السياسة النقديّة: السلاح الصامت الذي ما زال يعمل

السلطات المشلولة

السلطة التنفيذيّة

مرّ نحو سنة وشهر بعد استقالة حسّان دياب من دون تشكيل حكومة ذات صلاحيات تنفيذيّة مكتملة. اكتفى دياب طوال هذه المدّة بتصريف الأعمال ضمن أضيق نطاق ممكن. وبعد 22 يوماً فقط من تشكيل حكومة ميقاتي، توقّفت الحكومة الجديدة عن عقد أي اجتماعات رسميّة أو اتخاذ أي قرارات أساسيّة. ومنذ نحو شهر، يعيش لبنان في ظلّ حكومة شكليّة، لا تختلف كثيراً عن وضعيّة حكومة دياب بعد استقالتها. هذا باختصار وضع السلطة التنفيذيّة في الدولة اللبنانيّة منذ أكثر من سنة وربع.

السلطة القضائيّة

بات القضاء اللبناني حلبةً تجمع كمّاً لا يُحصى من المسرحيات التي حوّلته إلى جهاز لا يملك أدوات الحل والربط. بين مسرحيّات القاضية غادة عون في قضيّة تحويل الأموال، وحرب دعاوى «كف اليد» الأخيرة، وتمرّد سائر السلطات على الاستدعاءات والدعاوى القضائيّة، وصولاً إلى التشكيلات العالقة في أدراج قصر بعبدا منذ العام الماضي، فقدت السلطة القضائيّة انتظامها وهيبتها، باستثناء الحالات التي تمرّد فيها القضاة بشكل صريح.

السلطة التشريعيّة

أصبح مجلس النواب محكوماً بلعبة الأرانب التي تخرج من تحت القبعات حيث تستدعي الحاجة، ولا يوجد معيار يمكن الركون إليه لمعرفة ما يمكن أن يحرّك مشروع قانون ما، أو ما يمكن أن يدفنه في أدراج اللجان.

الإدارة العامة

طبّعت المؤسسات الحكوميّة العمل ليومين أو حتّى يوم واحد في الأسبوع، نتيجة تدنّي قيمة أجور الموظفين قياساً بمعدلات التضخّم، أو حتّى كلفة الانتقال إلى أشغالهم. السلطة التشريعيّة محكومة.

الأمن والعسكر

تبدو الدولة، في هذا المجال، أقرب إلى قوّات حفظ سلام داخل حدودها. 


السلطة المتبقّية

لكن هناك سلطة واحدة تمارس مهامها بانتظام استثنائي، وبأولويات واضحة للجميع: السلطة النقديّة التي يملكها مصرف لبنان. وهذه السلطة تمثّل الأداة الفاعلة الأخيرة من مؤسسات الدولة، التي ما زالت قادرة على استعمال نفوذها بشكل مؤثّر بهذا الاتجاه أو ذاك. 

تمثّل السلطة النقديّة اليوم الأداة الفاعلة التي ما زالت قادرة على خلق النقد لتمويل أرباح كارتيل مستوردي المواد الغذائيّة، عبر تسديد مستحقات «دعم» سابقة بالليرة اللبنانيّة، وبسعر صرف السوق. مع الإشارة إلى أن هذا الجانب من الدعم بالتحديد، الذي تم تخصيصه لمستوردي المواد الغذائيّة، هو ما لم يُلمس له أي أثر في السوق المحلّية خلال العام الماضي. 

تملك السلطة النقديّة اليوم القدرة على شَهر الفيتو في وجه دفع قيمة مساعدات البطاقة التمويليّة وبرنامج دعم الأسر الأكثر فقراً بالدولار، كما وردت هذه المبالغ من القروض الدوليّة المخصصة لتمويل هذه البرامج. وتملك القدرة على عرقلة تنفيذ هذه البرامج وإبقاء المسألة عالقة في مجلسي النواب والوزراء لأشهر. 

تفاوض السلطة النقديّة اليوم المصارف على آليّات توزيع الخسائر التي ستتضمّنها خطة الحكومة الجديدة. وتملك مفاتيح التنسيق مع لازارد على هذه الآليات بأمر من رئيس الحكومة، كما أكّد ميقاتي نفسه في آخر مؤتمر صحفي له. وفرضت هذه السلطة أخيراً مقارباتها على الحكومة مجتمعة، إلى حد تبنّي الحكومة الجديدة مطلب تعديل حسابات الخطة الجديدة وفقاً لتلك التي قدّمها حاكم مصرف لبنان أمام المجلس النيابي السنة الماضية. 

يطلب اليوم مصرف لبنان من مستوردي البنزين تأمين 10% من قيمة الاعتمادات التي يتمّ تخصيصها للاستيراد بالدولار النقدي، رغم علمه أن آليات تحديد الأسعار المعتمدة من قبل الحكومة لا تسمح بتعديل أسعار البيع وفقاً لسعر صرف السوق السوداء الذي يتبدّل كل ساعة. وهذا الخبر، يفتح الباب عملياً على انفلات سعر الصرف في السوق السوداء، وعلى دخول البلاد دوامة لا تنتهي من ارتفاع سعر الصرف وارتفاع أسعار المحروقات.


بلد محكوم بالسياسة النقديّة

ليس كل ما سبق سوى أربعة نماذج من تطورات الأيّام الماضية، التي تؤكّد أن السلطة النقديّة ما زالت في موقع المبادر في جميع الملفات. ومن بين جميع سلطات الدولة المتهاوية، ما زالت هذه السلطة بالتحديد قادرة على لعب دور أساسي في تحديد مسارات ماليّة أساسيّة، ومن خلالها التأثير على مستقبل البلاد. أمّا الأكيد، فهو أن الحفاظ على دور هذه السلطة لم ينتج إلا من طبيعة المصالح التي تتقاطع تحت عباءتها، والتي لا تحتمل تركها تحت مقصلة التعطيل والتعطيل المضاد، كما يجري اليوم في جميع مفاصل الدولة الحيويّة.

أن يكون البلد محكومًا من قبل سلطة واحدة، هي السلطة النقدية، فهذا يطرح أسئلة جدّية حول طبيعة الحكم الناشئ في لبنان وكيفية مقاومته.

كيف تُجمَع الثروة في يد القلّة؟

أكثر ممّا يملكه 80% من سائر المقيمين توازي وحدها 58% من الناتج المحلّيمن 42% سنة 2019 إلى نحو 82% اليوم 0.86% من الحسابات المصرفيّة وحدها على أكثر من 51% من أموال المودعين تربّح الحلقة النافذة سياسيًّا من الصفقات العموميّة عمليّات تهريب أموال المحظيين إلى الخارج تحييد ثرواتها عن الانهيار المالي المحلّي

الفقر كمشهد: تجميل- تفريغ- تطبيع

 نُحبّ الفقر في مجتمعناالمشاهد حَيّزاً على مواقع التواصل الاجتماعي  يعيش تحت الجسر وبين الكتب  يقرأ على حافة المستوعب  إباحيّة الفقر  الفقر كمشهد  ليش في فقر؟ لأن في غنى