«لا في العير ولا في النفير»

اغتيال سليماني دلالة على فشل سياسة ترامب. الصمود دلالة على انتصار محور المقاومة. الحرب ضد الوجود العسكري الأميركي مفتوحة. في كل مكان. النفط. الهيمنة. الموت لأمريكا. لبّيك نصر الله. انتهى الخطاب.

ليس هناك الكثير لتحليله في الخطاب الأخير لحسن نصر الله. فالضربة الصاروخية كفيلة في تفسير ذاتها، كفيلة في توضيح الأمور. إنّها إعلان حرب بين معسكرين، لم يعد يجمعهما أي عدو مشترك أو مصلحة مشتركة، مهما كانت ملتبسة. هناك مشروعان يتصارعان اليوم، كما صرّح نصرالله، ولديهما جمهورهما. هذا ما أظهرته الضربة الصاروخية في وضوحها الدموي.
ولكن بين تلك الكتلتين الرصينتين، هناك مساحة رمادية، يسكنها ناس ضايعين، لا في العير ولا في النفير، إلى جانبهم ناس واقفين عل التل ينتظرون نتيجة الصراع ليقرّروا بمن يلتحقون، وخلفهم ناس مش عارفين ألله وين حاططن، يعني مش عارفين حالن وين بدن يكونوا. لا يكترث نصرالله بهؤلاء، فهم ليسوا مقاومين شرفاء أو أعداء لدودين، هم مجرّد تائهين، وإذا لم تُعِدهم الضربة إلى رشدهم، لا شيء سيوقظهم من ضيعانهم.

هؤلاء هم الشعوب التي ثارت في سورية واليمن والعراق ولبنان، أي في دول المواجهة، هروبًا من سليماني ومن الصواريخ التي تلاحقه. إنها الشعوب التي تقطن في المناطق الممتدّة بين القواعد العسكرية الأميركية وخطوط امتداد المقاومة، باحثة عن إمكانية حياة بين إعلانات الحرب المتكرّرة. إنها الشعوب التي قمعتها هذه الثنائية، بطرق مختلفة على مدار العقود الأخيرة، وطوّعتها من خلال حروبها المستمرة. إنها الشعوب التي لا يكترث لها ترامب ولا ترقى لتشكّل أكثر من جملة تهكّمية في خطاب نصر الله الأخير. إنها شعوب الثورات العربية.

في ظل هذا التجاذب الإقليمي، اعتاد البعض على موقف «الرفضَيْن»، لمحاولة الحفاظ على مسافة آمنة من جنون هذا الصراع: ضد الاحتلال وضد مقاومته الجهادية، ضد السعودية وضد إيران، ضد قمع الأنظمة وضد التدخل الأجنبي، ضد سليماني وضد ترامب… شكّل هذا الموقف «الدفاعي» ردًا ضمنيًا على كل من حاول الاتّكال على طرف من طرفَيْ المعادلة الحربية، ولكنّه بقي موقفًا فارغًا لافتقاره لأي كثافة سياسية. لم يكن هناك مشروع سياسي قد يشكّل بديلًا عن هذه الثنائية وصراعاتها، وبقي الشعار موقفًا أخلاقيًا.

مع نشوب الثورات العربية وانتفاضة «الناس الضايعين»، بات هناك خيار ثالث، خيار ينطلق من موقف «الرفضَيْن» هذا، وإن كان لا يُختصَر به. لم تقُم الثورات ضد أيٍّ من طرفَيْ المعادلة الحاكمة، بل قامت لتؤكد انتهاء صلاحية هذه المعادلة واختصارها للسياسة في المنطقة. ولم تنطلق الثورات في وجه أي من طرفَيْ المعادلة الحاكمة، ولكنّها وجدت نفسها في مواجهتهما. بهذا المعنى، قد يكون خطاب نصر الله تهديدياً في وجه خصمه القديم، ولكنّه تأديبيّ في وجه هؤلاء الناس، فعليهم إما اختيار أحد الطرفَيْن أو البقاء في منطقة الضيعان السياسي.

في وجه هذا التأديب الجديد، قد لا يصلح بعد اليوم موقف «الرفضَيْن». ربّما كان المطلوب هو قبول موقف «لا في العير ولا في النفير» ورفعه كشعار سياسي. فالسؤال بات اليوم كيف نحصّن المنطقة من صراع قد لا ينهي «الناس الضايعين» وحسب، بل ينهي أيضاً إمكانية السياسة في المنطقة.