من الاستثناء اللبناني إلى استثناء الوباء

لبنان ليس أوكرانيا وليس جورجيا، هكذا حذّر حسن نصر الله خصومه المعتصمين في العام 2005، مستعينًا بنظرية «الاستثناء اللبناني» لكي يضع حدًّا لطموحاتهم السياسية آنذاك.
لم يكن أمين عام حزب الله وحيدًا في لجوئه إلى تلك المقولة. فقد شكّل «الاستثناء اللبناني» طيلة عقود العمود الفقريّ لعدد من النظريات عن لبنان، تشاركت في عزل البلاد عن أيّ تطوّر عالمي أو إقليمي، واعتبارها خارجةً عن أي تعميم معرفي أو سياسي. «لبنان الاستثناء» يعني أنّ لا ثورات ممكنة في لبنان، ولا ديموقراطية عدديّة، ولا دولة قادرة، ولا تحرّر اجتماعياً غير مثقل باعتبارات مذهبية. لبنان هو كما هو، وأيّ تعديل على هذا الجوهر ينذر بانهياره.

اعتدنا على هذا الاستثناء وعلى موقعنا كمتفرّجين على أحداث العالم من وراء أسواره، وتحوّلنا تدريجيًا لـ«مترجمين»، نترجم بصعوبة العالم لبنانيًا، ومن ثمّ نترجم لبنان للعالم بغرور مَن يملك الأسرار المعقّدة لهذا المجتمع الصغير. هكذا كان الوضع إلى أن أطاحت «ثورة تشرين» بهذا الاستثناء، لتُدخِل لبنان إلى مجرّة الثورات العربية ومنها إلى العالم الذي استثني منه.

كنّا بحاجة لحدث «استثنائي» كهذا لكي نتخلّص من «الاستثناء اللبناني» ونعود إلى عالم الكائنات الاجتماعية والسياسية و«حياتها الطبيعية». بيد أنّ الثورة، كما اكتشفنا بسرعة، لم تكن إلّا المقدّمة لسلسلة من الأحداث الاستثنائية، من الانهيار المالي إلى تفشّي الوباء ودخول عالم الحجر الصحي. سلسلة أطاحت بمنطق «الحياة الطبيعية» وحولّت اللامعقول إلى يومياتنا المملّة.

من «لبنان الاستثناء» إلى الاستثناء المحض، لم يمضِ أكثر من أسابيع لنستكمل هذا التحوّل ونتأقلم عليه بصعوبة.


عدنا إلى العالم بعد عزلتنا «الاستثنائية» لكي نكتشف أنّ العالم نفسه قد دخل حالته الاستثنائية.

فمن وراء أسوار استثنائنا، لم نلحظ أنّ العالم بات يشهد أيضًا تحوّلات عميقة وغير متوقّعة. فمن الأزمة الاقتصادية والثورات من جهة، وصعود الشعبويّات واليمين المتطرّف من جهة أخرى، إلى انتشار الوباء وفرض حظر تجوّل عالمي، بات العالم أيضًا يفتقد لإيقاعه «الطبيعي». أو بكلام أدّق، للإيقاع الذي فرضته الحياة في نظام رأسمالي تمّ تطبيعه كخيار وحيد للحياة معًا.

جاء الوباء ليدفع بهذا الاستثناء إلى حدوده القصوى والمتناقضة.
فمن جهة،
كثّف الوباء عولمةً نيوليبرالية، مستفيدًا من شبكات تواصلها وسياساتها التقشّفية، خاصّةً في ما يخصّ سياسات الصحّة العامّة، ودفع نظامًا يقوم على خصخصة المخاطر إلى خلاصته الكارثية.
لكن، من جهة أخرى،
كشف الوباء في سرعة الإجراءات الصارمة التي طُبِّقت في سائر أنحاء العالم، عن «استثنائية» النظام الذي كان يحكمنا والذي «طبّعناه» كخيار وحيد ممكن.

بعد الوباء، بات من الممكن تخيّل توقُّف ماكينة التراكم لأشهر، هذه الماكينة التي وقفت حاجزًا أمام أيّ سياسة لإعادة توزيع الثروة أو أيّ محاولة للتخفيف من الانحباس الحراري.


جاء «استثناء الوباء» لكي يعيد تعريف ما هو «طبيعي» وما هو «حتمي» وما هو «متوقّع» وما هو «مستحيل». لم نخرج إلى عالم باتت تحكمه إجراءات استثنائية فحسب، بل فعلنا ذلك في لحظةٍ فقد النقد السياسي فيها علاماته ومعالمه.

فالفارق بين المتوقّع والمستحيل، الذي شكّل خارطة لتحرّك النقد السياسي، أصبح اليوم خارج الموضوع، وتحوّل النقد إلى ماكينة تدور من دون أن تقبض على الواقع. شعار أيّار 68 «كن واقعيًا واطلب المستحيل»- الذي شكّل بطرق مختلفة حساسية النقد السياسي- تحقّق اليوم: الواقع بات مستحيلًا، والمستحيل بات واقعيًا.

في رقصة الاستثناءات هذه، ومفاعيلها المتناقضة، ثمّة فرصةٌ لإعادة التفكير بالنقد السياسي ودوره. وفي ظلّ الهلع المسيطر واحتمالاته القمعيّة، تتحوّل هذه الفرصة إلى ضرورة قصوى لمنع استغلال حالة الاستثناء والتطبيع معها. فمن مفاعيل «استثناء الوباء» أنّه أعاد تفكيك مفاهيمنا وحساسياتنا السياسية ليقدّم فرصةً لابتكار سياسة مختلفة. هذا إن لم نرضخ للهلع ولـ«حكم غسل الأيادي».

جدرانٌ تشفي

فأضفنا إحصاء حالات الكورونا والوفيات إلى إحصاء الأدوية المقطوعة والقطاعات المهدّدة بالزوال، وإحصاء الأصدقاء والزملاء المهاجرين، وإحصاء انخفاض سعر صرف الليرة، وإحصاء عمليات السرقة الممنهجة لأموالنا

طلّاب

العالم، هذا العالم أًصبح أكثر وضوحًا. حذف الجمل الإنشائية والجمالية من نصوصه. كشَّر عن أنيابه. أزال طبقة التحضُّر المزيف عن وجهه. فتح باب قاعِه على مصراعيه. وقذف السيستم المتهالك بالطلاب نحو القاع... قاعه، وابتلعهم