مناوراتٌ في زمن الخسائر

لا يوجد ما يمكن أن تتصف به أيامنا هذه أكثر من عبارة زمن الخسائر. جميعنا نخسر أكثر، مع مرور كل يوم إضافي:

  • زيادة خسارة ذوي الدخل المحدود لقيمة رواتبهم مع استمرار الانهيار في سعر الصرف.
  • خسارة الفئات الأكثر هشاشة لشبكات الحماية الرسميّة مع كل تدهور إضافي في قدرة الدولة على ممارسة أبسط مهامها.
  • خسارة المودعين لمدخراتهم مع توسّع الفجوات في النظام المالي وعدم وجود أي خطّة جديّة لمعالجة أزمة القطاع المصرفي مع المودعين.

لا شيء يشير إلى أنّ هناك ما سيعكس مسار العجز وتراكم النكبات التي تصيبنا اليوم، ولا شيء يشير إلى أنّنا سنكون قادرين على لجم الخسائر التي تتراكم فوق أكتافنا.


لكن في مقابل عجزنا وضعفنا، ثمة من لم يفقدوا أدوات المناورة، ولم يفقدوا شهيّة حياكة المكائد لحماية مصالحهم أو مصالح الفئات التي يحملون همّها.

ملفّ التدقيق الجنائي

آخر ما جرى في ملف التدقيق الجنائي، كان تسويق مصرف لبنان لتعاونه مع الشركة، من خلال الحديث عن تسليم الشركة قائمة محدثة بالمعلومات قبل نهاية الشهر، وأخرى تحتاج إلى فترة إضافيّة لتحضيرها، دون تحديد أي أفق زمني لهذه الفترة. ما سوّقه المصرف المركزي يدفع للريبة بحدّ ذاته، إذ لا يوحي المضمون بوجود أي موعد نهائي لتسليم جميع المعلومات المطلوبة من الشركة. وهذا يعني إبقاء العلاقة مع الشركة معلّقة حتّى أجل غير مسمّى، خصوصاً وأنّ الشركة كانت واضحة في اشتراطها استلام جميع المعلومات المطلوبة قبل موافقتها على العودة إلى العمل مع الدولة اللبنانيّة.

كان واضحاً أن هناك ما راهن عليه حاكم مصرف لبنان خلال عمليّة التسويف هذه. وما هي إلا أيام حتّى جاء تصريح البطريرك الماروني الذي ربط عمليّة التدقيق الجنائي في مصرف لبنان بالتدقيق في سائر مؤسسات الدولة، وبتشكيل الحكومة الجديدة. يعلم البطريرك بالتأكيد أنّ ربط التدقيق الجنائي بتلك المسألتين لن يعني سوى إقحام التدقيق الجنائي في أتون الصراع السياسي حول المؤسسات التي يفترض أن يشملها التدقيق، وحول نطاق التدقيق في كل من هذه المؤسسات. لا بل يعلم البطرك أن هذا الربط من شأنه الإطاحة بملف التدقيق الجنائي كليّاً، خصوصاً وأنّ كل طرف سياسي يملك ما يخشاه في مؤسسة من مؤسسات الدولة.

خلط البطريرك جميع الأوراق وضيّع البوصلة من جديد. وكان أداؤه منسجماً مع جميع مواقفه السابقة حيال حاكم مصرف لبنان، والتي رسمت خطاً أحمر حول الحاكم ورفضت المساس بموقعه أو محاسبته، معطياً المعركة مع الحاكم أبعاداً مذهبيّة وميثاقيّة.

ملفّ مرسوم تعديل الحدود البحريّة

في مسار موازٍ، وبعد أشهر من المزايدة والإستعراض في ملف مرسوم تعديل الحدود البحريّة، وبعدما وصل المرسوم إلى القصر الجمهوري، قرّر الرئيس الامتناع عن توقيعه، ورمى الكرة من جديد إلى مجلس الوزراء لمناقشته. مع العلم أن رئاسة الجمهوريّة تعرف جيداً أن رمي الكرة في ملعب الحكومة لن يعني سوى دفن المرسوم، لكون رئيسها يرفض حتى اللحظة عقد أي إجتماع على مستوى مجلس الوزراء في ظل حالة تصرف الأعمال.

حتّى اللحظة، لا أحد من اللبنانيين يعلم طبيعة الصفقة التي أدّت إلى دفن المرسوم، خصوصاً وأنّ المرسوم كان من شأنه حشر الإسرائيليّين في ملف حقل كاريش الغازي الذي تقع أجزاء منه ضمن المنطقة التي يشملها التعديل الحدودي في المرسوم. كان من شأن هذا التعديل تعطيل الإنتاج الوشيك في الحقل، وهو ما دفع الإدارة الأميركيّة إلى بذل جهد استثنائي لتعطيل المرسوم. باختصار، دخل المرسوم في معمعة حسابات ومناورات رموز العهد مع الدبلوماسيّة الأميركيّة، وخصوصاً في ما يتصل بالعقوبات الجديدة المحتملة، وإعادة ترتيب علاقة رموز العهد بالمجتمع الدولي، وهذا ما أشارت إليه العديد من التسريبات الصحفيّة التي تحدّثت عن طبيعة المداولات التي سبقت دفن المرسوم.


يعيش المجتمع اللبناني اليوم حالة من العجز والإستسلام، في مواجهة كل ما يحيط به من أحداث تضرب أبسط مقومات العيش في البلاد. لكنّ حالة العجز هذه لم تصب حكماً الفئة التي ما زالت تملك النفوذ في السياسة، وما زالت قادرة على لعب جميع الأوراق التي تحملها لحماية مكتسباتها. وهذا ما ينطبق تحديداً على المستجدات الأخيرة في ملفَّي التدقيق الجنائي وترسيم الحدود.

الهروب من الحقيقة

التدقيق الجنائيالبند الجزائي150 ألف دولارلتوزيع مسؤوليات الانهيارالتحقيقات في تحويلات شقيقهالامتناع عن تزويد القضاء بداتا التحويلاتسبع عواصم أوروبيّةالحكومة بالتواطؤ مع سلامة في صياغة خطتها للتعافي الماليفي مرحلة توزيع الخسائر

ألغام رياض سلامة أمام التدقيق الجنائي

تعاونه الإيجابي مع شركة التدقيق الجنائي «آلفاريز آند مارسال»قانون رفع السريّة المصرفيّةالتدقيق في سائر المؤسسات الحكوميّة والصناديق والمصالح المستقلّةصلة بالحسابات التي يطالها القانون