تجربتي الـNegative مع الكورونا (2/2)

هذا ا النص هو الحلقة الثانية والأخيرة من قصّة فيفيان عقيقي مع الكورونا. وكانت فيفيان قد تحدّثت في الحلقة الأولى عن الهلع والانتظار والشعور بالذنب.

في الصباح، شعرت أنّني أفضل. استحممْت وبدّلت ملابسي. أخذت اللابتوب وقمت بالكثير من العمل. تلقّيت اتصالات كثيرة، من ضمنها اتصال من عقيد في قوى الأمن، لكن هذه المرّة ليس لاستجوابي بسبب بوست عن المصارف، بل كي يتمنّى لي الشفاء. اتّصلت بي أيضاً إحدى المديرات في المستشفى بعدما وصلها ما كتبتُه قبل يوم على صفحتي.

قلت لها:

«يعطيكم العافية. تعملون باللحم الحيّ. دولتنا كاذبة، وأنتم الوحيدون الذي تقومون بالفحوص، كلّ لبنان يصبّ عندكم، ولا توجد معدّات كافية، حتى موازين الحرارة ليست صالحة لأنها لا تعطي الحرارة الصحيحة. لكن عن أيّ إجراءات يتكلّمون؟ في المساء الذي سبق، قال وزير الصحّة في مقابلة تفلزيونية أن المستشفيات الحكومية ستجهَّز بعد ثلاثة أسابيع؟ هل يمكن الانتظار؟ أين سلطته على المستشفيات الخاصّة خصوصاً في ظرف استثنائي؟ وعن أي تعبئة يتحدّثون طالما لا يوجد من يساعد في تنظيم الوضع أمام الطوارئ بدلاً من الفضوى الموجودة؟»

ردّت: في فمي ماء!

لا يمكن لوم الطاقم الطبّي، فهم يقومون فعلاً بما أمكنهم. ولا يمكن تحميل الحكومة الحالية تبعات فشل السلطة ونظامها الصحّي وبنيتها التحتية الصحّية، لكن لا يمكن أيضاً اعتبار ما تقوم به الحكومة هو أفضل الممكن.

تملك الحكومة سلطة اتخاذ ما تريده من قرارات، كان يمكنها أن:

  • تُلزم المستشفيات الخاصّة بتقديم الفحوص والطبابة مجّاناً ريثما تجهّز مستشفياتها الحكومية، تحت طائلة سحب الرخص أو فرض الغرامات.
  • تفرض اقتطاعات مالية فورية لشراء المعدّات اللازمة وتجهيز المستشفيات وتعويض المعطّلين عن العمل والذين هم بحاجة للدعم.


لكنّ الحكومة قرّرت التعامل مع الوباء بالأمن لا بسياسات صحّية واجتماعية واقتصادية.


كان يوماً طويلاً. تارةً ترتفع الحرارة، وتارةً تنخفض. حلّ المساء ولم تخرج النتيجة بعد. عند الساعة 6:45 اتصل بي الدكتور حبيب إلى غرفة العزل في مستشفى رفيق الحريري:

– بونجور فيفيان معك دكتور حبيب.
– بونسوار دكتور مش بونجور.
– أوف مرق النهار.
– ردّيت ضاحكة: أنا على عكسك ما كان عم يقطع.
طيّب مش رح طوّل، نتيجتك Negative بس بدّك تضلّي بالحجر 4 أيام بعد لتطبقي الـ14 يوم من رجعتك من السفر.

كتبت فوراً رسالة من كلمة واحدة مُرفقة بوجهين ضاحكين (Negative 😀😀) وأرسلتها إلى لائحة تضمّ الجميع، أهلي، رفيقي، أصدقائي، وكلّ من كان ينتظر النتيجة معي. لقد كان هذا الامتحانَ الوحيد الذي فرحت برسوبي فيه. فرحت بكلمة Negative التي سمعتها بعد 42 ساعة من الانتظار والقلق.

لم يكن قلقي سببه الخوف على نفسي، لأني شابّة ومناعتي قويّة وسأتمكّن من التغلّب على الكورونا، أقلّه هذا ما قرأته في المقالات العلمية. لكنّي خفتُ من احتمال أن أكون قد نقلت العدوى لأحد ما في بلد ندرك جميعاً أنّ أيّ اعتلال، لا وباء مثل الكورونا، سيؤثّر سلباً على حياة الناس فيه. ذلك أنّهم إمّا عاجزون عن تحمّل الأوجاع بسبب أمراض مزمنة لديهم أو بسبب كلفة العلاج في ببلد لا طبابة مجانيّة فيه، وإمّا لكونهم سيتوقّفون عن العمل، ولن تعوّض الدولة لهم أيّام التعطيل ولن تلزم أصحاب العمل القيام بذلك.


بعد صدور النتيجة، زالت نوبة الهلع، وزال معها الشعور بالذنب. لكن برزت معضلة أخرى: عليّ أن أحجر على نفسي أربعة أيّام إضافية في المنزل. في غرفة لوحدي. إنها معضلة لأسرة مؤلّفة من خمسة أشخاص، ولديها منزل مؤلّف من غرفة نوم واحدة ودار. جواب المستشفى كان: «أحجروا على أنفسكم كلّكم لأربعة أيّام»، أي من دون الخروج أو العمل أو القيام بأي شيء.

أخبرت أخي: لا حلّ. هناك حالات خطيرة وتحتاج المستشفى لهذه الغرفة.

أخبرني أنّ أحد فعاليات المنطقة (جونية) قد خصّص أماكن للحجر لمن هم بحاجة إليه. رفضت طبعاً. صحّتي، صحّتنا، هي من واجبات الدولة- التي وإن كانت غائبة حالياً فإنّنا سننتزعها يوماً ما- وبالتالي لن نطلب شيئاً من أحد، لن نستزلم ولو على حساب صحّتنا. لن نرضخ للنموذج الذي يذلّنا ويمنّننا بحقوقنا. رضخ أخي، أو بالأحرى لم يجادل، فذاك هو الخيار الذي كان ليتّخذه أيضاً.

مرّت ثلاثة أيّام من الحجر الإلزامي. أنا أحتلّ غرفة النوم التي تتّسع لأربعة أسرّة، اثنان منها فارغان لأنّ أمّي تصرّ على مشاركتي حتّى الحجر، فيما يفترش أخي الأرض في الدار وأبي وأخي الأصغر ينامان على الكنبات.

الخبر الجيّد حتّى الآن هو أنّ فحص الكورونا جاء Negative… لكنّ احتمال التعرّض للوباء لا يزال قائماً، لا بل مرتفعاً، مع ما يتبعه من تكرار للسيناريو نفسه، وربّما بنسخة أسوأ.

فالحالات ستزيد، والانتظار قد يصبح أطول، والعناية أسوأ. حتّى موازين الحرارة غير الدقيقة قد تنقطع، وكذلك البنادول. فنحن لم ننسَ أنّنا مفلسون، وأنّ الحكومة أعلنت ذلك قبل أيّام من بدء هلع الكورونا. أمّا الحجر المنزلي الإلزامي، فأصبح مكاناً لنقل العدوى للجميع… إلزامياً.

«نكاية بالكلّ»

راشيل ليست وحدها مَن لم تعُد تخجل وقد يكون عرّاب هذا العشق مارسيل غانم الذي أتقن هذا المزيج من الخشونة الودية والمحبة المادية كانت الأحزاب تستعدّ لعودتها إلى الشوارع التي طُرِدت منها، محمَّلةً بقناني الديتول ومعدّات التعقيم ضد الفضيحة التي أحدثتها الثورة في قلب المجتمع ومؤسّساته العفنة

تجربتي الـNegative مع الكورونا (2/1)

ما هي إلا دقائق حتى اتصلوا بي من وزارة الصحّة طالبين منّي التوجّه فوراً، وبمفردي، إلى طوارئ الكورونا حيث كان أكثر من أربعين شخصاً ينتظرون دورهم خرجت وأنا أرشّ نفسي بالمعقّمات أخذت منشفتي الصغيرة، بللتُها بالماء ووضعتها على رأسي