لبّيتُم النداء

بدأ رئيس الجمهورية حواره بتوجيه عتاب أبوي للمنتفضين. بدا شديد الانزعاج من عدم التجاوب مع نداءاته، فكرّر أكثر من مرّة عدم إصغاء الناس لأخباره وعدم تجاوبهم معه. تأرجح ما بين التكلّم من موقع يتوهّم أنه ما زال خارج السلطة (محاربة الفساد) ينادي المنتفضين إلى توحيد الساحات لتحقيق الإصلاحات الصعبة، وما بين التكلُّم كطرف في السلطة على خلاف مع الناس، يتأفّف من عدم وجود قيادات تفاوضه: في شي ثورة ما عندها ليدر؟


أربكت الثورة الرئيس. بدت له وكأنها خطفت منه شعاراته وجعلته بمصاف الفاسدين الذين بنى خطابه السياسي على مواجهتهم. وضعه شعار كلن يعني كلن في صلب النظام، فاستعمل استراتيجيات دفاعية مختلفة للإفلات من قبضته. استعان بالأخلاق ليحدّثنا عن الأوادم، وذكّرنا بتاريخه النضالي من أجل الحرية والسيادة والاستقلال، واستعاد تاريخه العسكري. لم يكن بوسعي إلا سماع صدى صوت إميل لحود (لا أطلب شيئاً لنفسي) عندما شددّ على أنّ لا همَّ له سوى بناء الدولة وليس الاستفادة الشخصية من منصب الرئاسة.

لكنّ الإصلاح الذي ينشده الرئيس متعذّر، نظراً لطبيعة النظام التوافقي الذي قلّص من صلاحياته، وشلّ القدرة على الحركة والتنفيذ. لم يثنِه الحديث عن عجزه تنفيذَ الإصلاحات عن تذكيرنا بأنّ صهره جبران باسيل يترأس أكبر كتلة نيابية في المجلس. لم يسأل الجنرال لماذا لم يلبِّ الشعب النداء، بل استفاض بتلميع صورته من خلال تعداد العراقيل التي تواجهه داخلياً والحروب التي تعلَن على عهده والحصار الدولي الذي يضغط عليه.

ازدادت حدّة كلام عون في آخر اللقاء. فالحوار الذي ابتدأ باعترافه بالمطالب المحقة للناس، انتهى بدعوته المواطنين إلى العودة إلى بيوتهم بعد تشكيل الحكومة، مضيفاً: عم يضربوا الوطن بالخنجر، هيدي ما بتصير بمحل بالعالم.
ختم الجنرال الذي كان قد استبعد اندلاع حرب أهلية في عهده قبل بضعة دقائق بالتحذير من صدام لبناني- لبناني ومن نكبة إذا أكمل الناس انتفاضتهم.


اعترف بالمطالب، تذمّر من عدم التجاوب مع دعواته للحوار، برّأ نفسه من سنيّ المشاركة في السلطة، ثم حمّل الثوار مسؤولية خراب البلاد… كلّ ذلك بدون التطرق إلى دعوة جديرة بـ«بيّ الكلّ»: روحوا هاجروا.

لم تنقضِ بضعة دقائق على انتهاء الحوار حتى نادت الثورة شعب لبنان العظيم، فلبّى النداء.

الثورة ضد النخبة المتعالية

النخب اليوم في ورطة نزع الشرعية السياسية عن الثائرين والثائرات لا يُسأل الناس فيها عن أسمائهم الثقة بوصاية الأب- الحارس كلّ من آمن بإقصاء الناس العاديين لطلائع يتامى الثورات الماضية

«هذا المشهد ما كان يجب أن يحصل»

خطاب خالٍ من أي فكرة قصر معزول تقطيعه وإعادة تركيبه بات لهذا النظام بهلوانٌ بين حفلة قمع وأخرى كومبارس هذا النظام سراياهم وقمصانهم السود