انقلابٌ فلسطينيّ على العصر

في ظلّ انجراف الثقافة المهيمنة عالمياً صوب التجزيء ضمن عملية الهضم/الهدم الحضارية الكبرى، ينتصب الجسمُ الفلسطينيّ مشهِراً وحدته في وجه أعتى وأعنف أدوات هذا الهدم.

على بعد كيلومترات قليلة من حيث أجلس، انقلبت العولمة على رأسها.

آلة كبرى تفكّك كل شيء إلى جزيئات منفصلة عن بعضها حتى تبتلعها في جسدٍ لا وجه له، تتبدل تضاريسه مع أسهم السوق. وها هو المشرذَم يدرك وحدته مجدداً، وتحديداً من باب التفكيك الذي يقلبه إلى تركيب.

ها هي فلسطين تفخّخ الآلة.

عند هذه المحطة الثورية الكبرى، تزيل فلسطين الحدود تماماً بين أصالة وحداثة، بين قديم وجديد. تلغي الحركة التحررية في الجغرافيا الفلسطينية الحدود أيضاً بين العمل السياسي والممارسة الفطرية، لأنها أساساً وفي السياسة نفسها تذيب إلى أقصى الممكن حدودَ الاستقطاب السياسي والايديولوجي.

فمَن المقاومة في غزة؟ الممانعة أم الإسلام السياسي؟ إيران أم الإخوان؟
ومَن المقاومة الفلسطينية الآن؟ إسلامية؟ قومية؟ يسارية؟
وما أدوات الصراع؟ تقليدية أم حديثة؟

… لا بل في ميدان المواجهة كلّ ذلك وأكثر. في الميدان لحى مُطلقة وشوارب محفوفة، وفيه قصات شعر على سُنن لاعبي الفوتبول وملابس وأحذية رياضية من ماركات عالمية أغلبها تقليد.

في الميدان كلّ أعمدة الواقع المجتمعي المفتوح.

في الميدان، فحولةٌ تاريخيةٌ تستحضر صلاح الدين الأيوبي وأبا عبيدة الجراح، وفيه نسويةٌ عضويةٌ، وفيه حتى سلاح «فردي» كان بعضه يقتل الفلسطيني قبل ذلك وصار اليوم موجَّهاً إلى مكانه الصحيح.

في الميدان، خرجت الأمومة الشعبية الكامنة إلى الثأر الجماعي، فتآلفت الأجزاء التي كانت الآلة قد عملت بدأب على تقطيعها. تآلفت فعادت وحدة الجسد الحقيقية الكاملة، أقرب من أي وقت مضى، مغريةً أكثر من أي وقت مضى.

يقول المتشائمون إنّ ما هذا إلا وميض لحظة ستنتهي سريعاً. لكنّ وحدة الجسد والهوية لا تحتاج أكثر من وميض كهذا لتستقرّ من جديد كحقيقة تاريخية غير قابلة للمساومة. ليستقر وجودنا كفلسطينيين ولبنانيين وسوريين وأردنيين ومصريين و…. كحقيقة غير قابلة للمساومة.

يشتعل هذا الوميض اليوم في ظلّ مرحلة تهدّدنا جميعاً في وجودنا. ونحن في لبنان تحديداً نختبر هذا التهديد جدياً. هنا نلتقط هذا الرنين التوحيدي الذي يتحدّى ثقافة عالمية سائدة ويُبطل حتى نظرياتها.

الملفت في هذا النهج التوحيدي الجديد أنه آتٍ من التفكّك نفسه.

فعندما بلغ التجزيء ذروته، كان لا بد لبلدوزر العولمة أن تحاول القضاء نهائياً على الرمز. لأن الرمز هو ما يجمع. وهنا حدث ما لم يكن محسوباً.

لأن الآلة التجزيئية تجاوزت تفتيت الهوية إلى تفتيت النفس وتغريبها التام، أضاء الرمز في وعي الأجزاء كمعنى جديد ممكن في وجه العبثية المُطبقة على أفق المسلوبي السيادة. في وجه اختناق المستعمَرين المستضعفين في الأرض.

هكذا صار الرمز القدسي العتيق جديداً ايضاً وانقلب تهديده إلى نداء توحيدي تجاوز بكثير حدود القدس وفلسطين.

الشعار الجارف لهذا العصر كان الهوس الذي زرعه طوفان الاستهلاك، بالخلاص الفردي نحو الكلبيّة الكاملة. تجمّله من هنا وهناك أيديولوجيات بيئية زائفة ومحاولات استيعاب للسياسات الجندرية، وما هي إلا تعبيرٌ عن تحوّل في حسابات الربح لدى المهيمن، نحو أسواق جديدة وسلعٍ عديدة. 

وها هم «البراغماتيون» الذين يسمّوننا «أيتام العولمة» يتهموننا بـ«العاطفية». لكن التهمة الحقيقية هي أننا وبالروحية الفوق-دينية التي أيقظتها فينا فلسطين، نجعلهم هم أيتام حضارة وإنسانية.

التهمة الحقيقية هي أننا ننسف لبنةً أساسيةً في درب فرضياتهم المعبّدة نحو الخضوع: لا، الفردُ ليس فرداً فحسب، بل هو أيضاً الجماعة لا محال، والجماعة ليست ما هي الآن فحسب بل هي أيضاً كلّ تاريخها. والعقلانية التي يرفعونها في وجه إيماننا ليست واقعيةً ما في وجه سحريّة أذهاننا المفترضة، بل هي غياب التاريخ عن قراءتهم للواقع في استسلامهم لوهم نهايته على يد النموذج الأوحد الذي تفرضه آلة الهضم العالمية المسيطرة.

التهمة الحقيقية هي أننا نعيد الروحَ إلى الواجهة كحقيقةٍ سيادية في الدرجة الأولى، لا كجمادٍ مَتحفيٍّ ماضويٍّ، بل كقوة مبدعةٍ تتجاوز الجسد. تتجاوزه لأنّها تعي جيداً امتداد الجماعة في الفرد وامتداده فيها. لا لأنها تهمل الفردَ، بل لأنها تراه جيداً في كليّته. هذه الروح لا تنسفُ معادلات عسكرية وسياسية فحسب، بل تهزّ جدياً جوهر النظريات المعاصرة السائدة عن الحدود بين الجزء والكلّ.

ربما ما زالت أجسامنا الوطنية هشّةً طرية العود في تخبّطاتها التاريخية نحو السيادة، لكن النضوج الذي يرتسم في وثبة الجسد الفلسطيني ينبئ بأن أموراً قدسيةً في علاقتنا مع هذه الأرض وتاريخها تحمينا ريثما…

مــــــلــــــف
أنقذوا حيّ الشيخ الجرّاح

«أنقذوا حيّ الشيخ جرّاح» ليس عنوانًا لملف عادي، حول مسألة أو موضوع يدعى عدد من الكتّاب والكاتبات للمساهمة به. فليس للكلام معنى في لحظة التهجير والقتل من قبل قوى استيطانية. «أنقذوا حيّ الشيخ جرّاح» ليس عنوانًا لملف، هو دعوة للتضامن، أو مناسبة لكتابة تضامنية، تبحث بالمجال الضيق للكلام عن إمكانية للتضامن السياسي. «أنقذوا حيّ الشيخ جرّاح» ليس عنواناً، بل هو المضمون نفسه.


المعاني المتعدّدة للاحتجاجات الشعبيّة الفلسطينيّة

المشاركة العارمة لجميع اطياف المجتمع الفلسطينيجذورها في عام 1948جميع الأطراف المناصرة للحرية انتماء فلسطينيي الداخل واقصائهم كجزء من الشعب الفلسطيني سياسات الاستيطان والاستيلاء الذي يتعرض له أهل القدس الفلسطينيين ممارسات الاهانة والتحقير نخبه الحاكمة و«نرجسية الطباع» التي تتمسك في بقائها في السلطة الشباب حاضراً في الميدان تحدّي استعادة حقوقها والتحرّر من عبء البطريركية والاستعمار في آن واحد

أن يختار التْرَند متى تكون فلسطين كوول ومتى لا تكون، وأن يفشَل

وهنا القَول بأنَّ المقاومة بطبيعتها مضادّة لمجتمع المشهد: والمقاومة تعني المقاومة بكافة أشكالها، دون استنسابية أو تفضيل او اشتراط؛ من المادة الإعلامية التي قدّمها الأخوان الكرد في الشيخ جرّاح، إلى صواريخ أبو عُبَيدة في غزّة. هؤلاء، تخطّوا الوهم الذي يحجب الحقيقة على حساب صورة الحقيقة، اخترقوا ستارَة «مجتمع المشهد».