نحو اقتصاد تضامنيّ واجتماعيّ في لبنان


أثبت النظام الاقتصادي اللبناني فشله الذريع، بالرغم من كل الأكاذيب والأساطير التي كانت وما زالت تحيكها الطبقة السياسية والمالية الحاكمة.

فلم يكن «اقتصادًا رأسماليًا حرًا» كما يودّون الترويج له، في ظل هيمنة الديون الخارجية والداخلية عوضًا عن المساهمات الفعلية في رؤوس الأموال.
ولم يكن اقتصادًا حرًا أبدًا في ظل سيطرة قلة من المتنفذين جلّهم من قادة ميليشيات الحرب وحاشياتهم على مجمل مفاصل الاقتصاد وجميع قطاعاته وشركاته.
ولم يكن لبنان أبدًا «سويسرا الشرق المالية» ومركزًا لأهم العمليات المالية، إذ تبيّن للجميع زيف هذه الادعاءات في ظل فشل القطاع المصرفي وانحيازه للربح السريع والمخاطر العالية وانغماسه في عمليات وهندسات مالية مشبوهة. فاختفت الودائع وتوقّفت عمليات الإقراض وأصبحت أهمّ مصارف الشرق الأوسط هياكل من ورق تنتظر من ينتشلها.

أين هو هذا «الوطن الرسالة» التي تعمل دولته على «الإنماء المتوازن والمستدام»؟
الجواب في مليارات الدولارات من هدر وفساد التي حُوِّلت إلى قصور ومنتجعات وحسابات في الخارج، على مرأى المنظمات الدولية ومؤتمرات الدعم المتلاحقة.


ما الحلّ؟

وصل الكثير من اللبنانيين إلى قناعة أنهم أمام طبقة حاكمة مجرمة لا يمكن إصلاحها ولا يمكنها إصلاح نفسها. طبقة مدعومة دوليًا لاعتبارات أمنية وجيوستراتيجية، ومدعومة داخليًا من مواطنين ما زالوا يعتمدون على الزعيم ودوره وخدماته. أصبح من الضروري إذاً أن يعتمد اللبنانيون على أنفسهم، من خلال العمل على نموذج اقتصادي تضامني واجتماعي يحميهم ويدعم مقومات صمودهم.

عرّف القانون التونسي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي صُدّق في حزيران 2020 الاقتصاد الاجتماعي والتضامني على أنه منوال اقتصادي يتكوّن من مجموع الأنشطة الاقتصادية ذات الغايات الاجتماعية المتعلقة بإنتاج السلع والخدمات وتحويلها وتوزيعها وتبادلها وتسويقها واستهلاكها والتي تؤمّنها مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، استجابة للحاجيات المشتركة لأعضائها والمصلحة العامة الاقتصادية والاجتماعية ولا يكون هدفها الأساسي تقاسم الأرباح.

يهدف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الجدوى الاقتصادية وقيم التطوع والتضامن الاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، وهيكلة الاقتصاد غير المنظم، وتحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي وتحسين جودة الحياة.

ويساهم التعاون والتعاضد في تبني سياسة اقتصادية قومية حقيقية، يشارك في وضعها المواطنون والمقيمون، تسهم في معالجة الاختلالات الهيكلية في مجالي الإنتاج والخدمات، عبر المراقبة والمساءلة والشفافية والمشاركة المباشرة في عملية إنتاج وتوزيع الموارد والدخل القومي، وتصحيح أداء السوق المحلي.


تُعتبَر التعاونيات من أهم مؤسسات الاقتصاد التضامني والاجتماعي. وهي كيانات تحدثها مجموعة من الأشخاص الطبيعيين بهدف تغطية المخاطر الملازمة بطبيعتها للإنسان بصفة تكميلية للأنظمة القانونية للضمان الاجتماعي والتغطية الصحية وإسداء خدمات المساعدة في إطار التضامن والتعاون لفائدة المنخرطين.

تضمّ التعاونيات في العالم أكثر من مليار عضو مساهم بحسب بيانات الأمم المتحدة، وتوفِّر نحو مئة مليون فرصة عمل، وتجاوزت عائداتها في السنوات الأخيرة تريليون يورو، ووفرت سبل المعيشة لنحو ثلاثة مليارات نسمة في شتى أنحاء العالم. وتحتل المصارف والمؤسسات المالية التعاونية حيزًا أساسيًا في الاقتصاد التضامني والتعاوني. في ألمانيا مثلاً أكثر من ثلثي المصارف هي بنوك تعاونية. ويُعتبر DZ Bank الذي يجمع أكثر من 1000 بنك تعاوني ألماني رابع أكبر مصرف في ألمانيا، بمجموع أصول يتخطى 600 مليار دولار أميركي و16 مليون منتسب.

في ظل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي وأفول دور المصارف التجارية التقليدية، هناك حاجة ماسة في لبنان لابتكار حلول وبدائل مالية مستدامة للادخار والتسليف، تعمل وفق مبادئ التضامن والتعاون بين أعضائها، الذين هم أعضاء وشركاء فعليين فيها وليسوا زبائن أو عملاء أو مجرّد دائنين.