصاصة أخيرة في رأس محاولة إصلاح النظام في ظل سيطرة نفس المنظومة الحاكمة.


في كل الحالات، لم يكن المرء بحاجة إلى كثير من البحث ليستنتج أن مسيرة الحريري في تشكيل الحكومة لن تنتهي بتقديم الفرصة الأخيرة للّبنانيين، خصوصًا بالنظر إلى موقع الرجل وتاريخه في النظام السياسي. فالحريري ليس سوى رئيس الحكومة السابق الذي غطّى خلال وجوده في الحكم جميع الهندسات الماليّة التي حصلت خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2019. وهو مثّل طوال تلك السنوات الغطاء المثالي لحاكم مصرف لبنان في وجه جميع الانتقادات التي طالت إجراءات تلك الحقبة، وبالأخص الانتقادات التي صدرت عن وكالات التصنيف الإئتماني وصندوق النقد.

ولهذا السبب، لم يكن من قبيل الصدفة أن تبدأ المصارف بتعديل خطّتها الإقتصاديّة بالتزامن مع تكليف الحريري، مع كل ما يعنيه تكليفه من دخول البلاد في حقبة مريحة لأصحاب المصارف مقارنةً بحقبة حكومة حسّان دياب. وفي الوقت نفسه، لم يكن من قبيل الصدفة أن يستعيد حاكم مصرف لبنان عضلاته، وتحديداً من خلال التحضّر لخطوات مؤلمة على المستوى الاجتماعي كرفع الدعم عن السلع الأساسيّة، أو حتّى إتخاذ خطوات قاسية كفرض الكابيتال كونترول على السحوبات بالليرة ورفض التعاون مع شركة التدقيق الجنائي.

بإختصار، لم يكن الحريري سوى الإبن البارّ للنظامين السياسي والإقتصادي، سواء عبر مصالحه الراسخة في هذين النظامين، أو أدوات حلوله التي لا تخرج عن سياق إعادة إحيائهما. ولعلّ الورقة الإصلاحيّة التي قدّمها الحريري في عز الثورة مجرّد دليل على عجزه عن الخروج من أدوات النظامين نفسها. لكل هذه الأسباب، لن يكون الحريري فرصة.