عن الوحش وترويضه: لماذا استهداف رياض سلامة؟

إذا تغاضينا عن الدعاية المدفوعة الأجر لمنح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة صفاته «الاسطورية» وجوائزه «الكاريكاتورية»، يمكننا عندئذ اختصار سيرته كلّها ببضعة أسطر قليلة، ولكنّها أسطر كثيفة جداً تجسّد (بمعنى ما) فصلًا مهمًّا من فصول «قصة اقتصاد» في لبنان التي تحاول «ميغافون» أن ترويها.

تقول السيرة الشخصية أنّ رياض سلامة ولد في سنة 1950 (قبل 70 سنة)، من والدين مهاجرين الى ليبيريا في افريقيا.
أنهى دراسة «إدارة الاعمال» في الجامعة الأميركية في بيروت في سنة 1973، وانتقل مباشرة للعمل في إدارة الثروات الشخصية في شركة «ميريل لينش».
بقي فيها 20 سنة يخدم الأثرياء، ومنهم المقاول اللبناني/ السعودي رفيق الحريري، الذي كان قد حظي بثروة شخصية كبيرة من عمله مع «العائلة الملكية» في السعودية وتأديته أدوارًا ووظائف لها في مجالات «السياسة» و«التمويل» و«الأعمال».
في تلك الفترة، نشأت بين رفيق الحريري ورياض سلامة علاقة عمل «مثمرة» على ما يُقال. حصد الحريري المزيد من الأرباح في مضارباته المالية التي أدارها سلامة بجدارة. وفي المقابل، كسب رياض سلامة ثقة الحريري وإعجابه به وبمهارته وبولائه، حتى ضمّه إلى حلقته الضيقة التي عاونته في استعداداته لتولّي رئاسة الحكومة سنة 1992، بعد موجة مضاربات واسعة على سعر صرف الليرة.
وبعد اشهر قليلة، في سنة 1993، عيّنه في منصب حاكم مصرف لبنان، ليلعب دورًا محوريًا في إدارة مشروعه المثير للجدل لإعادة الإعمار بعد الحرب.


بالنسبة إلى رياض سلامة، تفيد سيرته أنه أمضى حتى الآن أكثر من 38% من حياته كلّها حاكمًا في مصرف لبنان، أو أكثر من 57% من حياته في العمل بعد الدراسة. أمّا بالنسبة إلينا، فإنّ نحو نصف سكان لبنان تقريبًا لم يكونوا قد ولدوا عند تعيينه. وإذا أضفنا إليهم الذين لم يكونوا قد تجاوزوا حينها سنّ 18 سنة (مواليد الحرب الأهلية بعد سنة 1975)، فهذا يعني أن 68% تقريباً من السكان اليوم لم يعرفوا غيره حاكمًا في مصرف لبنان، ولم يختبروا سواه في إدارة اكثر الميادين خطورة على الاقتصاد والمجتمع: ميدان النقود. وبالنسبة إلى «الاقتصاد»، فإنّ القصّة التي ترويها سيرة رياض سلامة تتعلق بالطريقة التي استطاع فيها المتحكمون برأس المال والدولة والعلاقات الخارجية من التعاون وتشكيل طبقة أوليغارشية مالية وتجارية انتزعت الحصة الأكبر من الدخل والموارد وراكمت الثروة والسلطة وريوعهما.

هذا العام، اكتسب رياض سلامة لقباً جديداً، فقد سجّل رقمًا قياسيًا لأطول ولاية متواصلة قضاها شخص واحد على رأس بنك مركزي على صعيد العالم (وربما في التاريخ). فقد غلب رياض سلامة محافظ البنك المركزي الأوزبكي فوز الله مولادغانوف، البطل الدولي السابق الذي أمضى 26 سنة متواصلة في موقعه (1991- 2017)، ولكنه للأسف خسر السباق بالوفاة. ويحلّ في المرتبة الثالثة اللورد مونتاغو نورمان، محافظ بنك إنكلترا لمدة 24 سنة (1920-1944)، ولذلك من المرجّح ان يحتفظ رياض سلامة بلقبه الجديد لفترة طويلة حتى لو تم إخراجه الآن من مصرف لبنان.

طبعًا، لا نحتاج الى تذكيرنا بأنّ نبيه بري (مثلًا) أمضى 28 سنة متواصلة في منصبه على رأس مجلس النواب، وأنّ رياض سلامة هو «الموظّف» بينما نبيه بري وأمثاله هم «المسؤولون» ويجب محاسبتهم. حسنًا، هذا صحيح: نبيه بري مسؤول أكبر من رياض سلامة، ولكن ميلتون فريدمان، أحد أبرز آباء النيوليبرالية الاقتصادية ونظريات السوق الحرّة وكره الدولة، هو (وليس كارل ماركس، وحتماً ليس حزب الله) الذي حذّر من أنّ النقود أخطر من أن نجعلها بين أيدي موظّفي البنوك المركزية.


لقد أكّدت التجربة اللبنانية صحّة هذا التحذير تاريخيًا، وها هو «الموظّف» قد أضاف إلى سيرته أنه أدار أحد أكبر «مخططات الاحتيال» المعروفة باسم «هرم بونزي». وفي ظل إدارته، وقع أكبر انهيار مصرفي معروف عبر التاريخ قياسًا إلى قيمة الودائع بالعملة الصعبة «مجهولة المصير» في حسابات البنك المركزي والبنوك التجارية وفي البلد عامة. نعم، لا يتحمّل «الموظّف» وحده مسؤولية الاوضاع البائسة التي وصلنا اليها، ولكنّ حاكم مصرف لبنان ليس موظفًا عاديًا «مغلوبًا على أمره»، كما يجري تقديمه الآن بعدما كانت الدعاية المدفوعة الأجر تقدّمه كشخص استثنائي «فوق العادة». فالبحث في مسؤوليته لا يخصّ دوره كموظّف يشغل منصبه نفسه منذ 27 سنة متتالية، بل يخصّ وظيفته في إدارة «جهاز مصرفي» جرى تطويره بمثابة «لاعب احتياط» يستبدل نظامًا سياسيًا عطّلته مزاعم «الديموقراطية التوافقية» و«العدالة الطائفية» و«الصراعات الإقليمية»، أو بمثابة «جهاز مستقلّ» يستعيض عن «هذه الدولة» في إدارة الاقتصاد والمجتمع (الإنتاج والاستهلاك والادّخار والاستثمار وتجديد رأس المال) وإدارة توزيع ناتج عمل المجتمع (الريوع والأرباح والأجور والتحويلات).

في كتابه الشهير «رأس المال في القرن الحادي والعشرين»، يقدّم توماس بيكيتي شرحًا مبسّطًا لما تقوم به البنوك المركزية في الواقع الملموس. يقول:

من المهمّ أوّلاً أن نعرف أن البنوك المركزية في حدّ ذاتها لا تخلق الثروات، هي فقط تعيد توزيع الثروة. وبشكل أدقّ، عندما يقرّر البنك المركزي أن يخلق مليار دولار إضافية، من الخطأ أن نتخيّل أنّ رأس المال القومي يزيد بالقدر نفسه. في الحقيقة، لا يزيد رأس المال القومي حتى بدولار واحد، لأن العمليّات التي يقوم بها البنك المركزي دائماً تكون عمليّات إقراض. وهي تؤدّي بحكم التعريف إلى خلق أصول وخصوم مالية يعوّض بعضها بعضاً تماماً في اللحظة التي تطرح فيها.

ويضيف بيكيتي في هذا الصدد:

قد يكون من المدهش إذا تمكّنت البنوك المركزية بشحطة قلم بسيطة أن تزيد من رأس مال بلادها والكون كلّه في اللحظة نفسها، الأمر كله يعتمد فيما بعد على أثر تلك السياسة النقدية على الاقتصاد الحقيقي. إذا كان القرض الممنوح من البنك المركزي يسمح للمجتمع المعني بأن يخرج من عثرة، وأن يتفادى بذلك إفلاساً محقّقاً (إفلاس قد يؤدّي إلى نقصان رأس المال القومي)، فإن ذلك قد يمكّننا من القول، بعد أن يستقر الوضع ويُسدَّد القرض، إن قرض البنك المركزي قد سمح بزيادة الثروة القومية (أو على الأقل حال دون نقصانها). وبالعكس، إذا لم يؤدِّ القرض إلّا إلى تأجيل الإفلاس الذي لا مناص منه في المجتمع، يمكننا اعتبار أن تلك السياسة النقدية قد أدّت في النهاية إلى تخفيض الثروة القومية.

انطلاقًا من هذا الشرح البسيط لوظيفة البنك المركزي، لا يعود رياض سلامة مجرّد «موظّف» صاحب اطول ولاية لحاكم بنك مركزي، بل إنّ مصرف لبنان تحوّل في ولايته إلى وحش مالي حقيقي يجدر ترويضه. فعندما عُيّن رياض سلامة في منصبه سنة 1993، لم تكن ميزانية البنك المركزي تتجاوز 70% من مجمل الناتج المحلّي. ومنذ ذلك الوقت، ارتفعت هذه الميزانية بوتيرة مستمرة لتبلغ نحو 270% في سنة 2019، وأصبحت بذلك الميزانية الأضخم بين جميع البنوك المركزية في العالم (بالاستناد الى نسبة الميزانية من مجمل الناتج المحلي). وهذا ليس مؤشرًا جيّدًا بكل المقاييس، ولا يعدّ من الأرقام القياسية التي يُحتفى بها، بل هو أحد التعبيرات المُقلقة على رسوخ المصالح المالية وهيمنتها على الاقتصاد اللبناني، واستنزافها الموارد من دون خلق أي ثروة، وزيادة اللامساواة في توزيع الدخل.


ما جرى لم يكن حادثًا، وإنّما له جذور عميقة تعود لنشأة البنك المركزي في لبنان بموجب قانون النقد والتسليف سنة 1963، الذي جاء ثمرة مساومات مديدة مع المصرفيين، ضمنت نتائجها لهم مكاسب وامتيازات جمّة، منها:

– المحافظة على قانون «سرية المصارف» الصادر سنة 1956، وتعميمه على عمليات المصارف مع مصرف لبنان وإخضاع لجنة الرقابة على المصارف لموجباته عند إنشائها في سنة 1967.

– ترسيخ حرية حساب رأس المال (عدم تقييد التحويلات وتبديل العملات).

– تغليب دور مصرف لبنان كبنك البنوك على دوره كبنك الدولة.

– إشراك جمعية المصارف، وهي مجموعة ضغط (لوبي)، في اختيار المجلس المركزي (أعضاء الهيئة التقريرية) ولجنة الرقابة على المصارف (أعضاء الهيئة الرقابية)، ومنح هاتين الهيئتين استقلالية واسعة عن السلطات الدستورية (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وعن الآليات المعتمدة في سائر مؤسسات الدولة.
– إعطاء البنك المركزي صلاحيات استثنائية دائمة لخلق النقود وتصميم السياسات والأدوات النقدية والهندسات المالية، وجمع هذه الصلاحيات كلّها لدى حاكم مصرف لبنان، ومنحه حصانة استثنائية أيضاً من أيّ مساءلة سياسية أو إدارية أو قضائية طيلة مدّة ولايته، وتكليفه بمسؤولية جميع الهيئات التقريرية والرقابية والإشرافية وذات الطابع القضائي المعنية بالعمل المصرفي والأسواق المالية…

لقد مضت 57 سنة على إنشاء مصرف لبنان، وتناوب 6 حكام على إدارته، جاؤوا جميعهم من خلفية قانونية ومن العمل السياسي، ما عدا رياض سلامة جاء من خلفية أسواق المال والمضاربات. وهو في حال بقي في منصبه حتى نهاية ولايته سنة 2023، يكون قد أتمّ 5 ولايات متتالية تساوي زمنياً المدة التي قضاها الحكام السابقين مجتمعين. ولكن ما يهم في هذا الحساب، أنّ مصرف لبنان وحاكمه حظيا على مدى ربع القرن الأخير باستقلالية وحصانة في إدارة الاقتصاد والتمويل وإعادة التوزيع أكبر بكثير وأوسع من كل الولايات السابقة. وقد ساهم ذلك بشكل واضح في زيادة تركيز الثروة لدى عدد قليل جدًا من الناس، إذ أنّ أقلّ من 1% من الحسابات المصرفية استحوذت على أكثر من نصف الودائع التي تكدّست في المصارف والديون طيلة الفترة الماضية. وسجّل لبنان أحد أعلى مستويات التفاوت في توزيع الثروة على صعيد العالم، إذ بلغت حصّة أغنى 10% من السكان نحو 70% من مجموع الثروات الشخصية المقدّرة بنحو 232.2 مليار دولار في سنة 2019.


إذا كانت وظيفة البنك المركزي الرئيسة هي إعادة توزيع الثروة وتركيزها لدى «الأقليّة السعيدة»، فإنّ رياض سلامة يكون «الموظّف» الذي أثبت جدارة استثنائية في تأدية وظيفته، وبالتالي من واجب «الرابحين» ان يحموه ويدافعوا عنه ويمنعوا محاسبته. ولكن ماذا عنّا نحن «الخاسرين»؟

وفق تقديرات صندوق النقد الدولي الأخيرة، سجّل مجمل الناتج المحلي انكماشًا حادّا بنسبة 25% في هذه السنة، وانخفض دفعة واحدة من 52.5 مليار دولار في عام 2019 إلى 18.7 مليار دولار في عام 2020، وبات يساوي اليوم ثلث قيمته (تقريبًا) في عام 2018. وعاد إلى مستواه كما كان في عام 2002، أي أنّه خسر 18 عامًا من النمو الاقتصادي المزعوم، وهذه خسارة فادحة جدًّا. ويعتمد الصندوق على تقديرات الأمم المتحدة لعدد السكان في لبنان البالغ نحو 6.8 مليون نسمة. ويستنتج أنّ متوسّط حصة الفرد من مجمل الناتج المحلي انخفضت بحدّة من 7660 دولارًا في العام الماضي إلى 2740 دولار، أي أنّه عاد إلى مستواه في عام 1994 قبل 26 عامًا.

ويتوقع الصندوق أن يرتفع معدّل التضخم (التغيّر السنوي لأسعار الاستهلاك في نهاية السنة) بنسبة 144.5%. وهو مستوى قياسي لم يسجّله منذ عام 1992، ولكنه لا يزال أدنى من المستوى الذي سجّله في عام 1987والبالغ 741.2%، وهي فترة الموجات التضخمية المتتالية التي حصلت بين عامي 1984 و1992، والتي كانت «الصدمة» التي سمحت بإعادة هندسة شاملة للمجتمع اللبناني، وسمحت للطبقة الأوليغارشية المعاد تشكيلها في الحرب تنفيذ مشروعها للاستحواذ على الثروة ومراكمتها وتركيزها عبر البنك المركزي بإدارة موظّفها الموثوق جدا:
رياض سلامة.

عن التضحية في ظلّ المجتمع الأوليغارشي

من سيتحمّل كلفة هذا الانهيار؟ دائني الدولة أن يستفيدوا من الفوائد المرتفعة مصالح محتكري الاستيراد والمصارف وكبار المودعين انخفض العجز في الحساب الجاري الناس من جهتها «ضحّت» عجز إجمالي ميزان المدفوعات تهريب الودائع والرساميل

اقتصادهم النيوليبرالي وأحلامنا المحدولة

الآلاف عانوا من محدلة الاقتصاد على مدى عقود لإيهام المتضرّرين أن بلاءهم سببه «فساد» بشخطة قلم، يحدل القطاع الخاص أحلام آلاف الطلاب أعلى زيادة في نسبة المشاعر السلبية مدخل لحل الأزمة الاجتماعية عمومًا