كلفة الوقت الضائع

في مثل هذا الوقت من السنة الماضية، كلّفت حكومة حسان دياب شركة لازارد للإستشارات الماليّة إعداد أوّل خطّة ماليّة شاملة لمعالجة الإنهيار الذي يضرب البلاد: من إعادة هيكلة القطاع المالي، إلى إعادة هيكلة الدين العام، وصولاً إلى التحضير لمسارَيْ تعويم سعر الصرف وتقليص العجز في الموازنة العامّة بشكل تدريجي. لم تكن الخطّة في ذلك الوقت مثاليّة، خصوصاً وأنّها تغاضت عن التعامل مع الجانب الإقتصادي البنيوي من الأزمة. ولعل سبب هذه الفجوة كان تلزيم شركة إستشارات ماليّة إعداد الخطة بمفردها، في حين أن الجانب الإقتصادي الأوسع كان يحتاج لرؤية حكوميّة تساهم في صياغتها جميع وزارات الدولة.

لكن بمعزل عن عيوبها وثغراتها، كانت تلك الخطّة آخر تصوّر رسمي متكامل لمعالجة الجانبين المالي والنقدي من الأزمة، وآخر ورقة عمل منطقيّة يمكن تقديمها لصندوق النقد الدولي للدخول على أساسها في برنامج معه. بعدما جرى إغتيال الخطة في المجلس النيابي من قبل لوبي المصارف الموزّع على جميع الكتل النيابي، فقدَ دياب الهدف الذي جعل الأوصياء على حكومته يأتون به، فكان رحيله منطقيّاً بعد إنفجار مرفأ بيروت.


لهذه الأسباب، كانت البلاد تعيش حقبة من الوقت الضائع منذ سقوط تلك الخطّة، أي قبل سقوط حكومة دياب. فغياب الخطّة، في ظل الإنهيار، لا يعني سوى السير بإتجاه المجهول. لكنّ دخول لبنان في مرحلة الفراغ الحكومي الذي امتدّ لأكثر من ستة أشهر حتّى اللحظة، جعل من الوقت الضائع سقوطاً حرّاً متفلّتاً من أي ضوابط. فغياب حكومة مكتملة الصلاحيات لا يعني عدم وجود رؤية شاملة للحل فحسب، بل أيضاً فقدان القدرة إتخاذ القرارات الأساسيّة للتعامل مع الأزمات ولو بالمفرّق وعلى القطعة. ولعلّ عجز الدولة عن إتخاذ أي قرار في ما يخص آليات الدعم البديلة، في ظل تلويح حاكم المصرف المركزي بالتوقف عن الدعم، مجرّد مثال على ذلك. بإختصار، لم يكن الفراغ الحكومي في ظل الصراع القائم على الحصص الوزاريّة سوى استنزاف قاتل للإقتصاد اللبناني، في أكثر اللحظات حساسيّة.


لا يحتاج المرء إلى الكثير من المراجعة ليدرك كلفة الوقت الضائع، الذي أصبح سقوطاً حرّاً فيما بعد. أولى نسخ الخطة الحكوميّة، صدرت في وقت بلغ فيه سعر الصرف في السوق السوداء مستوى الـ2500 ليرة مقابل الدولار، فيما كان الهدف تعويم هذا السعر ليصل تدريجيّاً إلى سعر يقارب الـ2979 ليرة سنة 2024. حين صدرت الخطّة، كان أخطر ما حذّرت منه لازارد وصول معدلات التضخّم إلى مستوى 25% في نهاية سنة 2020، أو إنكماش الإقتصاد بمعدلات تتراوح بين 9% و14% في نهاية السنة.

اليوم، يلامس سعر صرف الليرة في السوق السوداء مستوى الـ9000 ليرة مقابل الدولار، فيما تجاوز الإنكماش الإقتصادي حدود الـ25% سنة 2020، وتخطى الإرتفاع في مؤشّر أسعار المستهلك حدود الـ133% في تلك السنة. وفي رحلة الدولة نحو المجهول، فقدَ مصرفها المركزي نحو 39% من إحتياطاته بالعملات الأجنبيّة خلال سنة واحدة فقط، وهي قيمة تقارب الـ12.73 مليار دولار، أي ما يفوق ضعف المبلغ الذي كان يطلبه لبنان من صندوق النقد للدخول في برنامج يؤدّي إلى التصحيح المالي.


لكلّ هذه الأسباب، لم يكن هناك وصف معبّر للأزمة الماليّة اللبنانيّة أكثر من عبارة «الكساد المتعمّد» التي استعملها البنك الدولي كعنوان لآخر تقاريره حول لبنان. الكساد متعمّد فعلاً، أوّلاً بسبب السياسات التاريخيّة التي صنعت التراكمات التي انفجرت خلال الأزمة الراهنة، وثانياً بسبب حفلة الجنون العبثيّة التي نشهدها الآن، في صورة «رجال دولة» يخوضون المناورات والمكائد من أجل ثلث معطّل أو حقيبة وزاريّة، في الوقت الذي تسقط فيه الدولة والمجتمع في هاوية يزداد عمقها كل يوم.

من يدير دفّة الأزمة اليوم؟

حاكم المصرف المركزيرئيس الجمهوريّةوزراء تصريف الأعمالسلفة الكهرباء بتوقيع وإخراج استثنائيين في قصر بعبداالمسوّدة النهائيّة لقانون الكابيتال كونترولإضراب الصيادلة

من المجتمع المنتفض إلى المجتمع المهزوم

حقبة الانهيار المالي الصريح معالم البؤس في جميع نواحي الحياة قرار مجلس شورى الدولة قرار فارغ الاحتياطات ولحظة الاصطدام ثمن سياسات ممنهجة عديدة تقرير البنك الدولي بنك عودة