وداعًا للّغة

لا تُسعف اللغة أمام الهول الذي فُعِل بالمدينة وسكانها البارحة. لقد رأينا نظام عيش وقد تحوّل إلى نظام قتل صارخ. ورأينا قتلًا بطيئًا وقد صار في لحظة قتلًا مرعبًا في سرعته. لقد أفصحت الجمهورية التافهة علنًا عن إجرامها.

من الضروري ربّما، مع هذه الأحداث المتلاحقة التي تشي بانعدام صلاحية، أن يُعرّى خطاب الجمهورية من تعقيديّته في السياسة وفي الشأن العام. المسائل في وضوحها أبسط من ذلك بكثير، وهم لا يستحقون إلا الإشارة إليهم بالإصبع، هؤلاء الذين تناوبوا على هذه الدولة بكلّ أطوارها من داخلها وخارجها، الذين في كلّ مرة تناقشهم في شيء أو تضعهم أمام مسؤولياتهم يُلَوْفِكون الموضوع ويتقاذفونه ويحذّرون ممّا يمكن أن يحدث.

ممّا «يمكن» أن يحدث؟

حرب أهلية؟ حدثت. اغتيالات موضعية؟ حدثت. تفجيرات؟ سرقة أملاك الناس بالقانون؟ حدثت. سرقة أصوات الناس بالقوانين الانتخابية المعلّبة؟ حدثت. تزوير الانتخابات؟ حدث. تمرير الصفقات والدفاع عن المشاريع المدمّرة تحت أي حجة؟ حدث. سرقة المساعدات والهبات؟ حدثت. تتفيه المسؤوليات ودعوة الناس للزراعة في شرفاتهم؟ حدث. إيقاف البلد شهورًا من أجل وزارات تافهة في حكومات تافهة؟ حدث. التصارع المسلّح في شوارع بيروت وطرابلس وغيرهما؟ حدث. التواطؤ على حجز أموال المودعين؟ حدث. تهريب الأموال؟ حدث. قضم الجبال؟ حدث. دفننا بالنفايات؟ حدث. تسميم البحيرات والأنهار؟ حدث. سرقة الشطآن؟ حدثت. فساد المشاريع المُمَأسس على مر ثلاثين عامًا؟ حدث. فحص شروج الشباب في المخافر؟ حدث. حرمان الأمّهات والنساء من حقوقهن؟ حدث. نظام كفالة قاتل؟ حدث. حماية نظام العنف ضد المرأة مرارًا وتكرارًا؟ حدثت.

مرعبةٌ فكرة أنّ الموادّ بالغة الاشتعال متروكة لسنوات في المرفأ. أتخيَّل عنبرًا فيه مفرقعات نارية بالقرب من عنبر الأمونيوم، وأجزع. أتخيَّل شباباً يلحمون فجوة في حائط عنبر الأمونيوم، وأهلع.

أيًا كان ما حدث، أيًا كانت عبثيته أو قصديته، فإنَّ كل السيناريوهات المطلقة باتجاهنا مرعبة ومفادها واحد: هناك استهتار إجرامي بالأمن المعيشي للناس. ويبدو أنّنا، عندهم، لا نستحق أن نعيش، أو ربما يتعاملون معنا كأموات مؤجّلين، لن يسأل عنهم أحد. إذ لا شيء يشرح هذه الصفاقة في التعامل غير ذلك. هؤلاء أناس سيحملون شنطهم ويغادرون في اللحظات التي يعدّونها أخيرة، ببساطة مثلما هرَّبوا أموالهم، وتلاعبوا بأرزاق اللبنانيين ومدّخراتهم.

هذه الجمهورية التافهة قاتلة، وهذه المدينة جثّة يُعملون فيها قتلًا بطيئًا وسريعًا. ما رأيناه بالأمس ليس سوى مشهدية السقوط الصلف المعلَن إلى الإجرام. وما الحلول الأمنية المعلنة- كما العادة- إلا تأكيد على ذلك. وها هي الجمهورية من جديد تطالبنا بلمّ أجساد أحبابنا والاتحاد (بوجه مَن؟) و«بلسمة جراحنا». حتى لغتهم بمفرداتها هذه بائسة ومجرمة.

ليس حادثًا. هذه جريمة. ولا مجاز هنا. لا مجاز أمام مشهد الموجة المرتفعة والدخان الأحمر وعصف الانفجار. لا مجاز أمام حقيقة أنَّ المدينة باتت بلا نوافذ وأبواب. لا مجاز أمام خوف الناس من النوم في غرفهم المشرَّعة، وانتظارهم لانفجار آخر. لا مجاز أمام هذا الهواء الذي لا نعرف ما فيه، وإن كان صالحًا للتنفُّس. لا مجاز هنا، لا مجاز.

تسقط اللغة أمام هؤلاء الذين يتقافزون في الشاشات وعلى الشبكات الاجتماعية ويرفعون أصابعهم وتعلو أصواتهم وتضيق حناجرهم وتنتأ العروق في أعناقهم ويتّهمون ويسحسحون لبعضهم.

تسقط اللغة ولا يستحقون أكثر من توصيفهم مباشرةً: حثالة. كلهم حثالة، وكلهم يعني كلهم. من جديد، لا يستحقون أكثر من هذا السطر المبسَّط. لا يستحقون إلا ديماغوجية الاتهام الكامل، وإلا هذه الثنائية: نحن وَهُم.

ونحن لا نستحق في كل خياراتنا السابقة والحالية، في كل تجاربنا للعيش وللمجابهة وللخروج، ما حدث وما يحدث. لا نستحق على الإطلاق لا انتظارنا، ولا صدمتنا المقيمة، ولا حزننا، ولا غضبنا.  لا نستحقّ، واللهِ لا نستحقّ، كلّ ذلك.

أيّ سمسار أحرق بيروت؟

هل كان هناك نيّة للسمسرة عليها في صفقات المرفأ الشهيرة؟ فاحت الكثير من روائح الصفقات النتنة مع رائحة المواد الكيماويّة تمّ تدمير إهراءات مرفأ بيروت مستودعات وزارة الصحّة تقليص حجم السلع التي ستتمكّن البلاد من استيرادها

عندما انفجرت القنبلة

عندما انفجرت القنبلة لو متنا معاً في تلك اللحظة لبلدي الذي لطالما تكبَّرتُ عليهالجزّار الودود والمنفتح والمثقّف لتبني بلداً يكون شركَتَكَ الخاصة في شوارع هذا السجن الذي بنيتَه يا سيّد