جدرانٌ تشفي

منذ الأشهر الأولى لجائحة الكورونا، وبالتوازي مع حملات الوقاية من الفيروس، بدأت الوكالات الصحية الدولية والوطنية حملات توعية واستراتيجيات للتخفيف من العواقب السلبية للجائحة على الصحة النفسية.

فالجائحة نفسها والاستجابة الصحية لها تحملان في طيّاتهما مخاطر عديدة ومهمة على مكونات الصحة النفسية، مثل الخوف من المرض والموت، وصعوبات العيش خلال أزمة واسعة النطاق، والخوف من التعامل مع خطر جديد ومجهول، وبالطبع كل تداعيات الحجر وثمن التأقلم مع تغيرات جذرية وقيود على أسس حياتنا وروتيننا وأولوياتنا.

ترتكز إرشادات الصحة النفسية الأولية في مواجهة جائحة كورونا، كما في حال إرشادات الدعم النفسي في سياق الأزمات وحالات الطوارئ، على ضرورة تأمين الاحتياجات الأساسية للناس وحماية حقوق الإنسان. ذلك أنّ تعريف الصحة النفسية ليس مجرّد غياب العوارض النفسية، بل هو أيضًا القدرة على العيش بكرامة ضمن بيئة آمنة توفّر فرصًا عادلة وكافية للأفراد والمجتمعات. وبالفعل، إن المساواة والعدالة الاجتماعية هما أهم المحدّدات الاجتماعية للصحة والصحة النفسية.

لقد أظهرت جائحة الكورونا عبر مراحلها المختلفة (كما الآن في مرحلة التلقيح) في جميع أنحاء العالم، وبطريقة مأسويّة، مخاطر عدم المساواة والهشاشة الاجتماعية على صحة الفرد والمجتمع. ولعلّ معالجة هذه المخاطر هي العنصر الأهمّ لحماية الصحة العامة والصحة النفسية ومواجهة الأزمات.

في الواقع، كانت المجتمعات الأكثر نجاحًا في الحدّ من عدد الوفيات وتأثير الوباء هي التي ابتكرت استجابة صحية تنطبق على واقعها، وركزت على الفئات المستضعفة والمهمشة وذوي الموارد الاجتماعية والاقتصادية المحدودة، وتفادت أن تجبر الناس على الاختيار بين صحتهم ولقمة عيشهم.

في الحقيقة، لا يعني الوصول إلى الاختيار بين أبسط حقوق العيش إلا انعدام تلك الحقوق.


في لبنان، جاءت جائحة وباء تاريخية كمصيبة إضافية ضمن سلسلة من الأزمات، كلها تاريخية أيضاً، وكلها متروكة من دون أي معالجة. وصلت الجائحة في وقت كنّا قد فقدنا فيه جميع حقوقنا المعيشية الأساسية، في ظلّ انهيار سياسي واقتصادي. فأضفنا إحصاء حالات الكورونا والوفيات إلى إحصاء الأدوية المقطوعة والقطاعات المهدّدة بالزوال، وإحصاء الأصدقاء والزملاء المهاجرين، وإحصاء انخفاض سعر صرف الليرة، وإحصاء عمليات السرقة الممنهجة لأموالنا. كذلك طال الحديث عن صعوبة الاختيار بين الصحة ولقمة العيش، كأنّنا كنّا نتمتّع بأيٍّ منهما. وفوق كل هذه الكوارث، أضفنا أبشع وأقرف إحصاء: 2750 طنّاً من القتل والدمار.

تأتي الذكرى الشهرية الثامنة لانفجار المرفأ لتذكّرنا أنّه ما من أسوأ من تعداد ضحايانا وآلامنا وأزماتنا إلا تعداد الأيام والأشهر التي مضت منذ وقوعها من دون أن نحصل على أي جواب، أو معالجة، أو محاسبة. لا بل، بالعكس تماماً، نستيقظ كل يوم على وقع تهديدات أخطر وإعلانات عن المراحل القادمة للانهيار المستمر. وفي صميم حزننا ومعاناتنا تكمن الحقيقة الساحقة بأنّ هذه ليست أزمات عشوائية، بل هي جرائم تُرتكَب ضدّنا. فنحن ندرك أنّ حكامنا باعونا، باعوا عائلاتنا، وأموالنا، وآمالنا، وأمننا، وحقوقنا، وصحتنا، باعوا الماضي والحاضر والمستقبل. كيف لنا أن نكون بخير ونحن في خضمّ انهيار اقتصادي وانهيار اجتماعي يتحوّلان إلى انهيار معنوي في انعدام العدالة وتصحيح الخطأ. كم هي صعبة ومرّة أيامنا ونحن نقتَل، ونحن نعرف أننا نقتَل، وهم يسمّونها إنجازات، فندرك أكثر وأكثر مدى الأذى حين يجب أن نقنعهم أنّ قتلنا هو جريمة.

في واقعنا، لا يمكن فصل الصحة النفسية عن المعاناة الجماعية وعن الظروف السياسية والاقتصادية التي تشكّل بحدّ ذاتها مصدراً للاضطراب والخوف والقلق. أمام هذه الظروف غير الصحية، كان غضب الناس ولا يزال ردّة الفعل «الطبيعية» والمحقّة، وليس التكيّف أو «الكوبينغ» مع ظروف غير طبيعية تشلّ مبادراتنا ومواردنا النفسية والجسدية والاقتصادية والاجتماعية.

وما ثورة تشرين، وكذلك التظاهرات التي ملأت شوارع العاصمة المدمَّرة بعد أيام قليلة من الانفجار وكل المبادرات لتحقيق المحاسبة والتعاضد الاجتماعي، إلا ردة الفعل المتماسكة والصحية للظلم والاستهتار. وهي تجلٍّ لهذا الغضب المحقّ الذي يعي أنّ الشفاء النفسي الجماعي يرتبط بشكل مباشر وجذري بتحقيق العدالة واسترجاع حقوق العيش الأساسية والقدرة على تصوّر مستقبل أفضل.

هذا الغضب الذي رسم على جدران مدننا في بضعة أيّام، وبطريقة شبه غرائزية، خريطة طريق للشفاء ولكلّ أسس الصحة.

* تتوفّر خدمات دعم الصحة النفسية المجانية، منها عيادة Embrace
المجانية 81003870 أو رقم الخط الساخن: 1564

مــــــلــــــف
قلــق السيـاســة

يعاين ملفّ «قلق السياسة» تداخل عالم السياسة بعالم النفس، من خلال عدد من النصوص، ترسم معالم قلق جماعيّ.

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان، طارق ابي سمرا
جدرانٌ تشفي، مارتين بجاني وهلا كرباج
الشارع بين المقاومة والانهزام، دارين أبو سعد
خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار، فادي بردويل
الانهيارُ على بُعد حائط، جنان نون
هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ، ريم منصور
ليس للصحراء هنا بداية ولا نهاية، فاطمة فؤاد
تناقضات الشخصية المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة، مازن السيّد
أبي طريح فراش الموت: تحليل نفسي- نظري للطائفيّة، ناديا بو علي
رأس مال قلق، غالية السعداوي
عن بابٍ فتحتْه الانتفاضة ولم ندخله، سمير سكيني

تم نشر الملف في 10 نيسان 2021.


الشارع بين المقاومة والانهزام

فكان علينا أن نتصدّى، إلى جانب عنف الأجهزة الأمنية المباشر، لعنفٍ من نوعٍ آخر، أو ربما كان من النوع نفسه. هو ذاك العنف الناتج عن التحرّش واستباحة أجسادنا، أكان من قبل عناصر القوى الأمنية أو غيرهم

معالِجتي النفسيّة وجسر الرينغ

حتى بدأتُ أشعر أن معالجتي النفسية تغار من «الثورة». فصرتُ أخشى التكلّم عما يحدث معي في شوارع بيروت وعنفها الليلي، وكأنّ الثورة سرّ عليّ التستّر عليه كي لا أجرح مشاعرها. بدأ الصمت يسود بيننا، فقرّرتْ هي أن تأخد زمام الأمور وأن تخفف عدد الجلسات، كوني وجدت في هذا الحدث منفذًا لغضب كنت أجهل وجوده