معركةُ النقابة «غيرُ النقابيّة»

انتصر تحالف «النقابة تنتفض» في الدورة الأولى من انتخابات نقابة المهندسين. وعلى الرغم من أهمية الفوز بهذا العدد الكبير من مقاعد المندوبين، نظراً لدورهم الرقابي على الموازنة والشؤون المالية، تبقى المعركة المقبلة في 18 تموز هي الأهمّ.

ستحدّد هذه الانتخابات هوية النقيب، كما سيتمّ فيها تبديل 10 اعضاء من الخمسة عشر عضواً الذين يشكلون مجلس النقابة. فقد علّمتنا الانتخابات الماضية أن فوز نقيب وحده كفلتة شوط، من دون مندوبين ومجلس نقابة يتجاوبون معه، لا يكفي. لذلك من المتوقع أنّ احزاب السلطة التي لم تحشد كل قواها في انتخابات الأحد الماضي، سوف تفعل المستحيل لكي تفوز في الانتخابات القادمة.


مسألة الانتخابات النقابية ليست مجرّد صراع عبثي للسيطرة على بنى مفرّغة من معناها ضمن دولة متهالكة. كما أنّ المعركة ليست «قطاعية» بحت، أي انّها ليست مرتبطة بعملية إيقاف الفساد او الحفاظ على اموال التعويضات والمتقاعدين فحسب (مع أنّ هذه الأمور وغيرها أهداف ضرورية).

الصراع الحالي هو بالضبط على مساحة تتخطّى «نقابيّة» النقابة، إذا جاز التعبير، من أجل إعطاء معنى لبنية اجتماعية (نقابة المهندسين) لم تمارس دورها الممكن والمطلوب منذ عقود. فأهمية هذه المساحة أنّها تفتح المجال لقوى اجتماعية من خارج بنية الدولة وانتظامها لكي تؤثر وتفعل في الحيّز العام.

هذا ما حصل في نقابة المحامين مثلًا، حيث سمح انتخاب نقيب جديد لمحامين تغييريين بالتأثير على القوانين وكيفية تأويلها وتطبيقها من خارج التأويل «الرسمي» المرتبط كلياً بالسلطات الحاكمة.


هل هذا الأمر ممكن في نقابة المهندسين؟

طبعاً ممكن.

فمشاكل البلد باتت معروفة: كهرباء، مياه، سدود، نفايات، العمار العشوائي، تنظيم المدن، السير والمواصلات، الصرف الصحي، البيئة، الزراعة، الصناعة… تقدّمت السلطة الحاكمة بمشاريع حلول لبعض هذه المشاكل، وأهملت عدداً كبيرًا منها.

جاءت الحلول المطروحة بأحسن الأحوال مجتزأة ومتناقضة أو مبنية على الزبائنية والتوزيع والمحاصصة والسرقة. كما أنّها انطلقت من تصوّر شبه بربريّ لآليات اقتصاد السوق («الذي لا يملك ثمن البنزين فليستعمل وسائل نقل أخرى»، كما قال أحدهم)، ولدور الدولة (الذي يصبح قمعياً بشكل حصري)، وللمجتمع ومكان الأفراد فيه («إزرعوا على البلاكين» مثلاً).

المهندسون والمعماريون في صلب هذه المشاكل، وهم مؤهّلون لاستنباط حلول لا تشبه اقتراحات السلطة. هذه الحلول ليست تكنوقراطية حصراً، وحصرها في النطاق العلمي والتقني هو مقتلها.

فمن دون مخيّلة سياسية تستطيع تصوّر بلد آخر مبنيّ على أنقاض الجمهوريّتين، وعلى أسس مختلفة عن مخيلة «القطاع المصرفي» و«الخدمات» و«السياحة»، التي اصبحت مثل مانطرا ميتافيزيقية يردّدها أركان النظام، ستبقى المشاريع التي يمكن اقتراحها مجتزأة ومتناقضة، وإن كانت على قدر كبير من الاحترافية التقنية.

ومن دون مخيلة سياسية تستطيع تصوّر بلد عدد سكانه خمسة إلى ستة ملايين نسمة، بلد لا يذهب شرقاً ولا يذهب غرباً، بل يبقى في مكانه ويرى ما بمقدوره أن يفعل ضمن هذه الحدود، بلد لا يُؤَسطر تاريخه، ولا يكره حاضره، ولا يبني أوهاماً عريقة للمستقبل، أي بلد بكل بساطة… ستبقى المشاريع التي يمكن اقتراحها مجتزأة ومتناقضة.


كل هذا ليس مسؤولية «النقابة تنتفض» حصراً.

لكن إن استطاع هذا التحالف الفوز بالانتخابات القادمة، سيكون ممكناً البدء من مكان صغير جداً، لكنه فعّال. فيصبح من الممكن مثلًا تشكيل خلايا عمل تتناول كل هذه المشاكل التي تبدو مستحيلة، من أجل تقديم حلول تكون تحت إشراف مجلس النقابة والنقيب اللذين بإمكانهما طرح هذه الأفكار، وحتى فرضها من خلال موقع النقيب بمجلس التنظيم المدني.

هذا يتطلب عملاً دؤوباً وشفافيةً تسمح ببناء رأي عام حاضن وداعم، يمكنه أن يفرض حلولاً من خلال دور النقابة الاستشاريّ في الدولة.

صعبة؟

على الأرجح. فالتناقضات بين مكوّنات التحالف كثيرة، وَعُود المعارضة ما زال طرياً.

لكن، ممكن. فمعارضة من دون مخيّلة، معارضة لا تحثّ العالم على الحلم بما هو كامن ولم يتحقّق بعد، هي معارضة فاشلة من أساسها.

لأنّ كلّ شيء ممكن تخيّله هو حاصل لا محالة.

دروس النقابة تنتفض: الانتصارات بالأرقام والمنهجية

المسار والعمل القاعدي يصنع الانتصار أولوية البرنامج على المرشحين/ات اختيار المرشحين/ات من القواعد السياسة خلف النقابة سقوط الطائفية: أعرافاً وتوازنات نقابة للناس لا للمقاولين أهمية العمل اللامركزي سقوط نظريات الوحدة سقوط آخر لعنوان «المستقلين» معضلة الكتائب: نجاح المعايير وفشل بناء الثقة

أن تنتفض النقابة وسطَ الانهيار

كان واضحاً: معركتنا سياسيةانتفاضة حدودها الطبقة الوسطىلن تشكّل الانتخابات المقبلة ضربةً قاضية للسلطة«وحدة الطبقة العاملة»تحديد موقع النقابة في المجتمع