الصحّة النفسيّة للقمع: أنقذونا من هذه الورشات

أثارت جمعية «إمبرايس» التي تعنى بالصحة النفسية غضبًا على وسائل التواصل الاجتماعي، أمس الخميس، بعد إعلانها عن تعاونٍ مع قوى الأمن الداخلي لإجراء ورشات تدريبية للعناصر حرصًا منها على صحّتهم وصحتنا النفسية. 

ضبّاط وعناصر قوى الأمن الداخلي هم في الخطوط الأماميّة الرئيسيّة في لبنان ويستجيبون لكافة الأزمات ومنها حالات طوارئ الصحة النفسية في لبنان.
— من منشور إمبرايس حول الورشة

صحيح، ولعلّ تمكين عناصر قوى الأمن من الاستجابة الأصح في حالات الطوارئ النفسية قد يساعد الأفراد المتضرّرين على تجاوز أزماتهم. قد تجد شابّةٌ تشتكي على المغتصب مساحةً أكثر أمانًا إذا راعى العنصر صدمتها النفسية. صحيح، قد يستطيع عنصر من قوى الأمن أن يساند عائلةً وجدت ابنها العشريني ممدّداً بصمتٍ على سريره وفي يده علبةٌ فارغة من حبوب مضاد الاكتئاب. قد ينقذ عنصرٌ ما بعد هذه الدورة التدريبية شابّةً تجد نفسها كلَّ يومٍ عند منتصف الليل على سطح بناء منزلها الذي لا تطيق الجلوس فيه وحيدةً. 
كلُّ هذا صحيح. ولعلّه خطوةٌ إصلاحية براغماتية، لكنَّ تجارب الأفراد والمجموعات مع عناصر قوى الأمن لا تتطابق مع الرؤية التي مهّدت لهذه الورشة.

اعتقالات ليلة تكسير المصارف في الحمرا. مطاردات ثكنة الحلو. التحرّش بالمتظاهرات والمعتقلات. 8 آب 2020، والعيون التي قُلعت والأطراف التي كُسرت والخوف الذي زُرع. 

من الذي طاردنا؟ ومن زار كوابيسنا بعد هذه الليالي الطويلة؟ من الذي أعلن الحرب على ما تبقى من صحتنا النفسية تحت هذه السلطة؟ ومن أطلق النار على العدالة بالمسيّل للدموع والرصاص المطاطي؟ من الذي دفع بعلي الهق إلى الانتحار؟ ومن الذي اقتاد بلال عطيّة إلى إضرام الحريق بنفسه؟

لم تتطرّق الورشة التدريبية إلى هذه الأسئلة. ولم تتطرّق إلى الأضرار النفسية التي يتسبّب بها المتدرّبون. ولن تتطرّق. لأنَّ المشكلة ليست في الورشة التدريبية بحدّ ذاتها، بل بالشق البنيوي وبالعنف الممنهج الذي غاب عن هذا التعاون.

مع تزايد الضغوطات الاجتماعية والمعيشية التي نعيشها في لبنان، أخذت جمعية إمبرايس وبالتعاون مع قوى الأمن الداخلي مهمة دعم عناصر قوى الأمن الذين يعانون أيضًا من ضغوط يومية التي يمكن أن تؤثر على صحتهم النفسية.
— من منشور إمبرايس حول الورشة

صحيح، فرَّ 289 عنصرًا وأربعة ضبّاط من قوى الأمن الداخلي بسبب سوء أوضاعهم المعيشية وتدنّي أجورهم واستحالة استمرارهم في الخدمة. فرَّ بعض العناصر وبقي زملاؤهم يخرجون غضبهم وضغوطاتهم النفسية على المتظاهرين. إلا أنَّ العنف البوليسي ليس الـtoxic coping mechanism المفضّلة لدى العناصر لتنفيس حقدهم وتوتّرهم، بل هو جزءٌ من الواجب وحفاظٌ على الأمن والمواطن. لن يمارس أفراد هذه المؤسسة الـmeditation الصباحي بعد هذا التدريب، ولن يلجأوا إلى الـbreathing exercises في وقت الضيق، بل سيترقّبون تظاهرةً ما تفتح لهم تنفيسةً تحترمها وتبرّرها المؤسسة العسكرية. فالمؤسسة التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد تقوم بشكلٍ أساسي على الضغط النفسي الذي يوظُّف في حماية السلطة والقتلة. 

لمواجهة هذه التحديات، تتعاون إمبرايس مع قوى الأمن الداخلي من خلال توفير تدريبات حول الصحة النفسية والتدخل في الأزمات.
— من منشور إمبرايس حول الورشة

صحيح، قد تُحدث توعية الأفراد فرقاً. ولكنَّ هذا الفرق سيبقى فقط على المستوى الفرديّ. لن تضع التوعية حدًّا للاضطراب والاكتئاب واليأس والميول الانتحارية والطوارئ النفسية التي تستجيب إليها قوى الأمن. لن تتبنّى المؤسسة العسكرية بقيمها بعد هذه الورشة التدريبية قضايا الصحة النفسية، فاستمراريتها تعتمد وتتغذّى على القمع الجسدي والنفسي. سوف ينسى العنصر في المرة المقبلة أن يطبّق تعليمات التدريب، ويتذكر تعليمات المؤسسة، وتعود الناجية إلى منزلها لأنّها لا تملك إثباتًا للاعتداء الجنسي، ويُنعى الشاب الذي أقدم على الانتحار على أنّه تعرّض لجلطةٍ قلبية، وتبقى الشابة على سطح عمارتها تنتظر ضوءًا ما يؤجّل لها انتحارها. 

مهمّتنا هي حماية عناصر قوى الأمن الداخلي من الصعوبات النفسية وتأمين لهم الدعم اللازم ليواصلوا مهمتهم في حماية الوطن والمواطن.
— من منشور إمبرايس حول الورشة

حسنًا، لربّما خرج العناصر من التدريب بنفسيةٍ أفضل ولعلّ بعضهم التفت فعلاً إلى أهمية الصحة النفسية. ولكنّهم عادوا بعد التدريب إلى عملهم، إلى المؤسسة التي تحمي الوطن والمواطن فقط إذا عبّر عن غضبه ويأسه بطريقةٍ لطيفة لا تهدّد أركان السلطة. عاد العناصر إلى ثكناتهم وحواجزهم التي تساند السلطة في كلٍّ مرةٍ تقوّي فيها أسباب اضطراباتنا النفسية، في كلِّ مرةٍ تكرّس فيها العنف والترهيب والتمييز والاضطهاد واللاعدالة. يعود العنصر بعد جلسة التوعية إلى مؤسسةٍ تستعمله كأداةٍ لحماية السلطة، ونعود نحن إلى حياتنا بقناعةٍ منّا أنَّ اضطراباتنا النفسية هي نتيحة عاداتنا السيئة وعلاقاتنا الفاشلة وأنماط معيشتنا المؤذية واختلال كيميائي في أدمغتنا. 

المشكلة إذًا ليست في ورشةٍ تدريبية، بل في خطابٍ يعزل بين الفرد ومجتمعه، ويفصل بين الخاص والعام، ويفرّغ الاضطرابات النفسية من بعدها السياسي والاقتصادي، ويحمّلنا مسؤولية تدهور أوضاعنا النفسيّة. إنَّ تشخيص الاضطراب النفسي بأنّه عيبٌ خاص يصبُّ في تطبيع القمع السياسي على المستوى العام ويخفي الأسباب البنيوية التي تقتادنا ببطء نحو اليأس والاكتئاب والقلق وحتى الانتحار، فلا يبقى اللوم على السلطة بكافة أجهزتها وأدواتها، بل علينا. 


وعلى الهامش،
كلّا، ليس صحيحًا. الخلاص ليس في نشر التوعية والورشات التدريبيّة والحلول السطحيّة. الخلاص في التسييس: تسييس حياتنا الخاصة تحت السلطات القمعية، وتسييس خوفنا وغضبنا ويأسنا وحزننا. الخلاص في تسييس عاداتنا السيئة وعلاقاتنا الفاشلة وأنماط معيشتنا المؤذية والاختلال الكيميائي في أدمغتنا.

الثورة كعيادة نفسيّة

وحتى لو أتتْ لحظة العنف لم تعد تعنيه كلمة المستقبل كأنّ الحيّز العام لم يكن فيه خطر تقسيم الشعب طبقاتٍ أفقية وعمودية حيّزاً شاملاً لا شمولياً الواقع اليوم هو الفجاجة ما عادوا بعبعاً من نظرة النقص والدونية الثورة بداية لأثر عميق

خيالات حسّان إنجازاتي

رئيس حكومة يخطف الأضواء المعتمة لا يتوانى أن يتفاخر في مذكراته الخاصة بأنّه ترأس جلسة إفطار عائلي ما كتبه يشبه ما يكتبه طالب في مجلة الحائط خاطب الغرب مهدّداً أوروبا على طريقة أردوغان نحن شعب بطران ولا يعجبنا العجب