المصرف

لم أحبّ يوماً المشوار إلى المصرف. ربّما لم أكن وحيدًا بامتعاضي من النزلة إلى مكان لإتمام عمليات بيروقراطية، غالبًا ما تنتهي بعملية سرقة طفيفة، باتت مع الوقت أقرب إلى الطبيعة الثانية للمصارف.

لكن كان هناك إزعاج خاص لهذا المشوار، على الأقلّ بالنسبة لي. إزعاج الاصطدام بهالة الرصانة والاحترام التي كانت تحاط بها تلك المؤسسات، هالة كنّا مضطرين لاحترامها مع كل معاملة مصرفية. فكنا نعيش في بلد اعتُبِرت فيه المصارف معابد للاحترام الاجتماعي والرصانة الاقتصادية والفعالية المالية. كانت فروع المصارف في كل زوايا المدينة، على شاشات التلفزيونات، وراء النشاطات الثقافية، فوق الطبقة السياسية… وكان رجال المصارف أقرب إلى مجلس أمناء البلد، ضمانته الأخيرة في وجه غوغاء السياسيين وموقع عقلنته الوحيد.

مصرفك مدى الحياة

أصبحت المصارف أقرب إلى عائلتنا، لمدى الحياة… ومعابد نظام ما بعد الحرب. والبرهان: ثبات سعر الصرف. مهما حدث في العالم أو البلد، الثابت الوحيد: 1507


بدأ وشاح الاحترام بالانخداش قبل الثورة.

تزعزع سعر الصرف. تكاثرت إشارات الانهيار. ظهر القلق على وجه موظّفي المصارف. بدأ الإزعاج يتحوّل إلى شيء من الغضب. خافت المصارف من الآتي. أغلقت أبوابها. هرّبت الأموال. وضعت قيوداً على الودائع، قيوداً تحوّلت بسرعة إلى استحالات. وحصلت أكبر عملية سطو في تاريخ القطاع المصرفي.

سقطت هالة المصارف.

تحوّلت من معابد لعقلنة اقتصادية، إلى عصابة من اللصوص غير الكفوئين. لم تكفِهم الأرباح التي جنوها بالماضي، كما لم تكفِ الودائع لإرضاء جشعهم غير المحدود. فأصبح أي تفاعل مع مصرف هو عملية سرقة، يحاول صاحبه نتش ما يمكن شفطه من عمولات.

مصرفك مدى الحياة

تحوّل هذا الشعار إلى عقوبة، إلى علاقة أشبه بالسجن المؤبّد.

أخذت «النزلة» إلى المصرف طابعًا مختلفًا، أشبه بمعركة خاسرة أو مناسبة لتفريغ بعض الغضب المشترك. تحوّلت فروع المصارف إلى ساحات لمعارك يومية بين ممثلي المصارف وضحايا المصارف، تحت رعاية القوى الأمنية. ومع كل انهيار لسعر الصرف، ارتفعت الجدران حول المصارف لحماية أكبر عملية سطو في تاريخ القطاع المصرفي.


لم تكن المصارف المؤسسات الوحيدة التي انفضحت مع انهيار سعر الصرف.

معها، انكشفت المنظومة المالية والاقتصادية على حقيقتها، أي عملية احتيال كبيرة سقط المجتمع ضحيّتها. انهارت المصارف، وانهار أيضًا النموذج الاقتصادي وعملية الإعمار ونمط الاستهلاك الذي ساد منذ تسعينات القرن الفائت. توضّحت الخلاصات المأسوية لتركيبة الأرباح السريعة للمصارف والمضاربة الاستهلاكية والتبعية للتحويلات الخارجية التي قام عليها نموذج ما بعد الحرب.

ربّما كان من محاسن هذا الانهيار أنّه طال نظام قِيَم كان قد بُني حول المصارف ورجالها وجمعيّتها وإعلامييها وأرقامها. ربطة العنق لم تعد إشارة إلى احترام، بل مجرّد تصنيف ضمن فئة اللصوص: هناك اللص الحزبي واللص المصرفي واللص الفاسد، ولكلٍّ منهم طريقة لتقديم نفسه.

مصرفك مدى الحياة

أقرب إلى مرض مزمن…


من يمرّ بأزمة مالية، لا يخرج منها سليمًا.

فالاقتصاد الرأسمالي يقوم على شيء من «الثقة» أو الأسطرة أو التَشَيّؤ.

يحتاج هذا النمط من الإنتاج إلى إيمانٍ ما بالعملة والفوائد والمصارف والأسواق. إيمان بأنّنا عندما ندخل الكارد بالماكينة، سيخرج مالنا الذي حافظ على قيمته وقيمة العمل الذي قمنا به لعقود لتجميعه. ليس المصرف هو ما سقط، بل الثقة-الكذبة المؤسِّسة للنظام الرأسمالي. سنوات من التدريب لنتحوّل إلى كائن رأسمالي مُنتج ومستغَلّ انهارت، واستُبدِلت بكائنات اقتصادية غامضة، مرتابة، يستنفر جهازها العصبي كلما مرّت إلى جانب مصرف.

فقدنا الثقة، ولن نسترجعها.

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


السعادة

هل فعلاً حصد كورونا عدداً أكبر من البشر، أم أصبحنا نشارك نعواتنا أكثر على الفايسبوك؟ حمدالله على نعمة الإيموجي. أصبحت أزرع القلوب الحمراء أينما كان، لا حاجة للكلام. أفضّل تكرار القلوب على تكرار جمل وعبارات فارغة

الفريش دولار

إنّها تضمّ بعضاً مِن موظّفي المنظّمات غير الحكوميّة (الأجنبيّة منها، كما المحليّة ذات التمويل الأجنبي)؛ ومِن موظّفي الشركات الأجنبيّة؛ ومِن العاملين في المؤسسات الصحافيّة والإعلاميّة ذات التمويل الأجنبي؛ ومِن العاملين المُستقلّين («فري لانسر»).