تعليق مصارف
سامر فرنجية

عن تطبيع السرقة

19 أيلول 2022

«ما بقى يمشي الحال إلا هيك»

يوم الأربعاء 14 أيلول 2022، اقتحمت سالي حافظ بنك لبنان والمهجر لتسترجع 13 ألف دولار من حسابها. في اليوم نفسه، اقتحم رامي شرف الدين فرع بنك البحر المتوسّط في عاليه، وحرّر جزءًا من وديعته قبل أن يسلّم نفسه. بعد يومين، اقتحم محمّد قرقماز، مع والده رضا، بنك بيبلوس- فرع الغازية واسترجع حوالي 19 ألف دولار من ودائعه. وباليوم ذاته، قرّر عدد من المودعين إنهاء حالة الذلّ التي فرضتها المصارف، واقتحموا فروع مصارفهم، بحثًا عن أموالهم الضائعة.

بعد يوم طويل من استرجاع الودائع بالقوة، أصدر النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات استنابة قضائية لكلّ الأجهزة الأمنية بالعمل على كشف مدى ارتباط تلك العمليات التي تهدف، بحسب القاضي، إلى توقف العمل المصرفي في لبنان وإحداث مزيد من أزمات مالية واقتصادية. لكنّ الاجهزة الامنية لن تحتاج للكثير من الوقت لكشف الارتباط بين تلك العمليات الممتدّة على كافة الأراضي اللبنانية. الارتباط واضح وعلني، حتى ولو أراد قاضي المصارف أن لا يراه. الارتباط يُدعى المصارف وجمعيّتهم التي قامت ولا تزال بأكبر عملية سطو منظّم على ودائع الناس. والباقي تفاصيل.


سيناريو واحد بفروع مختلفة

لم يبدأ مسلسل استرجاع الودائع بالقوّة مع سالي حافظ. قبلها، كان حسن مغنيّة وعبد الله الساعي وبسّام الشيخ حسين. وقبلهم كان آلاف المودعين الذين اصطدموا مع المصارف واعتصموا في وجهها وشتموا موظّفيها وحوّلوها إلى ساحات اشتباك مع النظام المالي. ومع الوقت، بات هناك سيناريو واضح المعالم لمجريات عملية الاسترجاع، سيناريو تطور على إيقاع تجارب الشارع وردّات فعل النظام: 

اقتحام المصرف وحجز رهائن، طلب سحب الوديعة فقط، اعتصام مؤيّد على باب المصرف، تفاوض قد يدوم ساعات، تحرير جزء من الوديعة وتسليمها لشخص خارج المصرف، تسليم المودع نفسه للقوى الأمنية. 

قد تكون الخطوط العريضة لعملية الاسترجاع هذه واضحة، لكنّ تفاصيلها أكثر غموضًا: فهل كان هناك سلاح أم لا؟ وهل هدّد المودع الموجودين بالمصرف أو هدّد فقط بقتل نفسه؟ وهل مَن كان بالمصرف رهينة فعلًا أم شريك متعاطف مع المودع؟ وهل القوى الأمنية في مواجهة المودع أم معجبة به؟ يعود غموض التفاصيل إلى الالتباس المؤسِّس لهذه العمليات، وهو أنّ من يقوم بها يستردّ ودائع كانت المصارف قد سرقتها وما زالت تسرقها منه، بحماية الدولة والقانون والقوى الأمنية. والباقي تفاصيل.


بساطة الانهيار

قد يبدو هذا الكلام تبسيطيًا، يفتقد لتعقيدات النظريات الاقتصادية والنقاشات الأخلاقية عن إعادة توزيع الخسائر بعد الانهيار. لكنّ الانهيار لا يحتمل التعقيد. فمن ميزاته أنّه يبسّط الأمور، يعيدها إلى مكوّناتها الأساسية، الخام، إلى السرقة البدائية، الواضحة، العنفية، ما سمّاه ماركس التراكم الأوّلي، الذي تعود له الرأسمالية بعد كل أزمة. 

وليس من دليل أوضح لهذه العملية التبسيطية، أو لهذه العودة إلى السرقة البدائية، إلا وقاحة المصارف التي شدّدت بإسم جمعيتها على نبذ العنف بكافة أشكاله، لأن العنف لم يكن ولن يكون هو الحل. الوقاحة لا تشير فقط إلى عنهجية المصارف، بل هي اعتراف بأنّ لا إمكانية للإقناع أو المفاوضة بعد اليوم. في هذا الوضع من التضادّ المطلق، تصبح أي كلمة يطلقها السارق وقحة. 

جاءت حكمة جمعية الدكتور سليم صفير، مرفقة بقرار إقفال المصارف لمدّة ثلاثة أيام، لتستكمل المصارف نهجها الابتزازي، آخذةً الاقتصاد كرهينة من أجل تأمين مصالحها الخاصة. لبّى النظام الدعوة. فأصدر النائب العام التمييزي استنابته القضائيّة، ودعا وزير الداخلية لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الداخلي المركزي وانتشرت القوى الأمنية لتحمي المحاكم والمخافر. أمّا المصارف التي باتت أشبه بثكنات، فانتشرت من حولها تشكيلة من رجال الأمن، بعضهم كان منذ أسابيع يحمي ساحة ساسين من «الشذوذ» تحت إسم جنود الرب، برعاية وزير الداخلية نفسه الذي دعا إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن الداخلي المركزي لحماية المصارف من «شذوذ» المودعين. فلن يعيد هذا النظام إعادة إنتاج نفسه إلّا إذا نجح في تطبيع عملية السطو هذه، مهما كلّف الموضوع. والباقي تفاصيل.


أسلحة الضعفاء

لكنّ السلطة لا تواجه خصمًا كالذي اعتادت عليه. ليس من رأسٍ مدبّر يمكن سجنه أو التفاوض معه، أو نظرية ثورية يمكن شيطنتها أو تخوينها، أو ثورة يمكن قمعها. المودعون ليسوا الأبناء غير الأيديولوجيين لـ«علي شعيب» وعملية «بنك أوف أميركا». كما أنّهم غير معنيين بالنقاشات الأخلاقية والسياسية التي تحيط عادة بتلك الأفعال، نقاشات مفادها ترويض أيّ «غير متوقّعٍ» قد ينتجه الفعل. 

هم جزء من تراث طويل من المقاومات الشعبية التي تستخدم ما سماه الباحث الأميركي جايمس سكوت «أسلحة الضعفاء»، أي أسلحة تواجه الأقوياء من خلال التلاعب والتكاسل والتهرّب، أو في حالتنا، من خلال السطو بسلاح بلاستيكي لاسترجاع الودائع. ففي وجه نظام استغلّ الانهيار ليقضي على كامل البنى الاجتماعية، ومنها بنية المفاهيم السياسية والأخلاقية، لم يبقَ الكثير لفعله غير هذا التلاعب على القانون لاسترداد، ليس أبسط الحقوق، بل أبسط مقوّمات الحياة. ليس من حقوق في زمن الانهيار.

هذا لا يعني أنّه في غياب مواجهة سياسية عامة، ليس هناك ما يمكن فعله، إلّا المطالبة بحقوق لم تعد موجودة. فالمعركة اليوم هي مع القضاء وفي الرأي العام، لمنع تحويل المودعين إلى كبش محرقة لهيبة نظام منهارة، وبالتالي تطبيع عملية السطو التي باتت السرّ المؤسّس لنظام ما بعد الانهيار. هي معركة في الحاضر للدفاع عن مقوّمات الحياة، وهو شرط البقاء. وهي معركة للمستقبل، كي لا يتمّ تطبيع هذا السرّ، وهو شرط السياسة. 

مسلسل عمليات السطو المسلح على المصارف، كما عرّف عنها عويدات، لا تشير إلى عنف الانهيار أو فلتان أمني أو أزمة السياسة. هي إشارة إلى أنّ هناك جريمة أكبر قيد التطبيع. هي من أواخر الإشارات إلى أنّه ما زال هناك، تحت الركام، مجتمع يقاوم.  

آخر الأخبار

الاقتصاد السوري في قبضة بشّار وأسماء
الإسرائيليون يُحاربون فيلم «فرحة» لنقله فظائع النكبة
أميركا x فنزويلا: النفط بدلاً من العقوبات
02-12-2022
تقرير
أميركا x فنزويلا: النفط بدلاً من العقوبات
رئيستا حكومة نيوزيلندا وفنلندا تردّان إهانةً جندريّة
«تذكّروا فلسطين» في ملاعب المونديال 
الزيتونة باي: الكزدورة ممنوعة للإثيوبيّات