تجربتي الـNegative مع الكورونا (2/1)

هذا النص هو الحلقة الأولى من قصّة فيفيان. لمعرفة كيف تلقّت فيفيان نتيجة الفحص، اضغط هنا

منذ فجر الاثنين الفائت، بدأت تصيبني عوارض شبيهة بعوارض الكورونا. كتبت على الفايسبوك أطلب من الأصدقاء إرسال مقالات عن تجارب المصابين. وردتني روابط شهادات حيّة. كانت النتيجة مخيفة. محَوْتُ البوست. أخذت حبَّتيْ بنادول ونمت.

استيقظت صباحاً مع وجع غير محمول في الرأس والحنجرة. خلال الاستحمام، بدأت بالسعال، فارتبكت. خرجت وزنتُ حرارتي، فوجدتُها 38,5. لجأتُ إلى صديقَيْن يدرسان الطبّ. أعطاني محمد رقم وزارة الصحّة وطلب منّي عدم القلق لأنّ ما أعاني منه قد يكون مجرّد إنفلونزا. أمّا أنيس، فدعاني للقلق لأنّني كنتُ في سفر والزمن زمن كورونا.

اتّصلتُ برقم وزارة الصحّة مراراً، 11 مرّة تحديداً، قبل أن تردّ شابّة وتسألني عن العوارض قائلةً: سيتّصلون بك مجدّداً.

قلت لن يتّصل أحد. ما عليّ إلّا الذهاب إلى الجامعة الأميركية. لكن ما هي إلا دقائق حتى اتصلوا بي من وزارة الصحّة طالبين منّي التوجّه فوراً، وبمفردي، إلى طوارئ الكورونا في مستشفى الحريري لإجراء الاختبار. قالت أمّي مُمتعضة: لوحدك؟ نعم لوحدي.

في الطريق إلى المستشفى، انتابتني نوبات البكاء. فأنا أساساً أكره المرض وأسر السرير، فماذا لو كانت علّتي سبباً لعلل آخرين؟ شعور رسّختْه السلطة وجزءٌ من الإعلام في حملاته التهويلية، وتصوير المصابين أو المشتبه بإصابتهم بالجزّارين، رغم أنّهم أصلاً ضحايا الوباء.

منذ عودتي من السفر في 6 آذار، وأنا أنزل يومياً إلى المكتب، أرى رفيقي، وأعود إلى المنزل. ما يعني أنني ربّما نقلت العدوى لأحدهم. أفكار بدأت تنتابني. لحظة، التقيت بفرح الأسبوع الماضي، وأتى زبيب شاركنا الجلسة… وقبّلته أيضاً. يا الله! كثُر عدد ضحاياي. بعد يومين، رأيتُ ليلى التي أصرّت على المرور بها. قصدتُها بعد مروري بجان بيار لأخذ تشيك بدل ترجمةٍ أنجزتها.

تبّاً، أنا وباء متنقّل.


وصلت إلى مستشفى الحريري وتوجّهت إلى طوارئ الكورونا حيث كان أكثر من أربعين شخصاً ينتظرون دورهم. سجّلتُ اسمي وكانت الساعة 11 صباحاً، ثمّ بدأت حرارتي ترتفع، شعرتُ بذلك من الوهج في عينيّ فيما أوجاع كليتَيْ ورئتَيْ تزداد حدّة. تماسكتُ قليلاً وابتعدت عن الناس.

الساعة 12:30 ظهراً، ولم يدخل أحد بعد. اتصلتُ بأوتيل ديو لأجري الفحص لديهم، فأبلغوني إنّهم لم يبدأوا بإجرائه بعد، فتفاجأت: كيف لا والوزارة قالت إنّكم من المراكز التي تقوم بالفحص. فردّت الموظّفة: «لم نبدأ بذلك بعد». اتّصلت بـ«الروم»، بـ«رزق»، الجواب واحد: «لم نبدأ بعد». اتصلت بالجامعة الأميركية التي كنتُ قد تركتُها كخيار أخير لأن هديل نبّهتني من وجود إصابات ضمن طاقمها، فقالوا لي: «يمكنك المجيء، لكن عليك الانتظار». قرّرت البقاء في الحريري ما دام الانتظار سيّان.

قلتُ إنّ هذا طبيعيّ في بلدٍ لا يملك بنيةً تحتيّةً صحّيةً بالأساس، وهو فوق ذلك بلدٌ مُفلس يواجه وباءً ولا توجد فيه إلّا مستشفى واحدة تقوم بالفحوص.

على مقربة منّي كان يقف عسكريّ ينتظر دوره للقيام بالفحص، وهو يدردش: أنا بشتغل بالمطار، عم ناخد المعقّمات من الناس لأن المديرية مش عم تجبلنا. استشطت غضباً، ما هذا الذي قاله؟ تذكّرتُ الثاني من آذار عندما منعني مفتّش الحقائب في المطار من الإبقاء على المطهّر بحوزتي. كيف لا أغضب من دولة القتل العاجزة عن شراء معقّمات لعسكريّيها، وربّما يكون ذلك وراء إصابتي؟
فجأة بدأ الصخب أمام باب الطوارئ. ما الأمر؟ ردّ أحدهم: في واحد معه كورونا، دقّولوا ليجي على الحجر، وناطر يفوتوه. اقتربت. الأمر صحيح. إنّه يقف معنا والتعب واضح عليه. خرجت وأنا أرشّ نفسي بالمعقّمات.


بعد 3 ساعات، ناداني الممرّض كي أدخل لإجراء الفحص. كانت الساعة 2:15 بعد الظهر. قالت الطبيبة: هي High Risk رح نتركها للأخير. ازداد هلعي وشعور قاتل بالذنب. على الهاتف حاول علي التخفيف عنّي، وهكذا فعل أيضاً أخي وزبيب. هدأت، أجريت الفحص وصورة الصدر، وقرّروا إبقائي في المستشفى لحين صدور النتيجة.

دخلت إلى غرفة الحجر حيث بدأت حرارتي ترتفع. طرقت الممرّضة الباب وطلبت منّي وضع الكمّامة والاقتراب لتأخذ حرارتي بآلة قياس عن بعد. بعد ثوانٍ، قالت: 36.5. كيف ذلك؟ حرارتي مرتفعة، أشعر بذلك من الوهج في عينيّ. قلت لها: أرجوكِ، أجلبي لي ميزان حرارة بالفمّ. لم تتجاوب. اتصلتُ بها مرّة ثانية، لم تستجب. راسلتُ أخي أطلب منه جلب ميزان حرارة وعلبة بنادول. لم أستطع انتظار وصوله. اتصلت مرّة ثالثة وقلت للممرّضة وأنا أبكي: أريد ميزان حرارة وبنادول لأنّني سأموت. استجابت أخيراً، قست حرارتي، كانت 38.5. أخذت حبَّتيْ البنادول وتمدّدت في سريري.

مساءً ارتفعت الحرارة إلى 39 درجة. أخبرتُ الممرّضة، فحصلتُ على حبَّتيْ بنادول تركتهما عند الباب. بعد أقلّ من ساعة ارتفعت الحرارة إلى 39.8. اتّصلتُ مجدّداً. قالوا إنّهم سيخبرون الطبيب. انتظرت، لا جواب. تماسكتُ رغم وجعي. قلتُ إنّ هذه معركتي مع الكورونا. أخذت منشفتي الصغيرة، بللتُها بالماء ووضعتها على رأسي، ونمت بملابسي الداخلية لأخفّف الحرارة عن جسمي. كنت أشعر أن كيليتيّ ورئتيّ تتآكل، تماماً كما شعر أحد المصابين في فيديو شاهدتُه قبل ليلة.

عند الثانية فجراً، انخفضت الحرارة. تحدّثت إلى صباح وأخبرتُها عن المنشفة والـSelfService لخفض الحرارة.