دروس النقابة تنتفض: الانتصارات بالأرقام والمنهجية

تتخطى انتخابات نقابة المهندسين حدود المعركة النقابية لتشكّل محطة سياسية مهمة في مسار التغيير في لبنان. فلم تنحصر الانعكاسات على المهندسين/ات، بل اصابت منسوب الأمل لدى الناس واصابت تقديرات قوى المنظومة لحجم التفكك في قواعدها، ووصلت الى مقاربات قوى التغيير للعمل النقابي والسياسي، ولم تتوقف عند مراقبة القوى الدولية لديناميات التحولات الحاصلة في البلد، حاضراً ومستقبلاً.


الأهمية الاستراتيجية لنقابة المهندسين في النظام

ليست نقابة المهندسين مجرد تجمع مهني يدافع عن حقوق اعضائه، بل تكتسب أهمية استراتيجية لدى قوى المنظومة السياسية والمالية الحاكمة، بسبب:

  • حجم الودائع والفوائد على مدخرات المهندسين في المصارف، والتي تتخطى نصف مليار دولار.
  • دور النقابة في زمن المقاولين والمطورين العقاريين والشركات الهندسية الكبرى التي التزمت مشاريع الاعمار والقطاع العقاري بلا قيود ولا رقابة.
  • تغطية فساد السلطة المتحكمة بالدولة وشركائها، من منتفعين وازلام، عبر غض النظر عن التعديات على الأملاك البحرية والنهرية والمشاريع الربحية المدمرة للبيئة مثل السدود والمحارق والمكبات العشوائية.
  • تغييب دورها في تقديم وفرض الحلول العلمية المستدامة لملفات حيوية متل المياه والكهرباء والنقل والبترول…

قبل نتائج الصناديق… الانتصار بإعادة تعريف العمل السياسي والنقابي

حطّمت «النقابة تنتفض» قيوداً تاريخية احكمت سيطرة المنظومة على النقابات والمجتمع طوال عقود. فبالرغم من أن الائتلاف ضم بتنوعه توجهات سياسية مختلفة (تقليدية واصلاحية وجذرية)، فإنّ هذه التوجهات تصارعت ديمقراطياً، وتفاعلت واختلفت ومن ثمّ اتفقت على تنظيم اختلافها لتحقق انتصارات انتخابية واخرى منهجية في مقاربة العمل النقابي والسياسي، منها:

1. المسار والعمل القاعدي يصنع الانتصار

بمقارنة بسيطة مع تجربة شبيهة سبقت انتخابات نقابة بيروت، خاض مهندسو طرابلس انتخاباتهم بلائحة «موحّدة» للثورة ودعم اعلامي من مجموعات وشخصيات معارضة. لكن النتائج كانت مخيبة بعكس الانتصار في نقابة بيروت. والفرق يكمن في المسار والآليات والمعايير والبناء في القواعد والتواصل المباشر الذي قام به 25 تنظيماً هندسياً مع آلاف المهندسين/ات طوال سنة ونصف.

2. أولوية البرنامج على المرشحين/ات

اسقطت «النقابة تنتفض» نظريات الخبراء حول ضرورة تقديم وجوه واسماء مبكراً. فاختارت مرشحها لمنصب النقيب قبل 11 يوماً فقط من موعد الانتخابات لتقدّم أولوية البرنامج والمشروع على الأشخاص، خاصة ان برنامج «النقابة تنتفض» تم انتاجه بأدوات تشاركية وبمشاركة مئات المهندسين/ات من كل الاختصاصات في عشرات اللقاءات في مختلف المناطق.

3. اختيار المرشحين/ات من القواعد

ثبّتت تجربة المناظرة والانتخابات التمهيدية لإختيار المرشحين/ات نهجاً تشاركياً وديموقراطياً ومعادلة جديدة في أي عملية انتخابية مستقبلية، لن تقبل اسقاط «المرشحين/ات النجوم» على الناس ولن تسمح بالفصل بين المتنافسين باتفاقات تحاصص فوقية، بل بآليات تشاركية حدها الأدنى ما رسمته تجربة المهندسين.

4. السياسة خلف النقابة

ان كانت هذه المسألة لا تنطبق على «النقابة تنتفض» كإئتلاف، إلا أن تجربة قطاع المهندسين/ات في «لِحَقّي» جديرة بالنقاش والتقييم. فـ«لِحَقّي» كتنظيم سياسي هو الوحيد بين قوى الثورة الذي قرّر عدم الانخراط المباشر في ائتلاف، بل مارس اعضاؤه نشاطهم ضمن عدد من الأطر المهنية والمناطقية حيث لعبوا دوراً محورياً مع عدد كبير من الناشطين/ات منذ المبادرة لإطلاق الائتلاف وتنظيمه وبرنامجه ولجانه ومعاييره وآلياته التشاركية. وكان ذلك ترجمةً للعمل القاعدي وللوقوف خلف التنظيمات الهندسية قولاً وفعلاً، وتغليباً للانتظام القطاعي والمناطقي على تظهير اسم التنظيم والكسب السياسي.

5. سقوط الطائفية: أعرافاً وتوازنات

لم تسقط المحاصصة الطائفية في المداورة على مركز النقيب وفي حصص أعضاء المجلس في الترشيحات الجريئة فحسب. بل صادق على سقوطها 5798 مهندس/ة بتصويت متحرّر من الحسابات المذهبية والطائفية التي تم تسويقها (شيعة/سنة، مسلم/مسيحي، يمين/يسار) وبوعي جمعي متقدّم على مواقف بعض المعارضين المتمسكين بمقاربات بالية كرسها النظام واسقطتها 17 تشرين.

6. نقابة للناس لا للمقاولين

شكل ترشيح ووصول عارف ياسين المهندس والناشط النقابي في صفوف الناس كسر سلة المواصفات لشخصية النقيب التي هدفت لابقاء النقابة بقبضة الطغمة السياسية والمالية والاقتصادية الحاكمة ونادي المقاولين والشركات الكبرى. فمع عارف، عادت النقابة الى موقعها المنحاز للناس ودورها بالدفاع عن حقوق كل المهندسين وكل المجتمع.

7. أهمية العمل اللامركزي

خلق العمل المناطقي خلال سنة ونصف من التحضير إضافة أساسية على انتشار وانتاجات «النقابة تنتفض» من البرنامج الى الآليات الى الحشد والاعلام، وكان للقاءات المناطق في صور وبعلبك وراشيا والشوف وعاليه وجبيل وزحلة وصيدا وبيروت وغيرها بعدٌ استراتيجي وعامل حاسم في الانتصار.

8. سقوط نظريات الوحدة

عمّت نقاشات مجتمع تشرين نظرية الزامية توحيد قوى الاعتراض كشرط للفوز. لكن انتخابات المرحلة الأولى التي شهدت وجود لائحة ثانية من صفوف الاعتراض اسقطت هذه النظرية. فأصبحنا أمام تجربة مثبتة بالدليل القاطع أن شرط الانتصار هو العمل القاعدي والوضوح، وليس الوحدة.

9. سقوط آخر لعنوان «المستقلين»

«نحن لسنا مستقلين، نحن منحازون الى 17 تشرين»، قالها عماد عامر في إعلان مدوٍّ لسقوط عنوان «المستقلين» الذي لطالما كان وسيكون مطية لقوى المنظومة للتسلّل الى الجو التغييري بأحصنة طروادة نقابية وسياسية، ليس أولها ولن يكون آخرها عبدو سكرية.

10. معضلة الكتائب: نجاح المعايير وفشل بناء الثقة

شهدت الانتخابات اصطداماً مباشراً بـ«معضلة الكتائب» وغيره من القوى والشخصيات، المحسوبة على النظام بالنسبة للكثيرين. فقبول بعض الثورة بهذه القوى لم يكن كافياً لاعتبار محاولاتهم المستمرة للتموضع بين صفوف الحالة الاعتراضية مقبولاً على المستوى الهندسي والشعبي. لكنّ المعادلة الذهبية التي انتجتها «النقابة تنتفض» بعد مخاض طويل تمثلت بـ«المعايير» التي فرضت مسافة تضع هذه القوى خارج الترشيحات والحضور الحزبي المباشر (وان كانت قد حصلت بعض الخروقات). كما أن تجربة التحالف مع جبهة المعارضة اثبتت للجميع ضرورة الوضوح بدل المواربة والتسلل في أي علاقة انتخابية نقابية او سياسية… على أن تكون عملية تقييم الانتخابات بمسارها ونتائجها اساساً علمياً لتقدير إمكانية بناء الثقة والإلتزام مع قوى معترضة على السلطة الحالية فقط وليست جذرية بمواجهتها مع النظام، في استحقاقات مشابهة أو أكثر تعقيداً لجهة الحاجة الى وضوح المشروع السياسي.


نعم لاستعادة الأمل… ولا لإسقاط النتائج

من المؤكد أن الانتصار أعاد الأمل الى اللبنانيين وأعاد لهم الثقة بأن التغيير ممكن إذا ما ترافق مع مسار من العمل والبناء والتراكم.

لكنّ هذا الانتصار قد يشكّل خطراً إن توهمنا انه سيكون نتيجة حتمية لأي استحقاقات مقبلة، وخاصة البرلمانية، والتي تحكمها اعتبارات مختلفة وتسبقها اسئلة عن المقاربات التغييرية لدور الانتخابات كأداة لمراكمة بنى اجتماعية قاعدية وبدائل سياسية تعيد تعريف السياسة وتعيد تأسيس النظام والمجتمع.

أن تنتفض النقابة وسطَ الانهيار

كان واضحاً: معركتنا سياسيةانتفاضة حدودها الطبقة الوسطىلن تشكّل الانتخابات المقبلة ضربةً قاضية للسلطة«وحدة الطبقة العاملة»تحديد موقع النقابة في المجتمع

«النقابة تنتفض» وتاريخ انتخابات نقابة المهندسين

حقبة المحاصصة التي دخلت متأخرة في نقابات المهن الحرة قد انتهت أنطوان تابت وفريد ​​طراد وعاصم سلام كلهم خريجي جامعة واحدة في فرنسا وجامعتين في لبنان ازداد أفواج المتخرّجين بشكل كبير بواسطة تكريس آليات المحاصصة وانتخاب جاد تابت نقيباً مع «النقابة تنتفض»، أخذ هذا التيار شكلاً مختلفاً