من المرتقب أن يصل مشروع قانون الفجوة الماليّة، بعد إقراره في مجلس الوزراء، إلى لجنة المال والموازنة خلال الأيّام المقبلة، تمهيداً لدراسته وتعديله. وباشر اللوبي المصرفي حملةً إعلاميّة شرسة ضد مقاربات القانون، تهدف إلى رفع سقف التفاوض المرتقب في اللجنة من خلال إغراق الرأي العام بالأكاذيب، ليحصّل هذا اللوبي أقصى ما يمكن تحقيقه في مشروع القانون، وخصوصاً لجهة تقليص الكلفة التي سيتحمّلها في النهاية أصحاب المصارف.
مكتسبات القانون المقترح
قد يكون القانون المقترح بعيداً عمّا يمكن وصفه بالمثالي. لكنّه في حدود الممكن، يؤمّن بعضًا من المكتسبات لمجتمع عانى من نهب المصارف، أكان قبل الأزمة أو بعدها. ويدور السجال الحالي، الذي يترأسه اللوبي المصرفي في غياب قوى مجتمعيّة وسياسيّة قادرة على مقارعته، حول كيفية ضرب هذه المكتسبات لرمي كلفة الأزمة على المجتمع، بعيدًا من المصارف.
تتوزّع مكتسبات القانون على مستويَيْن:
- الحماية التي يوفّرها القانون لصغار المودعين، والتي تتجاوز بأشواط كل ما طُرح في الخطط السابقة.
- الحصانة التي يؤمّنها القانون لآخر الأصول العامّة الاستراتيجيّة المتبقية، أي احتياطات الذهب.
الحملات التي شنّها لوبي المصارف مؤخراً تهدف إلى ضرب هذا الجانب من القانون، أي تجريده من أفضل ما سيقدّمه. رغم ذلك، فإنّ الدفاع عن صيغة القانون المقترحة غير كافٍ، بل يجب أيضًا الضغط لتعديل بعض ثغرات القانون، ما سيفرض مواجهة إضافية مع المتضرّرين من تحقيق المزيد من العدالة في توزيع الخسائر.
الحرب على صغار المودعين
منذ إقرار مشروع القانون في مجلس الوزراء، بدأت حملة إعلاميّة، منسّقة من قبل لوبي المصارف وإعلامه، شكّكت بواقعيّة المشروع لجهة إمكانيّة تسديد كل وديعة لغاية مئة ألف دولار، خلال السنوات الأربع المقبلة. وعكَسَ بيان جمعيّة المصارف الموقف نفسه، ليؤكّد أن مشروع القانون مجرّد وعود فارغة، لن يجني منها المودعون شيئاً.
للتذكير، بحسب مشروع القانون، من المفترض أن تكون هذه الفئة من الودائع الصغيرة محميّةً من أيّ اقتطاعات. وبخلاف خطّة حكومة ميقاتي، لن يتم التمييز في هذه الفئة بين الودائع «المؤهّلة» و«غير المؤهّلة»، ولن يُقتطع منها ما سُدّد سابقاً بموجب تعاميم مصرف لبنان، ولا الفوائد المتراكمة. كما لن تُخفّض قيمة هذه الودائع بدفعات مُسدّدة بالليرة، ولن تُشطب منها مبالغ ناتجة عن تحويلات بين الحسابات، ومن الليرة إلى الدولار.
لجمعيّة المصارف مصلحة في محاربة هذا الجانب من مشروع القانون. فهو يحمّلها 40% من كلفة تسديد هذه الفئة من الودائع، فيما سيتمّ تحميل مصرف لبنان- بما في ذلك احتياطاته- النسبة المتبقية. وخلال المفاوضات التي سبقت إقرار المشروع، كان مطلب المصارف واضحاً: العودة إلى ما يشبه خطّة حكومة ميقاتي، لتخفيض كلفة إعادة الرسملة على أصحاب المصارف.
أكاذيب المصارف
ما يُشاع عن عدم توفّر التمويل كذبة طبعاً. حملة المصارف، المُشكِّكة بمصادر التمويل، ركّزت على كلفة تسديد الودائع الصغيرة، التي تتراوح بين 18 و22 مليار دولار. وهذا ما يزيد بأشواط عن الاحتياطات المتوفّرة بحوزة مصرف لبنان، والبالغة قرابة 12 مليار دولار.
إلا أنّ هذه الحملة تتجاهل الأصول الأخرى التي سيتمّ استعمالها لتمويل سداد هذه الفئة من الودائع، ومنها سيولة المصارف نفسها، وما تملكه من سندات يوروبوند، وسيولة ستنتج عن تحصيل القروض. وجميع هذه التدفقات تكفي لتأمين ما يزيد عن 12.4 مليار دولار. كما تتجاهل الحملة امتلاك 7 مصارف فقط 1,050 عقاراً، بمساحة تتجاوز الـ6.6 مليون متر مربّع.
وما تتجاهله الحملة أيضاً، هو أصول مصرف لبنان التي تضمّ 1,220 عقاراً، بمساحة 43 مليون متر مربّع، فضلاً عن شركات لا تتصل بعمله كسلطة نقديّة، مثل الميدل إيست وإنترا والكازينو. وأخيراً، لم تأخذ هذه الحملات بالاعتبار التدفقات النقديّة المتوقعة، التي ستزيد من احتياطات المصرف المركزي خلال السنوات المقبلة، والتي بلغت العام الماضي ملياريْ دولار أميركي.
باختصار، حملة المصارف هي مجرّد حملة تضليليّة تستهدف تخفيض الحدّ المضمون من كل وديعة، بعد تجاهل ما يمكن استخدامه لضمان هذه الودائع. وإذا فشلت المصارف في محاولتها هذه، فالخطّة «ب» موجودة لديها: تخفيض الكلفة على المصارف، مقابل تسييل احتياطات الذهب في مصرف لبنان، للمساهمة في تسديد الودائع.
ثغرات القانون
في مقابل الجانب الإيجابي من مشروع القانون، ثمّة إشكاليّات ينبغي الضغط لمعالجتها عند تعديله في المجلس النيابي. فعلى سبيل المثال، ينصّ المشروع على استرداد الأرباح التي جرى تحقيقها من الهندسات الماليّة منذ العام 2016، وهو ما يستثني الهندسات التي استفاد منها مصرفا عودة وميد خلال العام 2015، والتي أطفأت بعض خسائرهما. والعدالة هنا تقتضي لحظ هذه الهندسات، واسترداد الأرباح منذ العام 2015.
كما يجب تخفيض المهلة الممنوحة للمصرفيين لإعادة رسملة مصارفهم، أي لتأمين سيولة إضافيّة وضخّها في القطاع، والبالغة خمس سنوات. إذ أنّ هذه المهلة الطويلة غير مبرّرة، وتسمح بإطالة فترة الأزمة. وبينما يفرض المشروع غرامة بنسبة 30% على الأموال المهرّبة للخارج خلال فترة الأزمة، استثنى- من دون أي مبرّر- التحويلات التي جرت بين فروع المصارف، ما يعني تجاهل الأموال المهرّبة من المصارف اللبنانيّة إلى فروعها في الخارج.
أخيراً، لعلّ أهمّ ما يجب معالجته في مشروع القانون، هو تجاهله لأموال النقابات وصناديق التعاضد. إذ سيجري التعامل مع هذه الودائع كسائر الودائع الكبيرة، التي ستتمّ جدولتها بموجب سندات تُسدَّد خلال فترات تتراوح بين 10 و20 سنة. وبطبيعة الحال، من غير المنصف تصنيف أموال النقابات والصناديق بهذا الشكل، نظراً لارتباطها بمصالح مئات آلاف المنتسبين، بما في ذلك تغطيتهم الصحيّة. وعلى النحو نفسه، يفرض الإنصاف لحظ استثناءات للودائع الناتجة عن تعويضات نهاية الخدمة، التي لا يستطيع أصحابها انتظار استحقاق السندات طويلة الأجل.
بعد ورود مشروع القانون إلى لجنة المال والموازنة، من المنتظر أن تراهن المصارف على تأثيرها القويّ في البرلمان، لتحقيق ما لم يتمّ تحقيقه خلال مناقشات مجلس الوزراء. لكن، في المقابل، يمكن لنا الرهان على خشية النوّاب من نقمة شريحة اجتماعيّة واسعة كصغار المودعين، في حال التواطؤ للتفريط بالحقوق التي أمّنها المشروع بصيغته الراهنة. كما يمكن الرهان على حساسيّة شريحة واسعة من اللبنانيين، إزاء احتمالات المسّ بأصول استراتيجيّة كاحتياطات الذهب، لمجرّد تخفيض الأكلاف التي سيتحمّلها المصرفيون.