تعليق العهد العونيّ
علي نور الدين

باسيل: مواقف للمتاجرة والابتزاز

2 كانون الأول 2021

منذ أيّام، يعمل حزب الله على إنضاج تسوية بين حليفيه حركة أمل والتيار الوطني الحر، أو بالأحرى: على مقايضة بين ملفَّيْ قانون الانتخابات النيابيّة وتحقيقات انفجار مرفأ بيروت، حيث تقوم هذه المقايضة على:

قبول المجلس الدستوري مراجعة تكتّل لبنان القوي، والتي طعن بموجبها بالتعديلات التي أجراها المجلس النيابي على قانون الانتخابات. مع الإشارة إلى أنّ التعديلات التي يطعن بها التيّار هنا هي تلك التي أفضت إلى تقريب موعد الانتخابات لغاية شهر آذار، بالإضافة إلى ضمّ أصوات المغتربين إلى أصوات المقيمين في الدوائر الانتخابيّة المحليّة بدل تخصيص ستة مقاعد منفصلة لهم.

وفي المقابل، 

يوافق التيّار على تأمين نصاب جلسة لمجلس النوّاب، لإقرار صلاحيّة المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء في ملف انفجار المرفأ، لتحييد حسّان دياب والوزراء السابقين عن استدعاءات القاضي طارق البيطار. وهنا، سيكون التيّار قد وفّر «الميثاقيّة» المطلوبة لهذه الجلسة، من ناحية الغطاء المسيحي، بمعزل عن إمكانيّة تصويته لصالح هذا المقترح.

ما يؤكّد وجود هذا المسعى لم يكن فقط تسريب هذه المداولات على مدى الأيّام الماضية من قبل العديد من الوسائل الإعلاميّة، ومنها الصحيفة الأكثر تبنّياً لرواية حزب الله بخصوص الملف، أي جريدة «الأخبار». فآخر تصريحات النائب آلان عون التلفزيونيّة، الإثنين، أظهرت أيضاً إيجابيّة مستجدّة من قبل نائب تكتّل لبنان القوي تجاه مراجعة صلاحيّة بيطار في ما يخص محاكمة الرؤساء والوزراء. وقد مثّلت هذه التصريحات انقلاباً في موقف التيار الذي قاطع آخر جلسات المجلس النيابي التي حاولت إحالة ملف الوزراء المتّهمين إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وهو ما أفضى إلى تطيير الجلسة.

باختصار، بعد استعراض باسيل لنظافته في رفض إقحام السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة بعمل السلطة القضائيّة، وبعد استعراضه الحرص على ملف التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت، عاد الرجل مجدداً للمساومة والمقايضة في هذا الملف بالذات. أمّا ما يعرقل التسوية، بحسب جميع الصحف التي تحدّثت عن هذه المداولات، فهو محاولة باسيل الاكتفاء بتأمين نصاب الجلسة، وإعطاء المقترح عدداً محدوداً من أصوات التكتّل بما يكفي لتمريره. وهذا ما يرفضه برّي الذي يصرّ على الحصول على جميع أصوات تكتّل باسيل، في مقابل تقديم تنازلات بحجم الطعن بقانون الانتخابات.


في كلّ الحالات، لا يمثّل سلوك باسيل في هذا الملف استثناءً مفاجئاً في طريقة تعامله مع جميع الملفّات، لناحية لجوئه إلى المزايدة الأخلاقيّة ورفع السقف في الخطاب الإعلامي بوجه تجاوزات الآخرين، ومن ثم الإتجار بهذه المواقف والمقايضة، دون أن يقوم فعلاً بأي مواجهة فعليّة ضد هذه التجاوزات.

أوّلاً، في ملف حاكم مصرف لبنان:

قام باسيل منذ 2019 بحملة شعواء على رياض سلامة، من خلال تحميله أقصى درجات المسؤوليّة في قضايا تدهور سعر الصرف، وعرقلة الإصلاحات المطلوبة دوليّاً من لبنان. لكنّ خطاب باسيل الإعلامي وتهويله بإقصاء الحاكم عن موقعه لم يقابله أيّ مسعى جدّي بهذا الإتجاه، وخصوصاً في مجلس الوزراء حيث امتلك باسيل الحضور السياسي الأكبر أيام حكومة دياب. بل وعلى العكس تماماً، كان باسيل يستفيد من هذه الضغوط التي يمارسها على الحاكم للمقايضة لاحقاً، وانتزاع مكاسب في ملف الدعم الذي استفاد منه المقرّبون من رئيس التيار. 

ثانياً، في ملف توزيع الخسائر:

حمل باسيل شعار تحميل المصارف كلفة الأزمة، وطالب باحترام الخطّة التي عملت عليها حكومة حسّان دياب. لكنّ هذه التصريحات تلاها عمل تكتّل لبنان القوي على الإطاحة بخطّة دياب داخل المجلس النيابي، بالتكافل والتضامن مع جميع الكتل النيابيّة الأخرى. ومرّة أخرى، كان التيّار يتاجر بالمواقف الإعلاميّة، قبل يذهب بالإتجاه المعاكس تماماً في اللحظة الأخيرة. 

وعلى هذا النحو، يمكن تعداد عشرات الأمثلة المماثلة في تاريخ التيّار الذي اشتهر بكتاب الإبراء المستحيل قبل أن يصبح الإبراء ممكناً بعد التسوية الرئاسيّة، وما رافقها من تقاسم لمشاريع لا تُحصى بين التيار العوني وتيار المستقبل. 


وضع المواقف ذات السقف العالي، واستخدامها للإتجار والابتزاز، ليس سوى سمة من سمات العمل السياسي للتيّار منذ زمن طويل. لكنّ الفارق الأساسي اليوم هو أنّ هذا الإتجار يجري بملف التحقيق بإحدى أكبر الجرائم التي شهدتها العاصمة بيروت في تاريخها.