في لحظات الأزمات السياسية، يُطرح سؤال البديل عن الأنظمة القائمة، وغالبًا ما يقدَّم اليسار كجواب على هذا السؤال. هذا ما يبدو الآن في حالة إيران، حيث تحيط بتاريخ اليسار الإيراني رواية انقلاب النظام الإسلامي عليه، ما يحوّله إلى أسطورة مغدورة. لكنّ تاريخ هذا اليسار يقدّم رواية مختلفة عن هذا المكوّن السياسي، حسب دراسة سعود المولى، رواية تجد ضعف اليسار في خياراته السياسية واغترابه الفكري.
لماذا نعود اليوم إلى اليسار الإيراني؟
تعيش إيران، منذ شتاء 2025-2026، أخطر منعطف في تاريخها منذ ثورة 1979. ففي 28 كانون الأول 2025، انطلقت، من إضراب تجار البازار احتجاجًا على انهيار الريال والغلاء، موجة احتجاجات عمّت البلاد وطالبت بإسقاط الجمهورية الإسلامية. فردّت عليها السلطة في 8 و9 كانون الثاني 2026 بواحدة من أكبر المجازر في تاريخ إيران الحديث، سقط فيها آلاف القتلى. ثمّ اندلعت في 28 شباط 2026 الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، وقُتل في يومها الأول المرشد علي خامنئي، فخلفه ابنه مجتبى. وبعد هدنة نيسان ومذكرة التفاهم التي رعتها باكستان في حزيران، تجدّد القتال في تموز، ولم تبلغ الحرب تسويةً نهائيةً حتى كتابة هذه السطور في خريف 2026.
وفي كل محطة من هذه المحطات، عاد السؤال القديم: مَن البديل؟ وكان اللافت في الجواب أمرين. أولهما أن الشعارات التي ملأت الشارع لم تكن يسارية، بل علا بينها، إلى جانب «الموت للدكتاتور»، هتاف يحنّ إلى الملكية وإلى اسم رضا بهلوي. وثانيهما أن اليسار التاريخي، الذي يُنسب إليه في المخيال العربي دور البطولة في ثورة 1979، لم يحضر إلا ببيانات تصدر من المنافي، فيما تقاسم المشهدَ المعارضَ ملكيّون، ومنظمة «مجاهدي خلق»، وأحزاب قومية في الأطراف، ونقابات مستقلة في الداخل ترفض الحرب والاستبداد معًا.
قد يبدو الحديث عن اليسار الإيراني، في خضمّ هذا كله، ضربًا من استرجاع تاريخي لا طائل منه. غير أنّ ثمّة سببَيْن وجيهَيْن للعودة إلى هذا الملف. الأول أن غياب اليسار عن لحظة بهذه الخطورة يحتاج هو نفسه إلى تفسير. والثاني أن الذاكرة السياسية العربية رسّخت صورة نمطية تُضخّم دور هذا اليسار في إسقاط النظام الشاهنشاهي عام 1979، حتى غدا الأمر أقرب إلى نوستالجيا غير موزونة تُقدِّم اليسار بوصفه «الفاعل الثوري» الذي سُرقت ثورته، أو «البطل المغدور» الذي مهّد الطريق ثم أُقصي عنه ظلمًا. وهذه القراءة، على ما تحمله من تعاطف مفهوم، تُغفل أنّ ضعف هذا اليسار البنيوي وعجزه عن قيادة اللحظة الثورية لم يكونا مجرّد سوء حظ تنظيمي أو مؤامرة إقصاء، بل كانا نتاج مأزق معرفي وثقافي عميق سبق الثورة بعقود. من هنا، فإنّ المهمّة المطلوبة ليست الاحتفاء بإرث اليسار أو رثاءه، بل قراءة تاريخه ودوره ومصائره بموضوعية نقدية، تُعيد الاعتبار للوقائع من دون تهويل أو تبخيس.
لقد شكّل اليسار الإيراني، بمختلف أطيافه، محرّكًا فكريًا وسياسيًا محوريًا في تاريخ إيران الحديث، ونقطة استقطاب حادّة في صياغة الوعي السياسي للطبقات الحضرية والمتعلمين طوال القرن العشرين. غير أنّ المعضلة التاريخية لهذا اليسار لم تكن مجرد هامشية سياسية أو إقصاء عن السلطة، بل كانت انفصامًا معرفيًا وثقافيًا بين العقل النظري لليسار والواقع الاجتماعي الذي يتحرك فيه. فقد وُلد هذا اليسار في ظل حداثة مشوّهة تُدار بقرار فوقي، فاختار مواجهة سلطوية الدولة بلغة ومفاهيم حداثوية هي الأخرى، فظلت لغته غريبة عن المخيال الشعبي. وهكذا تمثلت مأساة اليسار في عجز مشروعه عن مدّ الجسور بين النخبوية الأيديولوجية والعمق الاجتماعي المحافظ، ليعيش، حتى في لحظات صعوده، عزلة ثقافية عن الوعي الجمعي لأغلبية الإيرانيين.
وفي هذا السياق، لم يكن استيعاب الماركسية لدى اليسار الإيراني تمثُّلًا لنظرية نقدية فحسب، بل شكّل إشكالية إبستمولوجية حقيقية؛ إذ قامت الماركسية في أصولها الأوروبية— وفي تنظيراتها السوفياتية اللاحقة— على تفكيك مجتمعات صناعية ذات بروليتاريا واضحة المعالم ووعي طبقي متجذر عبر تاريخ من الصراعات السياسية والنقابية. في المقابل، استعصى الواقع الاجتماعي الإيراني على هذا التنميط المادي، إذ كانت تتحكم فيه ديناميات معقدة تتشابك فيها العصبيات القبلية، والريف الممتد، وشبكات الاقتصاد الريعي القائم على النفط. يُضاف إلى ذلك الثقل التاريخي لمؤسّستَيْن تقليديّتَيْن تُشكّلان النواة الصلبة للهوية والمجتمع الإيرانيين: البازار بوصفه رأس مالٍ محافظًا يُدير الشرايين الاقتصادية ويدعم الحوزة ماديًا، والمؤسسة الدينية الشيعية التي احتكرت رأس المال الرمزي والأخلاقي والثقافي للجماهير عبر مؤسسة المرجعية ونظام الخُمس والطقوس العاشورائية.
وعندما حاول اليسار إسقاط هذه المقولات الجاهزة على بنيةٍ بهذا التعقيد، وقع في فخ الاغتراب عن الواقع، وتخبّط في عثرات التبسيط الأيديولوجي؛ إذ لم تكن المرجعية الشيعية مؤسسة كنسية قروسطية يسهل اختزالها في مقولة «الدين أفيون الشعوب»، بل شكّلت ملاذًا هوياتيًا وشبكة حماية اجتماعية ضاربة في العمق التاريخي، ولا سيما في مواجهة مشروع حداثةٍ فوقية اقترن بالاستبداد الشاهنشاهي. وقد وضع هذا العجزُ عن تفكيك الرمز الديني اليسارَ أمام مأزقٍ مادي وثقافي حادّ. فبينما اتجهت بعض التيارات إلى محاولة «تبْيِئة» الماركسية وإعادة إنتاجها عبر المخيال الثوري الشيعي— كما تجلّى في أطروحات علي شريعتي والتأطير الأيديولوجي المبكر لمنظمة «مجاهدي خلق»— ظلّ التيار الأرثوذكسي محتجزًا داخل صرامة خطابه العلماني، ليتحوّل هذا الاصطدام بالواقع إلى عزلة هيكلية كرّست انفصال اليسار عن القواعد الشعبية المحافظة.
لم يقف هذا الانفصام عند حدود التنظير، بل انعكس على أدوات النضال نفسها. فانقسم اليسار بين خيارين: خيار حزبي مؤسّسي جسّده حزب «تودة»، ارتهن للأدبيات السوفياتية ولحسابات موسكو، فخسر الشارع الراديكالي واستنزف رصيده الوطني، ولا سيما بعد موقفه المتذبذب في أزمة تأميم النفط (1951-1953)، وخيار «الكفاح المسلّح» الذي جسّدته منظمة «فدائيي خلق» ردّاً على الانسداد السياسي وبطش «السافاك» بعد انقلاب 1953، مستلهمًا الثورات الكوبية والفيتنامية والجزائرية والفلسطينية وأطروحة «البؤرة الثورية»، لكنه انغلق هو الآخر داخل نموذج طليعي منبتّ عن الواقع الفعلي للجماهير.
هنا بالضبط تكمن المفارقة التاريخية التي ينبغي مقاربتها بعيدًا عن أي تهويل: فعشية ثورة 1979، كان هذا اليسار رافدًا فكريًا وتنظيميًا أساسيًا في تفكيك الشرعية الأيديولوجية لنظام الشاه وتهيئة البيئة للثورة، لكنه وجد نفسه عاجزًا عن قيادة ما أطلقه هذا الانفجار من قوى اجتماعية وسياسية. لقد استطاع التيار الإسلامي الراديكالي بقيادة الخميني أن يبتلع الفضاء الثوري بالكامل، لا لكونه الأكفأ تنظيميًا فحسب، بل لامتلاكه «اللسان الثقافي» الذي يفهمه الوجدان الجمعي ولارتكازه على شبكة مادية ورمزية صلبة (المساجد والحسينيات والبازار) افتقر إليها اليسار المغترب. وفي عملية إزاحة مفاهيمية ذكية، حوّل التيار الإسلامي «الصراع الطبقي» الماركسي إلى مقولة إسلامية حاشدة تجسدت في ثنائية «المستكبرين والمستضعفين». وإدراك هذه المفارقة، لا القفز عنها، هو ما يجعل الحديث عن «الفرصة الضائعة» لليسار حديثًا مضلِّلًا ما لم يُقرأ في ضوء عجزه البنيوي هذا.
من رحم هذه التناقضات تشكّلت الخريطة اليسارية وتصارعت اتجاهاتها: جسّد حزب «تودة» الأرثوذكسية السوفياتية، وحملت التيارات الماوية أثر الانقسام السوفياتي- الصيني، وطرحت منظمة «فدائيي خلق» الخيار المسلح، وحاولت منظمة «مجاهدي خلق» مزاوجة الماركسية بالمخيال الشيعي الثوري، فيما نشأت على الهامش تيارات أصغر، تروتسكية وغيفارية مستقلة ومجالسية وكردية، حملت أسئلة نقدية سبقت زمنها. تتتبّع هذه الدراسة تلك المسارات، وتتوقف عند تجربة مصدق وحركة الحرية بوصفها المختبر الذي خرج منه اليسار الجديد، ثمّ عند مجازر السجون عام 1988 التي أنهت الوجود التنظيمي لليسار في الداخل، لتنتهي إلى المشهد الراهن، من انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» إلى انتفاضة شتاء 2025-2026 والحرب، قبل أن تعود في خاتمتها إلى سؤال المقدمة.
حزب «تودة»: من الجذور إلى التصفية
«الجمهورية الاشتراكية السوفياتية الإيرانية»
لم ينشأ الفكر الاشتراكي في إيران فجأةً مع تأسيس حزب «تودة» عام 1941، بل تمتدّ جذوره إلى الثورة الدستورية (المشروطة، 1905-1911). فقد تسرّبت الفكرة الاشتراكية عبر الهجرة العمالية من الشمال الإيراني، أذربيجان وجيلان، إلى حقول النفط ومراكز الصناعة في القفقاس الروسي، وخاصة باكو. هناك احتكّ العمال والمثقفون الإيرانيون بحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، ببلاشفته ومناشفته، وأثمر هذا الاحتكاك تأسيس منظمة «همّت» عام 1904، على يد اشتراكيين مسلمين ناطقين بالتركية الأذربيجانية، لمخاطبة العمال المسلمين المهاجرين الذين كان كثير منهم إيرانيين؛ ثم «فرقة اجتماعيون عاميون» (وهي الترجمة الفارسية لعبارة «الاشتراكيين الديموقراطيين»)، أول تنظيم اشتراكي ديموقراطي إيراني، التي تشكّلت فروعها السرية داخل إيران بين 1905 و1906، وارتبطت بأسماء مثل نريمان نريمانوف وحيدر خان عمو أوغلي.
وفي حزيران 1920، تحوّل حزب «عدالت»، الذي أسسه اشتراكيون إيرانيون في باكو في 1916-1917، إلى أول «حزب شيوعي إيراني» في مؤتمره المنعقد في بندر أنزلي، وكان من أبرز قادته أفيتيس سلطان زاده ثم حيدر خان عمو أوغلي. ولعب الحزب دورًا محوريًا في «الجمهورية الاشتراكية السوفياتية الإيرانية» التي أُعلنت في جيلان في الشهر نفسه برئاسة ميرزا كوتشك خان (1880-1921)، اسمه الحقيقي يونس أستادسرائي. وُلد في مدينة رشت بمحافظة جيلان، ودرس العلوم الدينية في رشت وطهران، وكان يستعد ليكون عالمًا دينيًا قبل أن تجرفه الأحداث السياسية. انضم في شبابه إلى الثوار الدستوريين، وشارك عام 1909 في المسير المسلح إلى طهران لإسقاط محمد علي شاه قاجار، وأُصيب في المعارك ضد القوات الروسية الداعمة للشاه. طالب العلوم الدينية الذي قاتل في صفوف الثورة الدستورية، ثمّ قاد منذ الحرب العالمية الأولى «نهضة الغابة» (جنبش جنگل) ضد الاحتلالَيْن الروسي والبريطاني تحت راية «اتحاد الإسلام»، قبل أن يتفاهم مع البلاشفة بعد ثورتهم. غير أنّ الخلاف نشب سريعًا بينه وبين الجناح الشيوعي الجذري، بقيادة إحسان الله خان وكوادر الحزب الشيوعي، فقد تمسّك كوتشك خان بالهوية الإسلامية والوطنية للحركة ورفض التطبيق القسري للبرنامج الماركسي. وحين وقّعت موسكو معاهدتها مع طهران عام 1921، سحبت دعمها من حركته، فسحقتها قوات رضا خان، ومات كوتشك خان متجمدًا في جبال خلخال في كانون الأول 1921. وفي هذه التجربة القصيرة، ظهرت مبكرًا المعضلتان اللتان سترافقان اليسار الإيراني: الصدام بين الماركسية والوجدان الديني والوطني، وارتهان المصير لأولويات موسكو.
ثمّ جاء القمع: فبعد أن أحكم رضا شاه قبضته على الدولة البهلوية التي أسسها عام 1925، أصدر عام 1931 قانونًا يحظر النشاط الشيوعي والاشتراكي، فاختفت الكوادر الأولى أو لجأت إلى الاتحاد السوفياتي، ودخلت الحركة «بياتًا شتويًا» طويلًا. ويُلاحظ منذ هذه البدايات أن الشيوعية الإيرانية وُلدت في الأطراف، بين مهاجري أذربيجان في باكو وفي جيلان، لا في المركز الفارسي، وهي سمة سترافق اليسار المسلّح في معظم محطاته.
«مجموعة الـ53»
شكّلت «مجموعة الـ53» القنطرة التاريخية التي ربطت بين هذه الراديكالية الأولى وتأسيس حزب تودة. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، أسس تقي أراني، العالِم المتخرّج من برلين والأب الروحي للمجموعة، مجلة «دنيا» (1934-1935) التي لم تكن مجرد نشاط صحفي، بل «معملًا فكريًا» لإعادة قراءة المادية الجدلية بأسلوب علمي يناسب البيئة الثقافية الإيرانية؛ إذ استطاع أراني تجريد الماركسية من شعاراتها السياسية المباشرة وتقديمها كـ«علم حديث» يستهوي طبقة التكنوقراط والشباب الجامعي المتنوّر. وفي عام 1937، ألقت شرطة رضا شاه القبض على 53 مثقفًا وناشطًا وطالبًا جامعيًا ينتمون إلى هذه الحلقة، وحوكموا عام 1938 بموجب قانون 1931. ثم توفي أراني في السجن في شباط 1940، وقالت الشرطة إنه مات بالتيفوس فيما يرى رفاقه أنه تُرك يموت أو قُتل، فصار «شهيد» اليسار الأول، وتحوّل رفاقه، بعد خروجهم من السجن عام 1941، إلى النواة المؤسسة لحزب تودة.
حزب «تودة»
عقب الاجتياح البريطاني-السوفياتي لإيران في آب 1941 وإجبار رضا شاه على التنازل عن العرش، أُفرج عن معتقلي «مجموعة الـ53». وفي 2 تشرين الأول من العام نفسه، تأسس حزب «تودة» (الشعب أو الجماهير) بقيادة سليمان ميرزا إسكندري. ولتفادي الحظر الصارم المفروض على كلمة «شيوعي»، طرح الحزب نفسه في البداية بوصفه «جبهة وطنية ديموقراطية واسعة» تضم الماركسيين والليبراليين الإصلاحيين والتكنوقراط.
تحوّلت هذه الجبهة في الأربعينيات إلى قوة استقطاب لم يعرف اليسار الإيراني مثلها من قبل ولا من بعد، وامتدّ نفوذها عبر ثلاث أذرع. ففي الشارع العمّالي، أسّس الحزب «المجلس المركزي للنقابات المتحدة» عام 1944، وأعلن أنه نظّم نحو 400 ألف عامل تحت مظلته، لا سيما في شركة النفط الأنجلو-إيرانية في آبادان وفي مصانع النسيج في أصفهان، ما منحه قدرة استثنائية على شلّ الاقتصاد بالإضرابات. وفي الحقل الثقافي صار الحزب «البوابة الإجبارية» للشرعية الأدبية والفكرية في طهران، فجذب إلى صفوفه أو إلى محيطه أبرز رموز الأدب الإيراني الحديث، أمثال بزرگ علوى، وأحمد شاملو وجلال آل أحمد في بداياتهما، وسياوش كسرائي وهوشنگ ابتهاج، حتى غدت الماركسية اللغة الغالبة على ثقافة الطبقة الوسطى المتعلمة. وفي الجيش، بنى الحزب «منظمة عسكرية» سرّية منحته شبكة معلومات نافذة في قلب المؤسسة العسكرية والأمنية.
ولعلّ أبقى ما تركه الحزب أنه كان المهندس اللغوي والمفاهيمي للسياسة الإيرانية الحديثة. فقد قاد إحسان طبري ورفاقه من مثقفي الحزب عملية ترجمة الأدبيات الماركسية والفلسفية العالمية إلى الفارسية وتأصيل مصطلحاتها. وثمة مصطلحات أساسية في الخطاب السياسي الإيراني المعاصر، مثل «امپرياليسم» (الإمبريالية)، و«بورژوازي» (البرجوازية)، و«خلق» (الشعب)، و«استثمار» (الاستغلال)، و«طبقه» (الطبقة)، صيغت أو عُمّمت عبر مطبوعات تودة وصحيفته الشهيرة «مردم» (الشعب)، حتى إن التيارات الإسلامية الثورية نفسها، من علي شريعتي إلى مجاهدي خلق، اضطرت إلى استعارة هذا القاموس التحليلي الذي صاغه تودة.
غير أن الحزب حمل، منذ تأسيسه، خطأً استراتيجيًا قاتلًا هو التبعية للسياسة الخارجية السوفياتية، وتجلّى ذلك في ثلاث محطات. أولاها تأييده عام 1944 مطالبة موسكو بامتياز نفط الشمال، وهو موقف جعله يبدو مدافعًا عن مصالح دولة أجنبية. وثانيتها أزمة أذربيجان وكردستان (1945-1946)، حين دعم حكومتَي الحكم الذاتي في تبريز ومهاباد اللتين قامتا في ظل الجيش الأحمر، وذاب تنظيمه في أذربيجان في «الفرقة الديموقراطية»، ما جرّ عليه تهمة الخيانة الوطنية، ودفع جناحًا إصلاحيًا بقيادة خليل ملكي إلى الانشقاق عنه في كانون الثاني 1948 بحثًا عن اشتراكية مستقلة عن موسكو، سنعود إليها عند الحديث عن تيارات الهامش. وثالثتها، وأفدحها، أزمة تأميم النفط (1951-1953): فقد هاجم الحزب حكومة محمد مصدق الوطنية في البداية بوصفها أداة للمصالح الأميركية، ثم عدّل موقفه متأخرًا. وحين وقع الانقلاب المدعوم أميركيًا وبريطانيًا (عملية «أجاكس») في آب 1953، كان الحزب يملك «منظمة الضباط» السرية التي ضمت مئات الضباط، نحو 600 بحسب أشهر التقديرات، في الجيش وسلاح الجو والشرطة، لكنّ تردّد القيادة وانقسامها وانتظارها موقف موسكو شلّت هذه الشبكة، فلم تتحرك لحماية مصدق. وقد دمّر هذا الفشل ثقة الشارع السياسي بالحزب، وأورثه وصمة «الجبن والانتهازية» وتقديم المصالح السوفياتية على المصالح الوطنية.
ثمّ توالت الضربات. فقد اكتشفت الحكومة العسكرية «منظمة الضباط» في صيف 1954، فأُعدم أكثر من عشرين من أعضائها، في مقدمهم العقيد عزت الله سيامك، وسُجن المئات، ثم أُعدم خسرو روزبه عام 1958. وواصل «السافاك»، الذي تشكّل عام 1957، حملات الاستئصال، حتى لم يبقَ للحزب داخل إيران في السبعينيات سوى شبكة سرية ضئيلة عُرفت بـ«نويد»، قادها رحمان هاتفي ومحمد مهدي پرتوي، واقتصرت على نشرة سرية محدودة التأثير. أما القيادة، ومن أبرز أسمائها رضا رادمنش، السكرتير الأول حتى نهاية الستينيات، وعبد الصمد كامبخش، وإيرج إسكندري الذي خلف رادمنش، ثم نور الدين كيانوري الذي تولى القيادة مطلع عام 1979، فعاشت عقودًا في شتات أوروبا الشرقية بين لايبزيغ وبرلين الشرقية وموسكو، وتحولت إلى بيروقراطية معزولة ومتقادمة فكريًا، انقطعت عن التحولات الاجتماعية التي أحدثتها «الثورة البيضاء»، وعجزت عن مخاطبة جيل شاب يتطلع إلى كوبا وفيتنام وإلى غيفارا وفانون. وسار الحزب خلف مبدأ «التعايش السلمي» وأطروحة «الطريق اللارأسمالي للتنمية» اللذين تبنّتهما موسكو؛ فكلما تحسّنت العلاقات الاقتصادية بين طهران وموسكو، كما في إنشاء مجمع أصفهان للصلب، خفّف نقده للشاه. ورفض حرب العصابات متمسّكًا بالنضال السياسي التقليدي، فخسر الشارع الثوري لمصلحة التنظيمات المسلحة الصاعدة. وهكذا دخل ثورة 1979 ضعيفًا تنظيميًا، بلا ذراع عسكرية، ومتكلّسًا أيديولوجيًا.
عقب سقوط الشاه، عاد قادة المنفى واستغلّ الحزب إرثه التاريخي والدعم السوفياتي ليعيد بناء نفسه سريعًا. فاستقطب أعضاء جددًا وأصدر صحيفته «مردم» علنًا. غير أنه تخلى عن استقلاليته وأيّد «خط الإمام»، بوصف النظام الجديد تعبيرًا عن «برجوازية صغيرة مناهضة للإمبريالية»، فصوّت لدستور الجمهورية الإسلامية، وأيّد احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية، وبارك قمع النظام للفصائل اليسارية الأخرى أملًا في حماية موقعه. لكنّ هذا التحالف التكتيكي المأسوي (1979-1983) لم ينقذه. ففي شباط 1983، وبعد أن تبدلت موازين الحرب العراقية- الإيرانية وفترت علاقة طهران بموسكو، وإثر معلومات عن شبكات الحزب أدلى بها ضابط الاستخبارات السوفياتية المنشق فلاديمير كوزيتشكين للاستخبارات البريطانية ثمّ وصلت إلى طهران، شنّ الحرس الثوري حملة اعتقالات أطاحت قيادة الحزب، وفيها نور الدين كيانوري وإحسان طبري ومحمد علي عموئي، ثم تلتها موجة ثانية في ربيع العام نفسه انتهت بحلّ الحزب رسميًا، بتهمة التجسس لمصلحة موسكو والتخطيط لانقلاب. وتعرّض القادة لتعذيب شديد وأُجبروا على اعترافات متلفزة بـ«خيانة الوطن وبطلان الماركسية»، وأُعدم عدد من ضباط تنظيمه العسكري عام 1984، وفي مجزرة صيف 1988 أُعدم المئات من كوادره الباقين في السجون، ليُسدل الستار على وجوده التنظيمي داخل البلاد، وإن استمر حزبًا في المنفى حتى اليوم.
من مصدق إلى اليسار الجديد: انكسار الخيار الدستوري
الجبهة الوطنية الإيرانية
قبل تتبّع مسارات اليسار الإيراني «الجديد»، بتلويناته الماركسية والإسلامية والمسلحة، لا بد من التوقف عند المحطة المفصلية التي شكّلت الوعي السياسي لإيران الحديثة: تجربة التحالف بين تيار «الوطنية المدنية الديموقراطية» وتيار «الإسلامية الإصلاحية» في ظل حكومة الدكتور محمد مصدق، ثم انكسارها الدراماتيكي. فمن رحم هذه التجربة، ومن التفاعلات الداخلية لقطبيها، الجبهة الوطنية وحركة حرية إيران، استُلهمت أفكار التغيير، وفي الوقت نفسه وُلد الإحباط البنيوي الذي دفع الجيل الشاب ونخب الستينيات والسبعينيات إلى التخلّي عن الخيار الدستوري والاندفاع نحو راديكالية اليسار الجديد والكفاح المسلح.
تأسّست الجبهة الوطنية الإيرانية (جبهه ملی ایران) عام 1949 تحالفًا عريضًا قاده الدكتور محمد مصدق، وضمّ أطيافًا متنوعة من الليبراليين والقوميين والاشتراكيين والشخصيات التكنوقراطية، وتحالف معه في البداية رجال دين من أبرزهم آية الله كاشاني، قبل أن ينقلب عليه. ومثّلت الجبهة الذروة التاريخية لـ«الوطنية المدنية الديموقراطية» التي جمعت بين معركتَي السيادة الوطنية، عبر تأميم النفط عام 1951، والتحوّل الديموقراطي، عبر تقييد سلطات الشاه وتفعيل دستور 1906.
وسادت بين الجبهة الوطنية وحزب «تودة» الماركسي الأرثوذكسي حالة من الجفاء والمنافسة الشديدة، إذ اتّهم مصدق حزب تودة بالتبعية الفجّة لموسكو والارتهان للاستراتيجية السوفياتية، والتزم هو سياسة «الموازنة السلبية»، أي رفض منح الامتيازات للقوى الكبرى جميعًا. وقد شكّل انقلاب 1953، المدعوم من أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية، والذي أسقط حكومة مصدق، النقطة الفاصلة التي قضت على الإمكانية الدستورية. فأدّى قمع الشاه اللاحق للجبهة وحظرها إلى استنتاج قاطع لدى الشباب الراديكالي مفاده أن الخيار السلمي والدستوري قد أثبت عجزه التامّ أمام استبداد السلطة وحلفائها الدوليين. وهكذا أصبحت الجبهة الوطنية «المفرخة الأولى» التي خرجت منها كوادر شبابية خائبة الأمل، بحثت عن البديل في الأدبيات الماركسية والعمل السرّي.
حركة «حرية إيران»
أما حركة حرية إيران (نهضت آزادي)، فتأسّست عام 1961 على يد شخصيات من الجناح المتديّن في الجبهة الوطنية، ضاقت بجمودها التنظيمي وعجزها الميداني، وعلى رأسهم مهدي بازركان، وآية الله محمود طالقاني، ويد الله سحابي، ثم امتدّت الحركة إلى الخارج عبر ناشطين مثل إبراهيم يزدي ومصطفى چمران وصادق قطب زاده وعلي شريعتي. وهدفت الحركة إلى إعادة بناء المعارضة عبر صياغة مشروع إسلامي مدني يوفّق بين الديموقراطية وحقوق الإنسان والتراث الروحي للشعب، في معارضة للحكم المطلق وهيمنة الغرب.
ولم تكن حركة الحرية مجرّد حزب إصلاحي، بل كانت الرحم الفكري والتنظيمي المباشر الذي خرجت منه ظاهرة «اليسار الإسلامي». فمن قلب شبكاتها الشبابية والطلابية، وبإلهام من دروس آية الله طالقاني في تفسير القرآن ومن كتابات بازركان نفسه، تولدت منظمة مجاهدي خلق عام 1965؛ إذ رأى شباب الحركة أنّ أسلوب آبائهم المؤسّسين، بازركان وسحابي، في التجمع العريض والمطالبات القانونية، لم يعد مجديًا في مواجهة القمع المطلق بعد انتفاضة حزيران 1963. فدمجوا المفاهيم التحليلية الماركسية حول الصراع الطبقي والإمبريالية بالمعجم الإسلامي، وتحوّلوا إلى الكفاح المسلح، قبل أن تمنحهم محاضرات علي شريعتي، في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات، جمهورًا واسعًا ولغةً جامعة، كما سيأتي.
وتجسّدت مأساة هذا التيار الإصلاحي عقب ثورة 1979، إذ كُلِّف مهدي بازركان بتشكيل الحكومة المؤقتة، لكنّ هذه الحكومة التكنوقراطية الدستورية سرعان ما اصطدمت بالجدار الصلب للتيار الإسلامي الراديكالي (خط الإمام)، فاستقالت في 6 تشرين الثاني 1979، بعد يومَيْن من بدء أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية، وجرى عزل حركة الحرية وتهميشها تمامًا، لتنتهي تجربة الوسطيّة الإصلاحيّة لمصلحة ثيوقراطية دمجت السلطة بالدين.
هكذا يمكن القول إنّ الجبهة الوطنية وحركة الحرية لم تكونا مجرّد محطّتَيْن في النضال المدني، بل شكّلتا «المختبر التاريخي» الذي اقتنعت من خلاله أجيال من الشباب الإيراني أن تغيير النظام البهلوي يتطلب أداةً مختلفة تمامًا: التنظيم الحديدي، والأيديولوجيا الراديكالية، والعنف الثوري؛ وهو المربّع نفسه الذي اندفعت إليه فصائل اليسار الماركسي والإسلامي على حدّ سواء، انطلاقًا من انكسار ديموقراطية مصدق وتهميش إصلاحية بازركان.
الماويّة الإيرانيّة: الريف المُتخيَّل وخذلان بكين
أدّى الخلاف العقائدي والجيوسياسي المتصاعد بين بكين وموسكو في أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات، حول قضايا «التعايش السلمي» مع الغرب ومفهوم «التحريفية السوفياتية»، إلى إحداث تشظٍّ عميق في جسد اليسار العالمي. وفي إيران، لم تكن الماوية مجرد خيار فكري عابر، بل كانت تعبئة راديكالية رافضة للجمود الأرثوذكسي لحزب «تودة»، الذي بات يُنظر إليه من قبل الأجيال الشابة كأداة ممتثلة لأجندة السياسة الخارجية للكرملين. ونرجّح أنّ العداء الشعبي الإيراني لروسيا ثمّ للاتحاد السوفياتي، وهو عداء يستحضر التدخّل الروسي ضدّ الثورة الدستورية، والاحتلال السوفياتي للشمال في الأربعينيات، وخذلان تودة لمصدق، كان عاملًا مساعدًا على رواج الماوية في إيران.
«المنظّمة الثوريّة لحزب تودة الإيراني»
تأسّست «المنظمة الثورية لحزب تودة الإيراني» بين عامَيْ 1964 و1965 عبر انشقاقٍ قادَه شباب وقيادات طلابية ناشطة في «كونفدرالية الطلاب الإيرانيين في الخارج» في أوروبا، أبرزهم كوروش لاشايي، ومهدي خانبابا طهراني، ومحسن رضواني، وپرويز نيكخواه. وقد رفضت المنظمة خط تودة السلمي المرتهن لمبدأ «التعايش السلمي» السوفياتي، وتبنّت التقييم الماوي الذي يعدّ إيران مجتمعًا «شبه إقطاعي، شبه مستعمر». وبناءً عليه، رأت أنّ القوة المحرّكة للثورة ليست الطبقة العاملة الحضرية الضيقة، بل ملايين الفلاحين والمعدمين في الريف.
اعتنقت المنظمة أطروحة ماو تسي تونغ في «الحرب الشعبية طويلة الأمد» واستراتيجية «تطويق المدن انطلاقًا من الأرياف»، فرأت أنّ إسقاط الشاه لن يتمّ عبر النضال النقابي أو الانتظار المؤسّسي، بل عبر «جيش تحرير شعبي» يستقرّ في البؤر الريفية. وعلى هذا الأساس، تلقّى عشرات من كوادرها تدريبات عسكرية وأيديولوجية في الصين خلال «الثورة الثقافية»، وأنشأت شبكة اتصالات امتدت إلى الجزائر وكوبا وقواعد حركة «فتح» في لبنان والأردن. غير أن محاولاتها الميدانية انتهت كلها إلى الإخفاق أمام «السافاك» والجيش: من إيفاد عطا وإيرج كشكولي للالتحاق بتمرّد بهمن قشقائي في فارس (1964-1966)، إلى إرسال كوادر، منهم لاشايي، إلى الحركة المسلحة في كردستان أواخر الستينيات. وعاد نيكخواه إلى إيران فاعتُقل عام 1965 ثمّ أعلن تراجعه، وتبعه لاشايي بعد اعتقاله عام 1972. ودلّت هذه التجارب على أمرين: أن الماويين، حين بحثوا عن «الريف الثوري»، لم يطرقوا إلا أبوابَ عصبيةٍ عشائرية أو قومية قائمة؛ وأن الفلاح الإيراني، المشدود إلى التقاليد من جهة، والمستفيد جزئيًا من الإصلاح الزراعي في «الثورة البيضاء» من جهة أخرى، لم يكن مهيّأً لأداء دور «الفلاح الثوري» على الطريقة الصينية. وهكذا انفتحت فجوة واسعة بين النظرية والواقع الاجتماعي.
لكنّ المحاولات العسكرية الفاشلة لم تكن العقبة الوحيدة. فقد تلقّت الماوية الإيرانية ضربات أيديولوجية متتالية صدرت من بكين نفسها. فشكّلت زيارة الأميرة أشرف بهلوي، شقيقة الشاه، إلى بكين في نيسان 1971، ثم إقامة العلاقات الدبلوماسية بين طهران وبكين في آب من العام نفسه، فزيارة الملكة فرح في أيلول 1972، صدمة أيديولوجية وأخلاقية للمنظمة الثورية، إذ برّرت بكين هذا التقارب برغبتها في بناء جبهة مناهضة لما وصفته بـ«الإمبريالية السوفياتية»، لكنه بدا للقواعد الماوية الإيرانية طعنة في الظهر وخيانة للكفاح المسلح، ما أسفر عن انشقاقات واسعة واهتزاز عميق لمصداقية الشعار الماوي.
ثمّ جاءت أزمة «نظرية العوالم الثلاثة» التي عرضها دينغ شياو بينغ أمام الأمم المتحدة عام 1974 وصارت بعد وفاة ماو تسي تونغ عام 1976 عقيدة بكين الرسمية؛ إذ صنّفت الاتحاد السوفياتي بوصفه «الإمبريالية الاشتراكية» الأخطر، ودعت إلى التحالف مع دول العالم الثالث، بما فيها الأنظمة الموالية للغرب كإيران، لمواجهة موسكو. وبلغت المفارقة ذروتها حين زار الزعيم الصيني هوا غوفينغ طهران في آب 1978، والثورة على الشاه في أوجها. وأدّى ذلك إلى انقسام الماويين الإيرانيين إلى تيارين: تيار ساير الخط الصيني الرسمي وعدّ السوفيات الخطر الأكبر، وهو خط «المنظمة الثورية» ثم «حزب رنجبران»، وتيار رفض هذا الخط وعدّه انحرافًا تحريفيًا، منحازًا إلى ألبانيا أنور خوجة، ومثّلته «توفان»، ثم التقت معه في رفض «العوالم الثلاثة» تنظيمات من خارج البيئة الماوية الأصلية، كمنظمة «بيكار» المنشقة عن مجاهدي خلق.
«حزب رنجبران الإيراني»
بعد سقوط الشاه، عادت القيادات الماوية من الشتات إلى طهران. وفي 26 كانون الأول 1979، اندمجت «المنظمة الثورية» مع مجموعات ماوية صغيرة كانت قد شكّلت معها «لجنة تدارك وتأسيس حزب الطبقة العاملة»، لتأسيس «حزب رنجبران الإيراني» (حزب الكادحين)، تحت شعار: «لا أميركا ولا روسيا، إيران مستقلة تعتمد على ذاتها». وكان من هذه المجموعات «منظمة الكومونيين» التي أسسها طلاب وكوادر في أوروبا في السبعينيات؛ و«اتحاد النضال في سبيل إيجاد حزب الطبقة العاملة»، المنشق أصلًا عن «المنظمة الثورية»، والذي صار القوة الثانية في الحزب؛ و«المنظمة الماركسية- اللينينية الإيرانية (پرولتر)»؛ و«المجموعة الشيوعية في أنديمشك» التي مثّلت امتدادًا عمّاليًا في خوزستان النفطية؛ وأجنحة من مجموعة «أخگر» ومن «مجموعة الثوريين الماركسيين-اللينينيين» ومن حلقات أصغر. تفصيل هذه المجموعات: «منظمة الكومونيين» (سازمان كمونرها)، من المكوّنات الرئيسية للحزب، تأسست في السبعينيات خارج إيران، في أوروبا خاصة، على يد طلاب وكوادر متأثرين بالماوية وبالثورة الثقافية الصينية. و«اتحاد النضال في سبيل إيجاد حزب الطبقة العاملة» (اتحاد مبارزه در راه ایجاد حزب طبقه کارگر) نشأ من انشقاق كوادر عن «المنظمة الثورية» في الخارج، وتحوّل قبيل الثورة من مجموعة دراسية إلى اتحاد تنظيمي. و«المنظمة الماركسية-اللينينية الإيرانية (پرولتر)» تنظيم صغير ركّز على الأدبيات العمالية وانضمّ بكامله إلى الاندماج. ومجموعة «أخگر» (الجمرة) لم ينضمّ منها إلا جناح، وفضّلت أجنحتها الأخرى البقاء مستقلة أو التحالف مع فصائل يسارية أخرى. و«المجموعة الشيوعية في أنديمشك» (گروه کمونیستی اندیمشک) حلقة محلية نشطت في خوزستان. و«مجموعة الثوريين الماركسيين-اللينينيين» مجموعة طلابية فكرية انقسمت حول جدوى الاندماج، فانضمّ جناحها المؤيد لـ«نظرية العوالم الثلاثة» الصينية. و«الحلقة الماركسية-اللينينية في سبيل إيجاد الحزب الشيوعي الإيراني» (محفل مارکسیستی-لنینیستی) حلقة نقاش ضمّت ماركسيين مستقلين وطلابًا التحقوا باللجنة التحضيرية للاندماج. لكنّ تعدّد الخلفيات التنظيمية، واختلاف المواقف من تطورات الصين وإيران، أورثا الحزب انقسامات داخلية حادّة. وحاول الحزب لعبة سياسية مزدوجة: فأيّد من جهة الخطّ المناهض للإمبريالية الأميركية داخل التيار الإسلامي الحاكم، كتأييده احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية ثم الرئيس أبا الحسن بني صدر، وحذّر من جهة أخرى من «تغلغل العملاء السوفيات»، في إشارة إلى حزب تودة. غير أن هذا التكتيك لم يحمِه؛ فمع بدء الحملة الشاملة على اليسار عام 1981 حُظر الحزب، وأُعدم أو اعتُقل العشرات من كوادره، ولجأت بقاياه إلى كردستان منتصف الثمانينيات، ثم إلى المنفى الأوروبي.
وبقي خارج هذا الاندماج تنظيمان. أولهما «توفان»، التي أسسها بين عامي 1965 و1967 قياديون سابقون في تودة، منهم أحمد قاسمي وغلام حسين فروتن وعباس سغائي، انحازوا إلى بكين في الخلاف الصيني- السوفياتي، ثم رفضت السياسة الصينية بعد وفاة ماو وانحازت إلى الخط الألباني، وتُعرف اليوم بـ«حزب العمل الإيراني (توفان)». وثانيهما «اتحاد الشيوعيين الإيرانيين» الذي تشكّل عام 1976 في الغرب، ورفض التكيف مع الجمهورية الإسلامية، وخاض باسم «سربداران» انتفاضة آمل في 25 كانون الثاني 1982، حين اقتحمت قوّة مسلحة منه، بقيادة كوادر ذوي تجربة قتالية في كردستان، مدينة آمل في مازندران، قبل أن تُسحق ويُعدم معظم قياداتها. ثم أعاد التنظيم بناء نفسه في المنفى، وتحوّل عام 2001 إلى «الحزب الشيوعي الإيراني (الماركسي- اللينيني- الماوي)».
فدائيّو خلق: الكفاح المسلّح وأسطورة سياهكل
شكّل ظهور منظمة «چریکهای فدایی خلق ایران» (مقاتلو حرب العصابات، فدائيو الشعب الإيراني) المنعطف الأكثر راديكالية وجاذبية في تاريخ اليسار الإيراني. ولم تكن المنظمة مجرد فصيل ماركسي إضافي، بل كانت تجسيدًا للتمرّد النظري والميداني ضدّ الاستكانة التنظيمية لحزب «تودة»، وردة فعل مباشرة على صدمة قمع انتفاضة 15 خرداد (حزيران 1963)، واستكمالاً لهيمنة جهاز «السافاك» الذي حظر أيّ عمل نقابي أو سياسي سلمي.
تأسست المنظمة رسميًا في نيسان 1971 نتيجة اندماج مجموعتين سرّيتين مثّلت كل منهما قطب جذب نظري وتكتيكي: مجموعة بيژن جزني وحسن ضياء ظريفي، التي ضمّت كوادر سابقة من منظمة الشباب في حزب تودة والجبهة الوطنية، وتميزت بالثقل التحليلي والسوسيولوجي واستندت إلى قراءة البنية الرأسمالية الإيرانية التابعة ونقد السلوك السياسي التاريخي لليسار الأرثوذكسي؛ ومجموعة مسعود أحمدزاده وأمير برويز بويان، التي تشكلت في مشهد وطهران من شباب جامعي راديكالي انقاد كليًا لأطروحات الثورة الكوبية، تشي غيفارا وريجيس دوبريه، وحرب العصابات الحضرية في أميركا اللاتينية، كتجربة التوباماروس في أوروغواي.
في كرّاسه التأسيسيّ «ضرورة الكفاح المسلّح ودحض نظرية البقاء» (1970)، شخّص أمير برويز بويان واقع المجتمع الإيراني بأنه يخضع لثنائية «القوّة المطلقة» للنظام و«الضعف المطلق» للجماهير، بفعل جوّ الرعب الشامل الذي يفرضه السافاك، ما جعل الجماهير تعيش حالة سلبية مستسلمة لا يكسرها إلا عمل الطليعة المسلّح. وجاء مسعود أحمدزاده في كتابه المرجعي «الكفاح المسلّح: استراتيجية وتكتيك معًا» ليتوّج هذه الرؤية، معتبرًا أنّ السلاح ليس أداةً دفاعية بل أداة «دعاية مسلحة»، وأنّ «المحرك الصغير»، أي الطليعة المقاتلة، هو ما يدير «المحرك الكبير»، أي الجماهير، وأن العمليات النوعية ضد رموز القمع ومصادرة أموال المصارف لتمويل التنظيم هي الوسيلة لإقناع الناس بأن السلطة ليست قدرًا محتومًا وأنّ كسر «صنم الشاه» ممكن.
في المقابل، صاغ بيژن جزني، من داخل سجنه، في كتاباته، وأهمّها «تاريخ الثلاثين عامًا» و«كيف يصير الكفاح المسلح جماهيريًا»، مراجعات كلاسيكية عميقة، رفض فيها تحويل الكفاح المسلح إلى «عقيدة مطلقة» أو بديل عن الحزب البروليتاري، ورأى أن العمل المسلح يجب أن يكون تكتيكًا مساندًا لتحريك الجماهير وبناء القواعد العمالية والنقابية، لا بديلًا تعويضيًا عنها، محذّرًا من الوقوع في فخ النخبوية الانعزالية المغامرة.
وفي 8 شباط 1971 هاجمت خلية جبلية من تسعة مقاتلين بقيادة علي أكبر صفايي فراهاني مخفر شرطة في قرية «سياهكل» الجبلية الغابية بمحافظة جيلان، بهدف تحرير رفيق معتقل وتدشين بؤرة كفاح ريفي. وقد فشلت العملية عسكريًا خلال أيام، إذ استنفر نظام الشاه آلاف الجنود والمروحيات لملاحقة الخلية، واعتُقل معظم أعضائها، وأُعدم في آذار 1971 ثلاثة عشر عضواً من المجموعة، بينهم معتقلون من شبكتها في المدن. غير أنّ أثرها الرمزي والسياسي فاق مآلها العسكري؛ فقد كانت «سياهكل» الهزّة العنيفة التي أصابت النظام بالذهول، وتحوّلت الحادثة إلى أسطورة شعبية ومادة للملحمة الأدبية والفنية استحضرها الشعراء والمغنون، أمثال فرهاد مهراد وأحمد شاملو، إذ أثبتت للشارع الإيراني أنّ هناك من هو مستعدّ للشهادة والسلاح في وجه الشاه، فاجتذبت المنظمة مئات الطلاب والجامعيين، أعضاءً ومناصرين.
ورغم أنّ السافاك نجح في تصفية معظم القيادات التاريخية للمنظمة، فقُتل بويان في اشتباك في أيار 1971، وأُعدم أحمدزاده في آذار 1972، وقُتل بيژن جزني وثمانية سجناء آخرين رميًا بالرصاص على تلال إيفين في نيسان 1975 بزعم محاولتهم الفرار، وسقط حميد أشرف، قائد المنظمة الميداني، في حزيران 1976، فإنّ المنظمة خرجت من الثورة أكبر تنظيم يساري علماني وأكثره جماهيرية في إيران. وشاركت كوادرها المسلحة، إلى جانب مجاهدي خلق وفنّيّي سلاح الجو المتمرّدين، في الهجوم على الثكنات ومخازن السلاح في طهران يومي 10 و11 شباط 1979، في الانتفاضة المسلحة التي أجهزت على نظام الشاه.
لم يستمرّ هذا الزخم الموحّد طويلًا عقب سقوط الشاه؛ إذ اصطدمت المنظمة بالواقع المعقد لبناء السلطة الدينية الجديدة بقيادة آية الله الخميني، فخرجت منها أولًا، عام 1979، مجموعة أشرف دهقاني المتمسّكة بخط أحمدزاده المسلح، والتحق بها بحسب بعض التقديرات نحو 30% من الأعضاء وقاتلت في التمرّد الكردي إلى جانب الحزب الديموقراطي الكردستاني، ثمّ وقع في حزيران 1980 الانشقاق الأكبر في تاريخ اليسار الإيراني. فقد تبنى جناح الأغلبية (سازمان فدائیان خلق ایران- أکثریت)، بقيادة فرخ نگهدار، تحليلًا متأثرًا بالخط السوفياتي وحزب تودة، معتبرًا أن النظام الإسلامي الجديد يمثل «البرجوازية الصغيرة المناهضة للإمبريالية الأميركية» وأن الواجب يقضي بدعمه وحمايته من التآمر الإمبريالي، فخلع السلاح وسلّم بعض مقرّاته ودخل المعترك السياسي العلني، بل وصل به الأمر إلى تعاون محدود مع الأجهزة الأمنية ضد التنظيمات اليسارية الراديكالية. غير أنّ هذا الموقف التكيُّفي لم يحمِه؛ فمع حلول عام 1983، واستكمال القضاء على تيار تودة، انقلبت السلطة عليه وشنّت حملة اعتقالات وإعدامات واسعة، فهرب بقية القادة إلى الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية، وتحوّل التنظيم لاحقًا في المنفى إلى حزب ديموقراطي اجتماعي سلمي.
في المقابل، رفض جناح الأقلية (سازمان فدائیان خلق ایران- اقلیت) أيّ مهادنة مع السلطة، واعتبر نظام الجمهورية الإسلامية نظامًا ثيوقراطيًا استبداديًا وخائنًا لأهداف الثورة الشعبية، فتمسّك بسلاحه وبأدبيات أحمدزاده وجزني، ودخل في تحالفات ميدانية وعسكرية مع الأحزاب الكردية، كالحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني، والفصائل الراديكالية الأخرى في كردستان وشمال إيران. وخاض هذا الجناح مواجهات دمويّة ضارية ضدّ الحرس الثوري بين عامَيْ 1981 و1982، توّجت بتصفية شبكاته السرية وإعدام معظم كوادره، لتتجزأ الأقلية لاحقًا إلى فصائل صغيرة ومتناحرة في الشتات الأوروبي.
علي شريعتي واليسار الإسلامي: تبْيِئَة الماركسيّة
لم تكن أفكار الدكتور علي شريعتي مجرّد تنظيرات فكرية عابرة، بل شكّلت الحلقة الأيديولوجية المفقودة والجسر الروحي الذي عبر فوقه الشباب المسلم، لا سيما القادمون من بيئة حركة الحرية ومؤسساتها التنويرية، من ضفاف الإصلاحية المدنية والنضال الدستوري السلمي إلى ضفة الكفاح المسلح والراديكالية الثورية. فبينما قدّم الآباء المؤسِّسون لحركة الحرية، مثل مهدي بازركان ويد الله سحابي، قراءة عقلانية تكنوقراطية توفّق بين الإسلام والعلوم الحديثة والديموقراطية الغربية عبر أسلوب المطالبة القانونية، رأى الجيل الشاب في ستينيات القرن الماضي أنّ هذا الطرح قاصر عن مواجهة عنف الدولة البهلوية وانسداد الأفق السياسي بعد انتفاضة 1963.
وهنا برز دور شريعتي في حسينية «إرشاد» بطهران، بين أواخر الستينيات وإغلاقها عام 1972، حيث أحدث «ثورة إبستمولوجية» داخل المعجم الديني نفسه؛ إذ أخذ أدوات التحليل الماركسي، بمفاهيمها عن الصراع الطبقي والإمبريالية والاغتراب، وأعاد صوغها عبر الموروث الشيعي، محوِّلًا المفاهيم الدينية من أبعادها الطقوسية والفقهية المحافظة إلى مقولات ثورية. فقد ميّز بين «تشيّع صفوي»، مؤسَّسيّ سلطوي يكرّس الخنوع، و«تشيّع علوي» ثوري يوجب مناهضة الظلم، نازعًا بذلك عن المؤسسة الدينية التقليدية احتكار النص. وأعاد تعريف «الشهادة» خيارًا واعيًا في سياق النضال، و«التوحيد» نظامًا اجتماعيًا يرفض الطبقية لا عقيدة ماورائية فحسب، وعمّم مفهوم «المستضعفين» ليصبح مكافئًا للبروليتاريا والمحرومين، متأثرًا بفرانتز فانون وكتابه «معذَّبو الأرض» وبأدبيات التحرّر من الاستعمار. ومن المنبع نفسه جاءت دعوته إلى «العودة إلى الذات» (بازگشت به خويشتن): أي مقاومة الاستلاب الثقافي أمام الغرب بالاستناد إلى الهوية الإسلامية الشيعية بوصفها هوية تحرّرية، لا بالعودة إلى التقليد المحافظ.
وقد منحت هذه «الماركسية الإسلامية»، إن جاز التعبير، شباب حركة الحرية والاتحادات الطلابية السند العقائدي الذي كانوا يبحثون عنه: أيديولوجيا تجعل من الراديكالية والنضال المسلح خيارًا إسلاميًا أصيلًا لا وافدًا غربيًا أو شرقيًا. لم يكن شريعتي الذي توفي في منفاه البريطاني عام 1977، مؤسِّسًا لمنظمة «مجاهدي خلق»، فهي سبقت محاضراته بسنوات وكانت علاقته بها ملتبسة، لكنه كان من وسّع جمهورها ومنح لغتها شرعيتها. فمن الزخم الذي أحدثه خرج الجيل الذي التحق في السبعينيات بالمنظمة وبسائر حركات اليسار الإسلامي الشاب، متجاوزًا جيل الآباء الدستوريين، ومندفعًا نحو العمل السرّي المسلّح ضدّ الشاه.
«سلطان غالييف»
لمحاولة شريعتي سابقةٌ تستحق وقفة مقارنة، صاحبها المفكر والسياسي البلشفي التتري ميرسعيد سلطان علييف (1892-1940) الذي تكتب المصادر الغربية اسمه «سلطان غالييف» (Mirsaid Sultan-Galiev). وتُعدّ أطروحته في «الشيوعية الوطنية الإسلامية» من أهم المحاولات المبكرة لتبيئة الماركسية في مجتمعات الشرق المسلم. ولا دليل موثّقًا على أن شريعتي أو مؤسسي «مجاهدي خلق» قرأوه أو تأثروا به مباشرة، فتراثه طُمس في الأدبيات السوفياتية عقودًا؛ لكنّ القرابة البنيوية بين أطروحته وما صاغه اليسار الإسلامي الإيراني لاحقًا تجعل المقارنة بينهما كاشفة.
كان سلطان علييف، في السنوات الأولى للثورة البلشفية، من أبرز المسؤولين المسلمين في مفوضية القوميات التي ترأسها ستالين، ورئيسًا للهيئة العسكرية الإسلامية المركزية. وقد أسهم في الإعداد لمؤتمر شعوب الشرق في باكو (أيلول 1920)، الذي ترأسه زينوفييف، لكنه لم يحضره، إذ كان قد صار غير مرغوب فيه لدى القيادة بحسب بعض الدراسات. وفي الفضاء نفسه، بين باكو والقفقاس، تأسس الحزب الشيوعي الإيراني، وقامت جمهورية جيلان بقيادة ميرزا كوتشك خان. وقد طرح في تلك السنوات فكرته المركزية: أن الثورة العالمية لن تأتي من البروليتاريا الصناعية الغربية، بل من شعوب المستعمرات في الشرق. ومنحت هذه المقولة شرعية فكرية مبكرة لفكرة الثورة في بلد زراعي يفتقر إلى بروليتاريا صناعية، ويتحرك وجدانه الجمعي عبر الرموز والطقوس الدينية، من عاشوراء ومجالس العزاء إلى المرجعية وشبكة المسجد، لا عبر «الوعي الطبقي» بمعناه الأوروبي.
اعتُقل سلطان علييف عام 1923 بتهمة «الانحراف القومي» وطُرد من الحزب، ثم اعتُقل مجددًا عام 1928، وأُعدم عام 1940. وأغلقت تصفيته، وتصفية تيار «الشيوعية الوطنية» معه، الباب أمام أيّ «ماركسية محلية» في الفضاء الشيوعي المرتبط بموسكو، فنشأ حزب «تودة» بعد ذلك في ظلّ النموذج السوفياتي الأرثوذكسي الصارم، محرومًا من هذا الاحتمال.
أمّا وجوه القرابة بين أطروحته واليسار الإسلامي الإيراني، فثلاثة. أوّلها تبْيِئَة الماركسية وتحويل الدين إلى أداة نضال: فقد دعا سلطان علييف إلى عدم محاربة الإسلام بوصفه «أفيون الشعوب»، والتعامل معه بوصفه ثقافة حيّة لشعوب مضطهَدة تواجه الإمبريالية الغربية، وهي القاعدة نفسها التي أقام عليها شريعتي «التشيّع الثوري»، واعتمدتها «مجاهدي خلق» في دمج المفاهيم الماركسية (الصراع الطبقي، الإمبريالية، الكفاح المسلح) بالمفاهيم الشيعية (الجهاد، الشهادة، التوحيد). وثانيها إحلال «الأمم المظلومة» محلّ «الطبقات»: فقد رأى أنّ مجتمعات الشرق المسلم «أمم بروليتارية» بمختلف طبقاتها في مواجهة الغرب الرأسمالي، ناقلًا مركز الثقل من الصراع الطبقي الداخلي إلى صراع الهوية والمظلومية، وهو المعمار الفكري نفسه الذي ربط به اليسارُ الإسلامي الإيراني النضالَ الاجتماعي بالنضال الوطني ضدّ الشاه وحليفه الأميركي، والذي ورثته لاحقًا ثنائية «المستكبرين والمستضعفين» الخمينية. وثالثها البحث عن «طريق ثالث» يفيد من النقد الماركسي للرأسمالية من دون السقوط في الإلحاد البيروقراطي السوفياتي. وبهذا المعنى، إذا كان حزب «تودة» قد مثّل القطيعة مع روح سلطان علييف، بتبنّيه الأرثوذكسية السوفياتية التي أعدمته، فإنّ اليسار الإسلامي، عند شريعتي ومجاهدي خلق، كان وارثه غير المباشر وغير المعلن: محاولة مصالحة الماركسية مع الوجدان الديني الشرقي للوصول إلى ثورة تحرّرية يرتضيها الشارع.
مجاهدو خلق: من الأيديولوجيا الهجينة إلى الجماعة المُغلَقة
تأسّست «مجاهدي خلق» في أيلول 1965 على يد ثلاثة من خرّيجي جامعة طهران: محمد حنيف نجاد، مهندس زراعي، وسعيد محسن، مهندس مدني، وعلي أصغر بديع زادگان، مهندس كيميائي. وسعت المجموعة إلى ردّ الاعتبار للإسلام بوصفه «أيديولوجيا تحريرية» منافسة للماركسية، ورفضت قراءة الحوزة المحافظة التي اعتبرتها عاجزة عن مواجهة الشاه. ودمجت المنظمة في توليفتها الالتقاطية بين المنهج والتحليل المادي الماركسي للتاريخ والصراع الطبقي ونقد الإمبريالية من جهة، والمضمون العقائدي الشيعي من جهة أخرى، فأعادت قراءة القرآن ونهج البلاغة وتاريخ كربلاء، معتبرةً الحسين «رمزًا للثوري الفدائي»، وعلي بن أبي طالب «إمام المستضعفين والمساواة الطبقية».
وأعدّت «مجموعة الأيديولوجيا» في المنظمة، عامي 1968 و1969، كرّاساتها التأسيسية: «شناخت» (المعرفة) في نظرية المعرفة، و«تكامل» (التطور) في الرؤية الكونية والتاريخية، و«راه انبيا، راه بشر» (طريق الأنبياء، طريق البشر)، ويُنسب أوّلها إلى حسين روحاني وثانيها إلى علي ميهن دوست وثالثها إلى محمد حنيف نجاد؛ ثمّ «اقتصاد به زبان ساده» (الاقتصاد بلغة مبسَّطة) المنسوب إلى محمود عسكري زاده، و«نهضت حسيني» (النهضة الحسينية) لأحمد رضائي. كما أعدّت القيادة تفسيرات لسور من القرآن ولخطب من نهج البلاغة.
غير أنّ السافاك اعتقل في آب وأيلول 1971 معظم القيادة والكوادر، قبل أن تنفّذ المنظمة أيّ عملية كبرى. وفي 25 أيار 1972، أُعدم المؤسِّسون الثلاثة، حنيف نجاد وسعيد محسن وبديع زادگان، مع اثنين من رفاقهم. وواصل مَن بقي طليقًا من كوادرها العمل المسلَّح. فنُفِّذَت في السنوات التالية تفجيرات واغتيالات استهدفت مستشارين عسكريين أميركيين ومسؤولين أمنيين. ونجا مسعود رجوي، عضو اللجنة المركزية، فخُفِّفَ حكمُه إلى المؤبّد بفضل حملة دولية قادها شقيقه كاظم رجوي، الأكاديمي المقيم في جنيف، مستفيدًا من شبكة علاقاته بالحقوقيين والمنظمات الدولية كمنظمة العفو الدولية والصليب الأحمر. ويُذكر أن كاظم رجوي عُيّن بعد الثورة سفيرًا لإيران لدى مقرّ الأمم المتحدة في جنيف، ثمّ استقال وانضمّ إلى المعارضة، حتى اغتيل قرب جنيف في نيسان 1990.
وفي عام 1975، شهدت المنظمة انقلابًا فكريًا قادَه جناح بزعامة تقي شهرام وبهرام آرام، رأى أن الدمج بين الإسلام والماركسية هجين وغير علمي، فأصدر «بيان تغيير المواقف الأيديولوجية» معلنًا التحوّل الكامل إلى الماركسية- اللينينية، وسيطر على الهيكل السرّي. ورافقت الانقلاب تصفيات داخلية للرافضين، فاغتيل مجيد شريف واقفي في أيار 1975، وأُصيب مرتضى صمدية لباف في محاولة اغتيال ثمّ وقع في يد السافاك فأُعدم في كانون الثاني 1976. ومن داخل السجن قاد مسعود رجوي وموسى خياباني إعادة تنظيم الكوادر المسلمة، وأصدر رجوي بيانًا من اثني عشر بندًا يدين انقلاب شهرام ويؤكد الهوية «الإسلامية الثورية»، ما ثبّت شرعيّته بوصفه «وريث المؤسِّسين»، فتولى القيادة عقب إطلاق سراحه في كانون الثاني 1979. وقد اتّسم موقف الخميني والمراجع من المنظمة بالتوجُّس منذ البداية؛ إذ رفض الخميني منحها تأييده حين زاره مبعوثوها في النجف عام 1972، ووصمها رجال الدين المحافظون بـ«الماركسيين الإسلاميين» ثمّ بـ«المنافقين»، معتبرين إسلامها غطاءً شكليًا لأيديولوجيا إلحاديّة.
«بيكار»
أُعيدت تسمية الجناح الماركسي المنشقّ أواخر عام 1978 باسم «منظمة النضال في سبيل تحرير الطبقة العاملة» (سازمان بيكار در راه آزادی طبقه کارگر)، لتصبح إحدى أكثر المنظمات الشيوعية الراديكالية إثارةً للجدل في تاريخ اليسار الإيراني الحديث. ورفضت بيكار «التحريفية السوفياتية» (خط موسكو)، كما رفضت في الوقت نفسه «نظرية العوالم الثلاثة» والتقارب الصيني مع الشاه، ومالت أيديولوجيًا إلى خط حزب العمل الألباني بقيادة أنور خوجة، معتبرةً نفسها الناطق الحقيقي باسم الطبقة العاملة الحضرية ورافضة المراهنة على الفلاحين أو البرجوازية الصغيرة.
وكانت بيكار من أوائل التنظيمات اليسارية التي رفضت شرعية الجمهورية الإسلامية، فقاطعت استفتاء آذار 1979، وعدّت نظام الخميني نظامًا رجعيًا معاديًا للثورة. وانضمّت مبكرًا إلى المواجهات المسلحة مع القوات الحكومية في كردستان، ودعمت حق القوميات في تقرير مصيرها وإضرابات العمال، واتهمت حزب تودة بالعمالة لموسكو، ودخلت في خصومة حادة مع مجاهدي خلق بقيادة مسعود رجوي. غير أنّ نهايتها كانت مأسوية. فقد اعتُقل تقي شهرام صيف 1979 وأُعدم في تموز 1980، ثم تصدّعت المنظمة من الداخل. وعقب الصدام الشامل صيف 1981، شنّ الحرس الثوري حملة تصفية واسعة على شبكتها، فاعتُقل مطلع عام 1982 معظم قيادتها، ومنهم علي رضا سپاسي آشتياني الذي قضى تحت التعذيب بحسب رفاقه، وحسين أحمدي روحاني وقاسم عابديني وشهرام محمديان ومسعود جيگاره، أي الذين أُعدموا لاحقًا. وقد حمّلها الشارع المحافظ وزر الاغتيالات الداخلية التي رافقت انقلاب 1975، وسحقها النظام أمنيّاً. فتلاشت بقاياها في المنفى، والتحق جناح منها عام 1983 بـ«الحزب الشيوعي الإيراني».
أما «مجاهدي خلق» نفسها، فعقب تفجّر صراعها الدموي مع النظام في حزيران 1981 وعزل الرئيس أبي الحسن بني صدر، نُسبت إليها تفجيرات واغتيالات كبرى استهدفت قادة النظام، وفرّ رجوي مع بني صدر إلى باريس في تموز 1981، حيث أُعلن «المجلس الوطني للمقاومة». ثمّ نقل رجوي مقرّ قيادته إلى العراق عام 1986 إبان الحرب العراقية- الإيرانية، وأسّس عام 1987 «جيش التحرير الوطني» في «معسكر أشرف» بمحافظة ديالى، وقاتل إلى جانب جيش صدام حسين ضد القوات الإيرانية، وصولًا إلى عملية «الضياء الخالد» (فروغ جاويدان) في تموز 1988، التي ردّت عليها طهران بعملية «مرصاد». وأفقد ذلك المنظمة مشروعيتها الوطنية في الذاكرة الجمعية، إذ عُدّ تصرّفها «خيانة عظمى». وفرض مسعود ومريم رجوي، منذ «الثورة الأيديولوجية» عام 1985 ثمّ على نحو أشدّ بعد عام 1989، تحوّلًا إلى جماعة عقائدية مغلقة، شمل الطلاق القسري للأعضاء، وفصل الأطفال وإرسالهم إلى أوروبا، والولاء الشخصي المطلق للقيادة، وجلسات النقد الذاتي اليومية، وحظر الاتصال بالعالم الخارجي.
وتشكلت النواة الصلبة للمنظمة، بين عامي 1979 و1981، من الطبقة الوسطى الحضرية والبرجوازية الصغيرة الشيعية في طهران وأصفهان وتبريز، إلى جانب طلاب المدارس والجامعات والمهندسين، غير أنها فشلت في التمدد بين الأقليات القومية، كالأكراد والبلوش والتركمان، التي انحازت إلى تنظيماتها القومية واليسارية، كالحزب الديموقراطي الكردستاني وكومله، المتوجسة من أي صبغة إسلامية، كما عزفت الأقليات الدينية عن الانضمام بسبب الأدبيات الشيعية الثورية للمنظمة.
تيّارات الهامش: أسئلة سبقت زمنها
إلى جانب الكتل الكبرى التي هيمنت على اليسار الإيراني، أي حزب تودة وفدائيي خلق ومجاهدي خلق والتنظيمات الماوية، نشأت تيارات أصغر عددًا وأضعف حضورًا، لكنّها لم تكن أقلّ دلالة. فقد جمع بين معظمها، على اختلاف منابعها، نقدٌ للنموذج الستاليني وللحزب الطليعي المغلق، أو رفضٌ للتبعية لموسكو ولاستراتيجية حرب العصابات معًا، ورهانٌ على التنظيم الذاتي للعمال أو على الجبهة العريضة بدل الحزب الواحد. وتكشف هذه التيارات، بتنوّعها، أنّ اليسار الإيراني لم يكن كتلة صمّاء تتنازعها موسكو وبكين وهافانا فحسب، بل كان أيضًا مختبرًا لأسئلة نقدية سبقت زمنها. غير أنّ مصيرها لم يختلف في جوهره عن مصير الكتل الكبرى: القمع، ثمّ الانقسام، ثمّ المنفى.
«القوّة الثالثة»
لا يمكن فهم التيارات اللاستالينية اللاحقة من دون العودة إلى خليل ملكي (1901-1969)، أحد أعضاء «مجموعة الـ53» وأبرز وجوه الجناح الإصلاحي في حزب تودة. وقد خرج معه في انشقاق 1948، الذي مرّ ذكره، مثقفون بارزون منهم جلال آل أحمد. ثم شارك عام 1951 في تأسيس «حزب كادحي الشعب الإيراني» (حزب زحمتكشان ملت ايران) مع مظفر بقائي، قبل أن ينفصل عنه عام 1952 ليؤسّس «القوة الثالثة» (نيروى سوم)، المؤيِّدة لحكومة مصدق.
وكانت فكرة «القوة الثالثة» نفسها جوهر مشروع ملكي: اشتراكية مستقلة عن المعسكرَيْن الأميركي والسوفياتي، تستلهم تجارب الاشتراكية الديموقراطية الأوروبية ونموذج يوغوسلافيا تيتو وحركة عدم الانحياز، وتربط العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني بالديمقراطية البرلمانية. وبعد انقلاب 1953، سُجِن ملكي، ثمّ أسّس عام 1960 «جمعية الاشتراكيين في الحركة الوطنية الإيرانية»، واعتُقل مجددًا وحوكم في منتصف الستينيات، وتوفّي عام 1969 معزولًا. ومع أن تياره لم يتحوّل إلى قوّة جماهيرية، فقد ترك أثرًا عميقًا في المثقفين الإيرانيين، وظلّت أفكاره عن الاشتراكية المستقلّة والديموقراطية تعود في كل مراجعة لاحقة لتجربة اليسار.
التروتسكيّة الإيرانيّة
أمّا التروتسكية الإيرانية، فوُلدت في المنفى الطلابي لا داخل إيران. ففي الولايات المتحدة تشكّلت عام 1971 «عصبة ستّار» (نسبة إلى ستّار خان، أحد أبطال الثورة الدستورية)، وكان من مؤسِّسيها محمود صيرفي زاده، وهو أذربيجاني من تبريز انضمّ إلى حزب العمال الاشتراكي الأميركي مطلع الستينيات، والأخوان بابك وسيامك زهرائي. وحقّقت العصبة بين 1972 و1974 حضورًا لافتًا عبر ثلاثة مشاريع: دار نشر «فانوس»، التي افتتحت إصداراتها عام 1972 بكرّاس عن «قمع المرأة في إيران» ترجمتْه وشاركت في كتابته آذر طبري (أفسانه نجم آبادي)، أول تروتسكية إيرانية، ثم ترجمت أعمال تروتسكي ونظرية «الثورة الدائمة» وكتاب صيرفي زاده «القومية والثورة في إيران»؛ ومجلة «پیام دانشجو» (رسالة الطالب)؛ و«لجنة الحرية الفنية والفكرية في إيران».
وقد تأسّست هذه اللجنة عام 1973 للدفاع عن الكاتب والشاعر رضا براهني، أحد مؤسّسي «اتحاد الكتّاب الإيرانيين»، ثمّ عن سائر سجناء الشاه بصرف النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية، فاستقطبت دعم شخصيات أميركية ليبرالية بارزة، خلافًا للنهج الفئوي الذي اتّبعته القيادة الماوية لكونفدرالية الطلاب الإيرانيين، التي رفضت الدفاع عن بعض المعتقلين لأنهم «ليبراليون». وفي بريطانيا تشكّلت عام 1974 مجموعة ثانية باسم «أنصار الأممية الرابعة في أوروبا والشرق الأدنى»، عُرفت باسم مجلتها «کندوکاو» (التنقيب)، وكان من أبرز وجوهها هرمز رحيميان ونجم آبادي نفسها بعد أن انتقلت إليها. وقد تأثّرت هذه المجموعة بتيار الأغلبية في الأممية الرابعة بقيادة إرنست ماندل، فيما بقيت عصبة ستّار أقرب إلى حزب العمال الاشتراكي الأميركي. ولم يكن هذا الانقسام الدولي تفصيلًا، بل سيرافق التروتسكيين الإيرانيين حتى نهايتهم.
«حزب العمّال الاشتراكي»
ومع اندلاع الثورة، نقلت عصبة ستّار أعضاءها إلى إيران مطلع عام 1979، وأعلنت في 2 شباط، قبل أيام من سقوط النظام الملكي، تأسيس «حزب العمال الاشتراكي» (حزب كارگران سوسياليست). واتخذ الحزب برنامجًا له «بيان حقوق العمال والكادحين في إيران» دعا فيه إلى انتخاب جمعية تأسيسية، وحلّ السافاك والشرطة والدرك، وحق القوميات المضطهدة في تقرير مصيرها، وتحرير المرأة، وتأميم القطاعات الأساسية تحت رقابة عمالية، وصولًا إلى «حكومة عمال وفلاحين». واندمجت فيه مجموعة «کندوکاو» بعد ذلك، بتشجيع من قيادة الأممية الرابعة، فتولى رحيميان الأمانة العامة وزهرائي رئاسة تحرير الصحيفة. وبلغت عضويته نحو 500 عضو في صيف 1979، ووصل توزيع صحيفته «كارگر» (العامل) إلى 30 ألف نسخة، ونظّم مناظرة علنية بين بابك زهرائي وأبي الحسن بني صدر تابعها الآلاف.
وتبنّى الحزب في ذلك «الربيع القصير» مواقف جريئة: فقد قاطع استفتاء الجمهورية الإسلامية في آذار 1979، وشارك في مقاومة فرض الحجاب الإلزامي، ونظّم بمناسبة يوم المرأة العالمي لقاءً عامّاً كانت الكاتبة الأميركية كيت ميليت متحدّثته الرئيسية، ودافع عن حقوق الأكراد وعرب خوزستان والتركمان، وعن حرية الصحافة والأحزاب. غير أنّ القمع لم يتأخّر. ففي حزيران 1979 اعتقلت لجان الثورة الإسلامية في الأهواز أربعة عشر عضوًا من الحزب، بعد أن وزّعوا منشورًا يتضامن مع مطالب عرب خوزستان الثقافية، وباعوا صحيفة الحزب لعمال النفط. ووجّه إليهم آية الله أحمد جنتي تهمة التآمر لتفجير أنابيب النفط، وأصدر حكمًا بإعدام الرجال الاثني عشر منهم، وبالسجن المؤبد على المرأتين. ولم يُطلق سراحهم إلا في خريف العام نفسه، بعد حملة تضامن دولية واسعة قادتها فروع الأممية الرابعة في أميركا الشمالية وأوروبا. ثم جاءت حملة آب 1979 على الصحافة المعارضة، فحُظرت أربعون صحيفة، بينها «كارگر»، ونُهبت مقارّ الأحزاب، ولم يعد ممكنًا الاحتفاظ بمقارّ علنية.
وفي خضمّ هذا القمع، انفجر الحزب من الداخل في آب 1979، على خلفية الموقف من انتخابات مجلس الخبراء، وفي العمق على خلفية الموقف من النظام الجديد. فقد رأى جناح رحيميان في سلطة الخميني ثورة مضادّة، واحتفظ باسم الحزب وأصدر صحيفة «چه بايد كرد» (ما العمل؟)، واقترب من تيار «الاشتراكية الثورية» في فدائيّي خلق-الأقلية، فانعزل عن التعبئة الشعبية ضد التدخل الأميركي وضد الغزو العراقي. أما جناح بابك زهرائي، فأسس «حزب العمال الثوري» (حزب كارگران انقلابي)، واختار أن يكون معارضة قانونية «صديقة» للجمهورية الإسلامية، وراح يتكيّف مع ما سمّاه «التيارات الإسلامية الشعبية المعادية للإمبريالية»، فشبّهها باليعاقبة في الثورة الفرنسية، وصار يحمّل «الأسر الرأسمالية والإقطاعية الخمسمئة» مسؤولية أزمات البلاد بدل النظام، ويستشهد في افتتاحياته بعبارات الخميني. بل أيّدت صحيفته في 23 نيسان 1980 اقتحام «الجمعيات الإسلامية» للجامعات، الذي مهّد لإغلاقها ثلاث سنوات باسم «الثورة الثقافية»، ووصفت معارضيه بأنهم «معادون للثورة»، ثم سكتت عن الحرب على كردستان في صيف 1980.
وحين اعترض نحو خمسين من أعضاء «حزب العمال الثوري» على هذا المسار، أي ما يقارب 40% منهم، طُردوا على دفعتين، وكان بينهم صيرفي زاده نفسه وعدد من مؤسسي عصبة ستّار وفرع تبريز بأكمله، رغم أن الأمانة الموحدة للأممية الرابعة قرّرت بالإجماع، في تموز 1980، أنّ طردهم غير مسوَّغ. فأسّس المطرودون، مع مجموعة منشقة عن جناح رحيميان، في كانون الثاني 1981، «حزب وحدة العمال» (حزب وحدت كارگران)، في مؤتمر ضمّ نحو ستّين مندوبًا، وتبنّوا «أطروحات حول الثورة الإيرانية» التي دعت إلى حكومة عمّال وفلاحين تقوم على المجالس العمالية، أي إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، وأصدروا صحيفة «همّت»، مستعيدين اسم أوّل تنظيم اشتراكي إيراني نشأ في حقول نفط باكو مطلع القرن العشرين.
لم تصمد أيٌّ من هذه التنظيمات أمام موجة القمع التي اجتاحت البلاد منذ صيف 1981. فقد حلّت قيادة «حزب وحدة العمال» الحزب في كانون الأول 1982 تحت الضغط الأمني، بعد اعتقال صيرفي زاده لفترة قصيرة في سجن إيفين، واعتُقل بابك زهرائي في يناير/ كانون الثاني 1983 وبقي سجينًا حتى عام 1988، فتوقف حزبه عمليًا، وصدر آخر أعداد صحيفة جناح رحيميان في حدود عامي 1982 و1983. ولم يبقَ من التروتسكية الإيرانية بعد ذلك إلا مجموعات صغيرة في المنفى، أبرزها «حزب العمال الاشتراكي الإيراني» في بريطانيا، المرتبط بالأمانة الموحدة للأممية الرابعة، وهو حزب محدود العدد والتأثير.
ويرى كامران نيّري، أحد المشاركين في هذه التجربة، في مراجعته النقدية لها، أن التروتسكيين الإيرانيين كانوا مجموعات دعاية صغيرة، أغلب أعضائها شباب في العشرينيات من أبناء الطبقة الوسطى الميسورة، بلا جذور في الطبقة العاملة، تمزّقها الانقسامات الفوقية والنزعات الزعامية، وأن بعضها انساق إلى التكيّف مع نظام لم يدرك في الوقت المناسب أنه نظام الثورة المضادة. ويذهب نيّري أبعد من ذلك، فيرى أن الخلل كان في نظرية «الحزب الطليعي» نفسها، التي جعلت الحزب يتقدّم على الطبقة العاملة بدل أن يكون أداة لتحرّرها الذاتي. ويسجّل نيّري أيضًا أنّ الجناح المعارض داخل عصبة ستّار عامي 1976 و1977 كان في معظمه من أبناء القوميات المضطهدة، وضمّ جلّ الأذربيجانيين فيها.
«مجموعة فلسطين»
لقد سبقت الإشارة إلى أثر الثورة الكوبية وأطروحات تشي غيفارا وريجيس دوبريه في مجموعة مسعود أحمدزاده وأمير برويز بويان، أحد قطبي تأسيس فدائيي خلق. لكنّ الروح الغيفارية، بمعناها الأوسع، أي تقديم العمل المسلح والمبادرة الثورية على الحزب العقائدي، والربط بين التحرر الوطني الإيراني وحركات التحرر في العالم الثالث، وجدت تعبيرات مستقلة ومختلفة خارج التنظيم.
وأوّل هذه التعبيرات «مجموعة فلسطين»، وهي شبكة من الشباب المعارضين تشكّلت بين 1960 و1963 من ثلاث مجموعات طلابية صغيرة، وكان أبرز وجوهها شكر الله پاكنژاد، خريج الحقوق الذي اعتُقل عام 1965 حين عثرت الشرطة في منزله على نسخة من كتاب غيفارا «حرب العصابات». وقد حاولت المجموعة عام 1969 إرسال أعضاء إلى الصين للتدريب العسكري عبر أفغانستان، فرفض الصينيون، فاتجهت إلى الالتحاق بالمقاومة الفلسطينية للتدرّب في معسكراتها تمهيدًا لإطلاق حرب تحرير وطنية في إيران. واعتُقل أعضاؤها بين أواخر 1969 ومطلع 1970 وهم يحاولون عبور الحدود، وحوكم ثمانية عشر منهم علنًا أمام محكمة عسكرية في كانون الأول 1970، فأعلنوا في المحاكمة عقيدتهم الماركسية-اللينينية، وتحوّلت مرافعة پاكنژاد، التي قال فيها إن المحكمة إنما تحاكم تضامن الشعب الإيراني مع فلسطين وإن سرّ هزيمة الإمبريالية يكمن في حروب التحرير، إلى وثيقة تتناقلها الأجيال. ونالت قضيتهم تضامنًا دوليًا، من بينه دعم جان بول سارتر. وبعد الثورة صار پاكنژاد من قادة «الجبهة الوطنية الديموقراطية»، قبل أن يُعتقَل عام 1981 ويُعدَم في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه.
«الجبهة الديموقراطية الشعبيّة»
أمّا التعبير الثاني، والأكثر أصالة نظريًا، فكان عند مصطفى شعاعيان (1936-1976)، المنظّر الماركسي والمؤرخ والمناضل الذي انفصل عن اللينينية، معتبرًا إياها انحرافًا عن ماركس. وقد أسّس شعاعيان مجموعتَيْن مسلّحتَيْن، أولاهما تجمع ماركسيين ومسلمين ثوريين، ثم أسس مع نادر شايگان شام أسبي «الجبهة الديموقراطية الشعبية» (جبهه دموكراتيك خلق) الداعية إلى الكفاح المسلّح ضد الشاه. وجسّدت الجبهة ما سمّاه شعاعيان «السياسة الجبهوية»: أي أنّ الثورة لا تُصنع بحزب طليعيّ واحد، بل بجبهة عريضة تضمّ التيارات المناهضة للرأسمالية والاستعمار على اختلافها، وتبقى قيادتها مسألة ديموقراطية مفتوحة. ويقوم مشروعه على التعبئة الشعبية بقيادة طليعة سمّاها «المستنير» (روشنگر)، لا الحزب المغلق.
وفي عام 1973، داهم السافاك مشغل المتفجرات التابع للجبهة، فقُتل شايگان واثنان من رفاقه، واعتُقل عشرة آخرون، فانضمّ الناجون، ومنهم مرضية أحمدي أسكويي، إلى فدائيي خلق في حزيران 1973. غير أنّ شعاعيان سرعان ما طُرد من صفوف المنظمة عام 1974 بسبب رفضه اللينينية، فاتّهمها في «رسائله المفتوحة الست» بالفئوية والجمود وباستخدام أساليب ستالينية في قمع الخلاف الداخلي، ورأى أنها، وإن سمّت نفسها حزبًا ماركسيًا- لينينيًا، كانت تعمل فعليًا كجبهة. وعاش سنتيه الأخيرتين متخفيًا بلا سند تنظيمي، يحميه أصدقاء أوفياء، حتى ابتلع كبسولة السيانيد في 5 شباط 1976 خلال تفتيش عابر في أحد شوارع طهران، كي لا يقع في الأسر. وقد نُشر كتابه النظري الرئيسي «انقلاب» (الثورة) في فلورنسا في العام نفسه، في ألف نسخة فقط، وظل فكره مهمّشًا عقودًا، قبل أن يعيد الباحث بيمان وهاب زاده اكتشافه بوصفه أحد أكثر المنظّرين الإيرانيين استقلالًا.
وثمّة أخيرًا وجه ثالث، رمزي وثقافي، للغيفارية الإيرانية، تجسّد في الشاعر والصحافي خسرو گلسرخي والسينمائي والناشط كرامت الله دانشيان. فقد اعتُقل گلسرخي في ربيع 1973، ثم أُلحق بقضية مجموعة من الكتّاب والشعراء والسينمائيين أعلن السافاك في 2 تشرين الأول 1973 اعتقال أفرادها الاثني عشر، بتهمة التخطيط لاحتجاز الملكة فرح أو وليّ العهد رهينةً خلال مهرجان أفلام الأطفال في طهران، للمطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين. وأُعدم الرجلان رميًا بالرصاص فجر 18 شباط 1974. وقد تحولت محاكمتهما العسكرية المتلفزة، ورفضهما التراجع أو طلب العفو، ودفاع گلسرخي عن ماركسيته مستشهدًا بالحسين وعليّ كرمزين للعدالة والفداء، إلى أيقونة لجيل كامل، تختصر تلك الغيفارية الرومانسية التي تمجّد التضحية الفردية أكثر ممّا تبني تنظيمًا.
«الخطّ الثالث»
بعد الثورة، تبلور في اليسار الإيراني تيار عُرف بـ«الخط الثالث» (خط سه)، يرفض التبعية للخطّ السوفياتي الذي مثّله حزب تودة وفدائيّو الأغلبية، ويرفض في الوقت نفسه استراتيجية حرب العصابات التي حكمت تجربة السبعينيات، ويعارض الجمهورية الإسلامية منذ البداية. ومن أبرز تنظيماته، إلى جانب «بيكار» التي سبق ذكرها و«اتحاد المناضلين الشيوعيين» الذي سيأتي ذكره، «منظمة رزمندگان آزادى طبقه كارگر» (مقاتلو حرية الطبقة العاملة) التي عارضت الخط السوفياتي وعقيدة حرب العصابات معًا، ثم اندمجت لاحقًا في «الحزب الشيوعي الإيراني».
«راه كارگر»
لكنّ التنظيم الأكثر عمقًا فكريًا في هذا الفضاء كان «راه كارگر» (طريق العامل)، الذي يُلحق أحيانًا بـ«الخط الثالث» ويعدّه آخرون «خطّاً رابعاً» قائماً بذاته، وقد أسّسه عام 1978-1979 مناضلون من تنظيمات يسارية مختلفة، كثير منهم من السجناء السياسيين السابقين، رفضوا فكرة الكفاح المسلح، وآمنوا بالعمل السياسي الجماهيري، وعرّفوا أنفسهم بوصفهم ماركسيين- لينينيّين يدعون إلى ثورة اشتراكية بقيادة الطبقة العاملة، وتميّزوا عن حزب تودة بمعارضتهم للجمهورية الإسلامية ولقيادة الخميني. وقد اشتهر التنظيم بأطروحته اللافتة أنّ «ثورة 1979 هُزمت في اليوم التالي لانتصارها»، أي أنّ لحظة المساواة الشعبوية التي وحّدت الملايين ضدّ الشاه انتهت فور سقوطه، وأنّ التناقضات الطبقية لم يعد ممكنًا حلّها بتضامن عامّ بلا مضمون سياسي. كما انتقد «بيكار» على قراءاتها النصّية للينين التي تعفيها من التحليل الملموس. وغيّر التنظيم اسمه عام 1982 إلى «منظمة العمال الثوريين في إيران - راه كارگر»، وسقط عدد من كوادره في حملات الإعدام في الثمانينيات، ثم انتقل إلى المنفى، ومقرّه اليوم في فرانكفورت، وعرف انشقاقًا عام 2008.
«الشيوعيّة العمّاليّة»
خرج من رحم «الخط الثالث» تيّار أراد القطع الجذري مع الإرث الشعبوي والقومي لليسار الإيراني بعد 1953، عُرف لاحقًا بـ«الشيوعية العمالية». فقد أسّس منصور حكمت (واسمه الحقيقي ژوبين رازاني) مع حميد تقوائي ورفاق آخرين في كانون الأول 1978 حلقة «سهند» التي صارت «اتحاد المناضلين الشيوعيين»، وقد قام على نقد الشعبوية والماوية معًا، وركّز على المجالس العمالية (الشوراها) التي نشأت في المصانع خلال الثورة. ومع اشتداد القمع لجأ التنظيم عام 1981 إلى كردستان، حيث تحالف مع «كومله»، ذات الجذور الماوية، ثمّ اندمج معها ومع جناح من منظمة «بيكار» ومجموعات يسارية أصغر، فتأسّس «الحزب الشيوعي الإيراني» في 2 أيلول 1983. وقد غلب خطّ «اتحاد المناضلين» على برنامج الحزب وتوجّهه النظري، فيما وفّرت «كومله» قاعدته الجماهيرية وقوّته المسلحة، وصارت منظمته في كردستان مع احتفاظها ببعض بنيتها المستقلة.
ثمّ انشقّ حكمت عن هذا الحزب، فشكّل في تشرين الثاني 1990 «الجناح الشيوعي العمالي» داخله، وأسّس في تشرين الثاني 1991 «الحزب الشيوعي العمالي الإيراني»، على خلفية الخلاف حول ما رآه نزعة قومية يسارية في الحزب، ولا سيّما في جناحه الكردي. ويرى أنصار حكمت أن «الحزب الشيوعي الإيراني» كان جوابه على هجمة الجمهورية الإسلامية، وأنّ «الحزب الشيوعي العمالي» كان جوابه على الهجمة العالمية على الشيوعية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وقد دعا الحزب الجديد إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية وإقامة «جمهورية اشتراكية»، وتبنّى خطابًا علمانيًا جذريًا يضع حقوق المرأة والطفل والحريات الفردية في صدارة برنامجه، فأطلق مثلًا حملة «الأطفال أولًا» للدفاع عن حقوق الأطفال، وأسهم في تأسيس حزب شقيق في العراق عام 1993، نشأ من مجموعات بنت مجالس عمالية قصيرة العمر في السليمانية بعد انتفاضة 1991.
وبعد وفاة حكمت في لندن في 4 تموز 2002، توالت الانشقاقات: ففي عام 2004 خرج أكثر من نصف لجنته المركزية ومعظم لجنته في كردستان ليؤسسوا «الحزب الشيوعي العمالي - الحكمتي»، متهمين قيادة الحزب الأمّ بـ«التراجع إلى اليسار التقليدي»، فيما وصفتهم هذه بـ«الانشقاق اليميني»، ثم وقع انشقاق آخر عام 2012 بالاسم نفسه. ولا تزال هذه الأحزاب، ومعها «الحزب الشيوعي الإيراني» و«كومله» بفروعها المتعددة، تنشط أساسًا في المنفى وفي كردستان، عبر الإعلام والمواقع الإلكترونية وحملات التضامن. وتكمن أهمية هذا التيار، بصرف النظر عن حجمه، في أنه شكّل أول قطيعة نظرية شاملة مع النموذج الذي حكم اليسار الإيراني منذ 1953، أي الجمع بين معاداة الإمبريالية والشعبوية والقومية، لصالح شيوعية علمانية عمّالية أمميّة.
«كومله»
لا تكتمل صورة تيارات الهامش من دون «كومله» التي كانت هامشية على صعيد إيران كلها، لكنها كانت قوة جماهيرية في كردستان، وما زالت من أبرز قوى المعارضة الكردية. فبحسب رواية أحد مؤسّسيها، عبد الله مهتدي، وُلدت «كومله» (واسمها «المنظمة الثورية لكادحي كردستان إيران») في 27 تشرين الأول 1969، في اجتماع سرّي في طهران ضمّ سبعة طلاب أكراد، من بينهم فؤاد مصطفى سلطاني ومحمد حسين كريمي ومهتدي نفسه. غير أنّ الباحث عباس ولي يرى أنّ التنظيم الذي تأسّس عام 1969 لم تكن له هوية إثنية محدّدة ولا موقف من مسألة كردستان، وأنّ أعضاءه الأكراد هم الذين أسّسوا لاحقًا فرعًا خاصًا بهم. وقد عملت المنظمة سرّاً، متأثّرةً بالماوية وبفكرة العمل بين الفلاحين، حتى إنّ كريمي أسس قبل ذلك «اتحاد الفلاحين» مستفيدًا من صلاته بوجهاء المنطقة وعائلاتها، ثمّ خرجت إلى العلن بعد الثورة.
وخاضت «كومله» الكفاح المسلّح ضدّ الجمهورية الإسلامية منذ التمرّد الكردي عام 1979، الذي قُتل في أثنائه مؤسّسها فؤاد مصطفى سلطاني في 31 آب 1979، ثمّ خلال الحرب العراقية- الإيرانية. ورفضت عام 1981 الانضمام إلى «المجلس الوطني للمقاومة» الذي قادته «مجاهدي خلق»، وتخلّت عن الماوية مقتربةً من «الماركسية الثورية» لاتحاد المناضلين الشيوعيين، ثمّ اندمجت معه عام 1983 في «الحزب الشيوعي الإيراني» بوصفها منظّمته في كردستان، كما مرّ. لكنّ أقسى فصولها كان الحرب الدامية مع «الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني» في الثمانينيات، التي وصفتها لجنتها المركزية بأنها صراع على الهيمنة على كردستان وعلى قيادة الحركة الكردية الثورية، وسمّاها مهتدي «حربًا أهلية دامت سبع سنوات»، فاستنزفت الحركة الكردية كلها في مواجهة النظام.
وبعد هزيمتها العسكرية، وجدت «كومله» ملاذًا في إقليم كردستان العراق الناشئ، ومقرّ أكبر فروعها اليوم في السليمانية. وفي عام 2000، انشقّ مهتدي عن «الحزب الشيوعي الإيراني» مستعيدًا الاسم الأصلي «حزب كومله كردستان إيران»، وأعلن تبنّي الاشتراكية الديموقراطية، والدعوة إلى الفيدرالية والعلمانية والمساواة للأكراد وسائر الأقليات. ثمّ عرف هذا الحزب بدوره انشقاقَيْن عامَيْ 2007 و2008، اتهم فيهما المنشقون مهتدي بالقيادة غير الديموقراطية. وتوزّعت «كومله» بذلك على ثلاثة فروع رئيسية: «كومله» التابعة للحزب الشيوعي الإيراني، المحافظة على التوجّه الماركسي، و«حزب كومله كردستان إيران» بقيادة مهتدي، و«كومله كادحي كردستان». وقد توحّد الفرعان الأخيران في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، في ذروة انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» التي انطلقت من كردستان، لكنّ التحالف انهار في 21 حزيران 2023، ثم عاد الفرعان فالتقيا، مع الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني وأحزاب كردية أخرى، في «ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران» الذي أُعلن في 22 شباط 2026، في أعقاب انتفاضة الشتاء وقبل أيام من اندلاع الحرب، ودعا إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، فيما لم تكن «كومله» التابعة للحزب الشيوعي الإيراني بين أعضائه المعلنين. وتختصر رحلة «كومله» هذه، من الماوية الفلاحية إلى الشيوعية الحزبية ثمّ إلى الاشتراكية الديموقراطية الفدرالية، تحوّلات اليسار الإيراني كله، كما تكشف كيف تحوّل «سؤال القوميات» من بند في برامج اليسار إلى محور وجوده ذاته في الأطراف.
المجالس العمّاليّة
وإذا كان ثمّة ميدان التقت فيه معظم تيارات الهامش، على تباينها، فهو المجالس العمالية (الشوراها) التي نشأت خلال الثورة وبعدها. ففي أماكن العمل، ولا سيما في الصناعات الكبرى، تحوّلت لجان الإضراب إلى مجالس عمّالية تولّت إدارة المنشآت حين انهارت إداراتها وفرّ بعض أصحابها ومديريها، ونظّم الفلاحون مجالسهم للنضال من أجل الأرض، ونشأت مجالس في الكليات والجامعات. وبعد احتلال السفارة الأميركية في تشرين الثاني 1979، شاركت المجالس في التظاهرات الكبرى، وبدأت تسعى إلى التنسيق في ما بينها جغرافيًا (مجالس غرب طهران وشرقها) وبحسب القطاعات والمجمعات الصناعية، وعقد العمال والفلاحون مؤتمرات يطالبون فيها بحقوقهم الاقتصادية والسياسية.
وقد رأت تيارات الهامش في هذه المجالس جنين السلطة العمالية التي تحلم بها: فجعلها التروتسكيون أساس «حكومة العمال والفلاحين» في برامجهم، وبنى عليها «اتحاد المناضلين الشيوعيين» تصوّره للثورة الاشتراكية، وتابعها «راه كارگر» وغيره بالتحليل والتنظيم. لكنّ السلطة الجديدة سارعت إلى إنشاء مؤسسات موازية تابعة لها: «الجمعيات الإسلامية» و«المجالس الإسلامية» في أماكن العمل، و«دار العمال» التي سيطرت عليها القوى الموالية للخميني. وقد ظهر هذا الانقسام منذ أوّل عيد للعمّال بعد الثورة، إذ نُظّمت في طهران تظاهرتان منفصلتان، إحداهما لليسار وأخرى لـ«دار العمال». وظلّ الصراع قائمًا بين المجالس المستقلة الجامعة والمجالس الإسلامية المتعاونة مع الحكومة حتى صيف 1982، حين حُسم بالقوة: قُمعت المجالس المستقلة، واعتُقل قادتها وناشطوها وسُجنوا، وأُعدم بعضهم. ومع سحقها فقدت تيارات الهامش الحقل الاجتماعي الوحيد الذي كان يمكن أن يمنحها جذورًا في الطبقة العاملة.
الفوضويّة
أمّا الفوضويّة، فلم يعرف اليسار الإيراني في تاريخه الطويل تيارًا منظّمًا ذا شأن يمثّلها، إذ تكاد أدبيات الثورة الدستورية وتجارب الأربعينيات والسبعينيات لا تذكر إلا أفرادًا متأثرين بالفكر الفوضوي. ويعود ذلك إلى أسباب متراكمة: هيمنة النموذج اللينيني بتنويعاته السوفياتية والصينية والكوبية على الثقافة اليسارية الإيرانية، ومركزية الدولة في المخيال السياسي الإيراني يمينًا ويسارًا، وطبيعة القمع الذي جعل العمل السرّي المنظّم الهرمي يبدو الشكل الوحيد الممكن للمعارضة.
لم تظهر الفوضوية بوصفها تيارًا منظّمًا إلا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومن المنفى أيضًا. ففي 15 آب 2009، على وقع احتجاجات «الحركة الخضراء»، تأسّست خارج إيران مجموعة «صوت الفوضوية»، ثمّ أعيد تنظيمها بين 2011 و2014 باسم «الشبكة الفوضوية»، وأطلقت عام 2013 موقع «عصر الفوضوية» (عصر آنارشيسم). وفي عام 2015، انضمّ إليها فوضويون أفغان، وفي عام 2018، تأسّس «اتحاد فوضويّي أفغانستان وإيران» من ثلاث نوى: فوضويّون في المنفى، ومجموعة داخل إيران، وأخرى داخل أفغانستان، ثمّ صار الاتحاد عام 2020 جزءًا من «فدرالية عصر الفوضوية»، وتُعرَف المجموعة اليوم باسم «الجبهة الفوضوية». ويقبل الاتحاد في صفوفه كل التيارات الفوضوية باستثناء الدينية والسلمية و«الرأسمالية»، ويعمل بمبدأ التوقيع المشترك على البيانات، مع احتفاظ كل مجموعة باستقلالها.
وتقول هذه المجموعات إنّ أعضاءها شاركوا في الموجات الاحتجاجية المتلاحقة، من احتجاجات 2009 إلى احتجاجات 2017-2018 و2019 و2021، ثمّ في انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، التي رأت فيها إمكانًا مناهضًا للرأسمالية، معتبرةً أنّ تحرير المرأة شرط لأيّ تحرّر. ووصفت انتفاضة شتاء 2025-2026، التي انطلقت من إغلاق الأسواق احتجاجًا على انهيار الريال والتضخم، بأنها «تنظيم ذاتي حقيقي لناس عاديين، بلا قيادة ولا فصيل سياسي يوجّهها». ويقوم خطابها على معاداة السلطة بكل أشكالها، فهي تعارض الجمهورية الإسلامية والحرب الخارجية عليها معًا، تحت شعار «ضدّ كلّ الحكومات، ضدّ حربها»، وتنتقد بحدّة اليساريّين الغربيّين الذين يتضامنون مع النظام الإيراني باسم معاداة الإمبريالية. غير أنها تبقى شبكات صغيرة لامركزية، يغلب عليها النشاط الإلكتروني والعمل مجهول الهوية، بسبب الملاحقة السريعة التي يتعرّض لها أيّ معارض داخل إيران.
نقابات ومنظّمات مدنيّة مستقلّة
إذا كانت تيارات الهامش قد انتهت إلى المنفى، فإنّ كثيرًا من الأفكار التي حملتها عادت إلى الظهور داخل إيران، لا في صورة أحزاب، بل في صورة نقابات ومنظمات مدنية مستقلة. وأوضح تعبير عن ذلك «ميثاق المطالب الدنيا للنقابات المستقلة والمنظمات المدنية في إيران»، الذي أصدرته في 14 شباط 2023 عشرون نقابة ومنظمة مستقلة داخل البلاد، في ذروة انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية». ومن موقّعيه «المجلس التنسيقي للمنظمات النقابية للمعلمين»، و«نقابة عمال شركة قصب السكر هفت تبه»، و«مجلس تنظيم احتجاجات عمال النفط المتعاقدين»، و«اتحاد العمال الأحرار»، ومنظمات للمتقاعدين والطلاب والنساء.
ويبدأ الميثاق بشعار «المرأة، الحياة، الحرية»، ويطالب بالإفراج الفوري غير المشروط عن جميع السجناء السياسيين، وإلغاء تجريم النشاط السياسي والنقابي والمدني، ومحاكمة الآمرين بقمع الاحتجاجات ومنفّذيه، وحرية الإعلام والنقابات والتنظيمات الشعبية المستقلة، وضمان الأمان الوظيفي ورفع الأجور بمشاركة ممثلين تنتخبهم المنظمات المستقلة. ورأت فيه مجلة «جاكوبين» اليسارية تحوّلًا تاريخيًا في نموذج اليسار الإيراني، لأنه يقدّم تمثيلًا تعدّديًا للطبقة العاملة، لا يشمل العمال من مختلف القطاعات فحسب، بل أيضاً النساء ومجتمع الميم والجماعات الإثنية والدينية التي تصنّفها الدولة «أقليات»، وإن لاحظت المجلة نفسها أنّ أيًّا من المنظمات الموقعة لا يمثّل الأكراد أو البلوش أو العرب أو الأذريّين.
واللافت أنّ الأحزاب اليسارية في المنفى، ومنها «الحزب الشيوعي العمالي»، سارعت إلى تبنّي الميثاق ونشره وترجمته، في انقلابٍ لافت للعلاقة التاريخية بين الطليعة والحركة: فلم تعد الأحزاب هي التي تصوغ برامج الحركات الاجتماعية، بل صارت تلحق بما تصوغه هذه الحركات من الداخل. وفي هذا الانقلاب يكمن مصير تيارات الهامش، بل مصير اليسار الإيراني كله: لقد خسرت التنظيمات، لكنّ بعض أفكارها، ولا سيما الاستقلال النقابي، والديموقراطية من القاعدة، والمساواة الجندرية والقومية، وجدت حاملًا اجتماعيًا جديدًا لم تصنعه هي.
والمفارقة أنّ هذه التيارات الصغيرة، التي ظلت على هامش اليسار الإيراني، حملت أفكارًا تبدو اليوم أقرب إلى روح الحركات الاحتجاجية الجديدة من أفكار الكتل الكبرى: الاشتراكية المستقلة عن المعسكرين عند خليل ملكي، ونقد الحزب الطليعي والستالينية عند التروتسكيين وشعاعيان، والجبهة العريضة بدل الحزب الواحد عند شعاعيان أيضًا، ورفض التبعية والعنف المسلح معًا عند «الخط الثالث»، والرهان على المجالس العمالية والعلمانية الجذرية عند الشيوعيين العمّاليين، والتنظيم الأفقي اللامركزي عند الفوضويّين، والجمع بين العدالة الاجتماعية وحقوق القوميات عند «كومله».
لكنّها لم تنجح في تحويل هذه الأفكار إلى قوة اجتماعية؛ فقد سحقها القمع كما سحق غيرها، ومزّقتها الانقسامات الفوقية والنزعات الزعامية، وأغرى بعضها، كما في حالة «حزب العمال الثوري»، وهمُ التحالف مع «جماهير» النظام باسم معاداة الإمبريالية، وانتهى معظمها إلى المنفى، حيث تحوّل إلى منابر نشر ومواقع إلكترونية. وهي بذلك تؤكد، من موقع الهامش، الدرس الذي يتكرّر في كلّ محطات هذه الدراسة: أنّ صواب الفكرة لا يكفي إن لم يجد حاملًا اجتماعيًا، وأنّ القمع وحده لا يفسّر الهزيمة، إن لم نضف إليه أعطاب التنظيم والثقافة السياسية من الداخل.
حصيلة المسارات: اليسار وحواضِنُه
إذا وُضعت هذه المسارات جنبًا إلى جنب، بدت الفوارق بينها حادّةً عشية الثورة: حزب «تودة» متجذّر فكريّاً وثقافيّاً لكنّه بلا ذراع عسكرية وبلا استقلال عن موسكو؛ والماويون مشتَّتون بين المنفى والداخل، بلا قوّة قتالية تُذكر؛ وفدائيّو خلق أصحاب أوسع شعبية طلابية وعمالية في اليسار العلماني؛ ومجاهدو خلق التنظيم الأشد انضباطًا والأقوى عسكريًا؛ وجناحهم الماركسي المنشق، «بيكار»، خلايا سرية بالغة التشدّد. واختلفت كذلك مواقفها من السلطة الجديدة: فأيّدها تودة تأييداً تامّاً بوصفها مناهضة للإمبريالية، وحذا حذوه فدائيو الأغلبية، ومنحها الماويّون دعمًا مشروطًا ومؤقتًا، وجرّب مجاهدو خلق مشاركة سياسية انفجرت صدامًا مسلّحًا مفتوحًا في صيف 1981، فيما جاهر فدائيو الأقلية و«بيكار» ومعظم تيارات الهامش بالعداء لها منذ البداية. غير أنّ اختلاف المواقف لم يغيّر المصير: فمَن عارض سُحق بين 1981 و1982، ومن أيّد صُفّي عام 1983 حين انقضت الحاجة إليه، ومن بقي في السجون أُعدم كثير منهم في صيف 1988. ولم تنجُ تنظيميًا إلا «مجاهدي خلق»، بثمن التحالف مع صدام حسين والتحوّل إلى جماعة مغلقة في المنفى. فلا التأييد حمى أصحابه ولا المعارضة؛ وفي ذلك ما يرجّح أنّ ما قرّر مصير اليسار لم يكن موقعه من السلطة، بل افتقاره إلى قاعدة اجتماعية تجعل سحقه مكلفًا.
ثمّة ملاحظة ثانية تعبر هذه المسارات كلها، وهي أنّ اليسار الإيراني، ولا سيما المسلّح منه، نشط حيث وجد عصبيةً قوميةً أو أهليةً تؤويه. فالشيوعية الإيرانية الأولى وُلدت بين مهاجري أذربيجان في باكو وفي جيلان، واقترنت ذروةُ صعود تودة بحكومتَي أذربيجان ومهاباد. وأوفدت المنظمة الثورية الماوية كوادرها في الستينيات إلى تمرد قشقائي في فارس ثمّ إلى الحركة المسلحة في كردستان. وبعد 1979 صارت كردستان ملجأً شبه جامع: قاتلت فيها بيكار وفدائيو الأقلية ومجموعة أشرف دهقاني إلى جانب «كومله» والحزب الديموقراطي الكردستاني، ولجأ إليها اتحاد المناضلين الشيوعيين عام 1981، وفيها تأسس الحزب الشيوعي الإيراني عام 1983، واستقرت فيها بقايا حزب رنجبران منتصف الثمانينيات، ومنها جاء القادة العسكريون لـ«سربداران». وحضر الفدائيون في حرب گنبد بين التركمان ربيع 1979، وتضامن التروتسكيون مع عرب خوزستان، وكان جناحهم المعارض نفسه، بحسب نيّري، من أبناء القوميات المضطهدة في معظمه.
غير أنّ هذه الملاحظة لا تصحّ إلا بقيدَيْن يمنعان تعميمها. الأوّل أنّها لا تصدُق على حرب العصابات قبل 1979: فالفدائيون ومجاهدو خلق كانوا حركة مدن وجامعات، فارسية شيعية في غالبها، خرج مؤسِّسوها من طهران ومشهد وتبريز، واختيرت سياهكل لغاباتها لا لعصبية أهلها، وأخفق مجاهدو خلق، كما مرّ، بين الأكراد والبلوش والتركمان. والثاني أن العصبية آوت اليسار ولم تتبنَّه: فالعصبية الكردية كانت قومية، وصاحبها الأول الحزب الديموقراطي الكردستاني، والتنظيمات الوافدة من طهران كانت ضيوفًا تحتمي بالجبل والحدود وضعف قبضة الدولة، من دون أن تكسب قاعدة محلية. التنظيم الوحيد الذي تجذّر فعلًا، أي كومله، انتهى حزباً قوميّاً كرديّاً، وتجربة قشقائي انتهت بالإخفاق. فالحاضنة حمت السلاح ولم تحمل المشروع.
خلاصة ذلك أنّ الحاضنة القومية تفسّر أين استطاع اليسار المسلّح أن يبقى، لا لماذا نشأ ولا لماذا أخفق. وهي تؤكد، من زاوية أخرى، أطروحة هذه الدراسة: أنّ اليسار لم يجد حاملًا اجتماعيًا إلا حين استعار تضامنًا غير طبقي؛ فالإسلاميون استعاروا التضامن الديني فربحوا المركز، واليسار استعار التضامن القومي فعاش في الأطراف، ولم يصنع أيٌّ من فصائله تضامناً طبقيّاً يحمله. وهو ما كان سلطان علييف قد حدسه مبكرًا حين وضع «الأمم المظلومة» موضع «الطبقات».
صيف 1988: الضربة القاضية
شكّلت إعدامات صيف عام 1988، بين أواخر تموز وأيلول، واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، والضربة التي أنهت ما تبقّى من الوجود التنظيمي لفصائل اليسار وقوى المعارضة الراديكالية داخل البلاد. وجاءت هذه الحملة بفتوى سرية صدرت عن آية الله الخميني، في أعقاب قبول إيران قرار مجلس الأمن رقم 598 وإيقاف الحرب مع العراق التي استمرّت ثماني سنوات، وتحديدًا بعد عملية «الضياء الخالد» (فروغ جاويدان) التي شنّتها قوات منظمة مجاهدي خلق عبر الحدود العراقية بدعم من نظام صدام حسين.
وبموجب هذه الفتوى أُنشئت داخل السجون لجان سرية عُرفت بـ«لجان الموت»، ضمّت في طهران القاضي الشرعي حسين علي نيّري والمدعي العام مرتضى إشراقي ونائبه إبراهيم رئيسي وممثل وزارة الاستخبارات مصطفى پورمحمدي. ومَثَل أمامها آلاف السجناء، وكثير منهم محكومون يقضون عقوباتهم، في جلسات لم تتجاوز دقائق، دارت أسئلتها حول استمرار الولاء العقائدي أو التنظيمي. وجرت المجزرة على مرحلتين: استهدفت الأولى سجناء «مجاهدي خلق»، الذين عُدّوا «محاربين» وامتدادًا لـ«العدو البعثي»، فأُعدم كلّ من رفض التبرّؤ من المنظمة وقيادتها؛ ثم امتدّت المشانق بعد أسابيع إلى سجناء اليسار الماركسي، من تودة وبيكار وجناحَي الفدائيين وسواهم، فسُئلوا عن موقفهم من الإسلام والصلاة ووجود الله، وأُعدم من أصرّ على ماديته.
وتقدّر منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية أخرى عدد الضحايا بنحو خمسة آلاف على الأقلّ، فيما تحدّث آية الله منتظري، نائب الخميني الذي احتج على الإعدامات فخسر موقعه، عن بضعة آلاف، وتصل الأرقام في أدبيات المعارضة إلى أضعاف ذلك. ودُفن الضحايا في مقابر جماعية سرّية، أبرزها مقبرة «خاوران» جنوب شرق طهران. وظلّ الملف بلا محاسبة داخل إيران: فإبراهيم رئيسي صار رئيسًا للجمهورية عام 2021 حتى مقتله في تحطّم مروحيته في أيار 2024، وكانت المحاكمة الوحيدة هي التي أدانت فيها محكمة سويدية عام 2022 حميد نوري، أحد مسؤولي سجن گوهردشت، بالسجن المؤبّد، قبل أن يُفرَج عنه في صفقة تبادل سجناء في حزيران 2024.
وقد أحدثت هذه التصفيات تجريفًا للجيلَيْن الأوّل والثاني من الكوادر التنظيمية والميدانية لليسار، وتسبّبت في شلل تنظيميّ شامل ومستدام، إذ جُرّدت تلك الحركات من خيرة عقولها وقادتها الأيديولوجيّين المتبقّين داخل البلاد. وأدّت المجزرة إلى قطع الخيط التاريخي بين النخبة اليسارية والجيل الشاب، ما دفع بقايا تلك الأحزاب إلى التلاشي التامّ داخل إيران والتحوّل إلى فصائل ومنتديات ثانوية مشتّتة في المنفى الأوروبي والدولي. وبذلك انتهت حقبة النضال اليساري المنظّم داخل إيران.
المشهد الراهن (2022-2026): امتحان البدائل
بعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك المجزرة، كان المجتمع الإيراني قد تغيّر تغيّرًا عميقًا: جيل شاب قطع الصلة بالأيديولوجيات الشمولية وبالتثقيف الحزبي المغلق، واتجه نحو علمانية صريحة وشبكات أفقية وحريات فردية. وتجلّى ذلك في انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» (2022-2023) التي حلّت فيها لجان الأحياء والشبكات الميدانية والنقابات المستقلة محلّ الأحزاب، واستلهمت رموزًا من الداخل دفعت ثمن مواقفها سجنًا، كنرجس محمدي الحائزة جائزة نوبل للسلام عام 2023 والناشط العمالي جعفر عظيم زاده، وعبّر شارعها عن رفض الاستبدادين معًا بشعار: «الموت للظالم، شاهًا كان أم مرشدًا» (مرگ بر ستمگر، چه شاه باشه چه رهبر). وكان رفض هذا الجيل لمنظمة «مجاهدي خلق» أوضح دليل على تلك القطيعة: فتحالفها مع صدام حسين ما زال في الذاكرة الوطنية «خيانة لا تُغتفر» أفشلت كل محاولة لتقديم مريم رجوي بديلًا ديموقراطيًا. أضف إلى ذلك أنّ شباباً يطالبون بإنهاء الرقابة على الجسد لا يرون في تنظيم يقوم على الطاعة المطلقة للقيادة والحجاب الموحد والطلاق الإجباري وحظر الهواتف الذكية إلا «الوجه الآخر لولاية الفقيه».
لم تكن انتفاضة 2022 نهاية المطاف. ففي حزيران 2025، شنّت إسرائيل، ثم الولايات المتحدة، حربًا جوية على إيران دامت اثني عشر يومًا واستهدفت منشآتها النووية وقياداتها العسكرية، وتلتها إعادة فرض العقوبات الأممية في خريف العام نفسه، فانهار الريال وتفاقم الغلاء. وفي 28 كانون الأول 2025، أغلق تجار بازار طهران محالهم، وسرعان ما تحوّل الاحتجاج المعيشي إلى انتفاضة عمّت البلاد وطالبت بإسقاط الجمهورية الإسلامية. وبلغ القمع ذروته في 8 و9 كانون الثاني 2026، حين قطعت السلطة الإنترنت وأطلقت قواتها النار على المتظاهرين، في ما عدّته منظمة العفو الدولية أشدّ فترات القمع دمويةً في عقود من رصدها. وأقرّ المجلس الأعلى للأمن القومي بسقوط 3117 قتيلًا، ووثّقت منظمات حقوقية أكثر من ستة آلاف، وتحدثت المقررة الأممية الخاصة عن خمسة آلاف على الأقل وربما عشرين ألفًا، فيما ذهبت تقديرات طبية وإعلامية إلى ما يفوق ثلاثين ألفًا.
ثمّ جاءت الحرب. ففي 28 شباط 2026، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا واسعًا قُتل في يومه الأوّل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، واختار مجلس الخبراء بعد أيام ابنه مجتبى خلفًا له. ولم يسقط النظام؛ بل ردّ بالصواريخ وبإغلاق مضيق هرمز، وشدّد قبضته في الداخل بموجة إعدامات سياسية. وبعد هدنة أولى في أبريل/ نيسان ومذكرة تفاهم رعتها باكستان في حزيران، تجدّد القتال في يوليو/ تموز، وظلت الحرب، حتى خريف 2026، معلّقة بين جولات قتال ومفاوضات متعثّرة لم تبلغ تسوية.
وقد كشفت هاتان المحطتان خريطة البدائل بوضوح قاسٍ. فالشعار الذي ملأ الفراغ في الشارع هذه المرّة لم يكن يساريًا، ولا حتى شعار 2022 الرافض للشاه والمرشد معًا، بل كان في أحيان كثيرة ملكيّاً: هتافات باسم رضا بهلوي الذي دعا من منفاه إلى التظاهر، في حنين إلى ما قبل 1979 يقابل، على نحو معكوس، الحنين العربي إلى يسار تلك الثورة. وأعلنت «مجاهدي خلق» «حكومة مؤقتة» من المنفى. وتوحّدت الأحزاب الكردية، وفيها فرعان من «كومله»، في ائتلاف يدعو إلى إسقاط النظام. أما اليسار التاريخي، فاكتفى بالبيانات: أيّد حزب تودة الانتفاضة ورفض في الوقت نفسه استبدال «الاستبداد الديني» بملكية تعود على ظهر التدخل الخارجي، ثم أدان الحرب بوصفها عدوانًا إمبرياليًا ودعا إلى السلام وصون وحدة البلاد؛ ووصف فدائيو الأقلية الحرب بأنها «حرب وحوش»، رافضين الاصطفاف مع واشنطن وتل أبيب ضد النظام.
أمّا «مجاهدي خلق»، فقد نُقل من تبقّى من أعضائها في العراق، نحو ثلاثة آلاف، بين عامي 2013 و2016، إلى ألبانيا برعاية أميركية، حيث أقاموا «معسكر أشرف 3» في قرية مانز. وتدير مريم رجوي التنظيم، في ظلّ اختفاء مسعود رجوي منذ عام 2003 وترجيح وفاته، بخطاب موجَّه إلى الغرب يركّز على حقوق الإنسان وإسقاط النظام، بالتوازي مع إدارة انضباطية مغلقة في الداخل. غير أنّ الخناق ضاق عليها: فبعد أن قطعت ألبانيا علاقاتها بإيران عام 2022 إثر هجوم سيبراني نُسب إلى طهران، داهمت الشرطة الألبانية المعسكر في 20 حزيران 2023 وصادرت مئات الحواسيب والخوادم، للاشتباه في استخدامها لأنشطة سياسية وسيبرانية تخالف شروط الاستضافة، وصرّح رئيس الوزراء إيدي راما بأن بلاده «ليست مهتمة بخوض حرب بالوكالة». وفي الشهر نفسه حاولت شرطة باريس حظر التجمّع السنوي للمنظمة لدواعٍ أمنية، قبل أن يُبطل القضاء الإداري القرار. ومع اندلاع الحرب في 28 شباط 2026، أعلن «المجلس الوطني للمقاومة» من المنفى «حكومة مؤقتة»، وكثّف أنصاره اعتصاماتهم في العواصم الغربية، فيما تقول المنظمة إن عشرات من المتهمين بالانتماء إليها ومن معتقلي انتفاضة يناير/ كانون الثاني أُعدموا خلال عام 2026. لكنّ ذلك كله لم يغيّر موقعها: كيان إعلامي وسيبراني منضبط، يحظى بدعم سياسيّين غربيّين، ومعزول عن الشارع الإيراني.
وأما الفصائل اليسارية التاريخية، فقد آل أمرها إلى هامش تنظيمي كامل في الداخل وإلى المنافي في الخارج. فحزب تودة ما زال يصدر صحيفته «نامه مردم» وبياناته من أوروبا في كل منعطف. وفدائيو الأغلبية تحولوا إلى تنظيم اشتراكي ديموقراطي علني، اندمج قسم كبير منه عام 2018 مع «اتحاد فدائيي الشعب» ويساريين آخرين في «حزب اليسار الإيراني (فدائيو الشعب)»، فيما احتفظ قسم آخر بالاسم وبصحيفة «كار»؛ وفدائيو الأقلية حافظوا على خطهم الماركسي- اللينيني المتشدّد، وينشطون أساسًا عبر موقعهم الإلكتروني ومنشوراتهم. والتنظيمات الماوية، من «حزب رنجبران» إلى «حزب العمل الإيراني (توفان)» و«الحزب الشيوعي الإيراني (الماركسي- اللينيني- الماوي)»، صارت كيانات منفى لا تتجاوز فاعليتها الإصدارات الدورية والمواقع الإلكترونية. وكذلك تيارات الهامش: أحزاب تروتسكية صغيرة في بريطانيا، و«راه كارگر» في فرانكفورت، و«الحزب الشيوعي العمالي» بانشقاقاته، و«الحزب الشيوعي الإيراني» و«كومله» في كردستان والمهجر، وشبكات فوضوية لامركزية يغلب عليها النشاط الإلكتروني، وإن ظلّ الفوضويون وحدهم يؤكدون حضورًا ميدانيًا، محدودًا ومجهول الهوية، في الاحتجاجات الأخيرة.
النتيجة المشتركة لكلّ هذه المسارات واحدة: تحوّلت الفصائل اليسارية التاريخية إلى أرشيف فكري ومجموعات دراسية نقدية منتشرة بين برلين وستوكهولم وباريس ولندن، تقتصر أنشطتها على نشر المقالات التحليلية، وإصدار البيانات، وتوثيق سردية «التاريخ المنسي» لليسار الإيراني، من دون أن تملك ثقلًا ميدانيًا أو تنظيميًا داخل إيران. وهذا ما يفسّر لماذا لم تجد الموجات الاحتجاجية المتلاحقة، من احتجاجات 2009 إلى احتجاجات 2017-2018 واحتجاجات الوقود 2019 فانتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» 2022 وصولًا إلى انتفاضة شتاء 2025-2026، أيّ قيادة أو إطار تنظيمي يساري تاريخي يوجّهها؛ فقد سبقت هذه الحركاتُ تلك الفصائلَ بأشواط، ونمت في فراغ تركته تلك الفصائل التي بقيت أسيرة أُطُرها الأيديولوجية والجغرافية القديمة.
واللافت أنّ الصوت اليساري الوحيد الذي صدر من الداخل لم يأتِ من الأحزاب، بل من النقابات المستقلّة، أي من الوسط نفسه الذي خرج منه ميثاق 2023. فقد أعلنت «نقابة عمال شركة حافلات طهران وضواحيها»، خلال الانتفاضة، أنّ خلاص العمّال والكادحين لا يأتي من زعيم يُسقَط عليهم من فوق، ولا من الاتكال على قوى أجنبية، ولا من أجنحة السلطة. وتكرر الموقف نفسه مع الحرب: لا للقنابل، ولا للعقوبات، ولا للاستبداد. وهو «خط ثالث» جديد، يرفض الحرب والنظام معًا، ويشبه في بنيته ما حلمت به تيارات الهامش قبل أربعة عقود، لكنه بقي، تحت القصف والإعدامات والاعتقالات التي طالت المعلمين والنقابيين، موقفًا أخلاقيًا بلا قدرة على قيادة الشارع.
وفي هذا الموقف تتجلّى مفردات يسار اجتماعيّ جديد تحمله في الداخل حركات طلابية وعمّالية ونسويّة: العدالة الاجتماعية، والحقوق البيئية، وحقوق القوميات والأقليات الدينية، والنقابات المستقلة عن الدولة وعن الحزب معًا؛ لا المنظومات العقائدية الكبرى التي هيمنت على يسار القرن العشرين، من الماركسية السوفياتية إلى الماوية والغيفارية والتروتسكية. وليس هذا مجرّد تبدّل في المفردات، بل قطيعة جيلية مع منطق «الحزب الطليعي» نفسه، لمصلحة مطالب محلّية ملموسة وتنظيمات أفقية لا مركزية.
خاتمة: من النوستالجيا إلى القراءة الناقدة
وهنا تكتمل الدائرة التي فتحناها في المقدمة: فالسؤال «لماذا نعود اليوم إلى اليسار الإيراني؟» لم يكن سؤالًا بلاغيًا، بل تحذيرًا منهجيًا من قراءة هذا التاريخ بعين النوستالجيا. فالواقع الراهن الذي استعرضناه، أي تشظّي الفصائل التاريخية إلى أجنحة متنافسة، وانحصار نشاطها في المنافي منذ أكثر من أربعة عقود، وغيابها عن قيادة أيّ من الموجات الاحتجاجية المتعاقبة داخل إيران (2009، 2017-2018، 2019، 2022، 2025-2026)، ليس نتيجة عرضية لمظلومية تاريخية أو «سرقة ثورة»، كما تحب الرواية الحنينية أن تصوّر الأمر، بل هو الثمرة المتوقعة لذلك الانفصام المعرفي والثقافي بين عقل نظري مستورد وواقع اجتماعي محلي معقد، الذي تتبعناه منذ بداية هذه الدراسة. فاستمرار الهامشية نفسها حتى اليوم، بعد نحو خمسة عقود على الثورة، هو في حدّ ذاته أقوى دليل على أن المسألة لم تكن حادثة عابرة تُعزى كلها إلى ظرف أمني طارئ، بل خللًا أعمق ظلّ فاعلًا عبر تغيّر الأنظمة والأجيال والظروف.
وقد جاءت أحداث 2025-2026 لتمتحن هذه الخلاصة امتحانًا قاسيًا. ففي أشدّ لحظات النظام ضعفًا منذ قيامه، بين مجزرة يناير/ كانون الثاني 2026 ومقتل المرشد في الحرب، لم يظهر اليسار التاريخي فاعلاً في أيّ من الميادين الثلاثة التي يتقرّر فيها مصير البلاد: لا في الشارع، حيث علت شعارات ملكية تحنّ إلى ما قبل 1979؛ ولا في السلاح، حيث تحركت الأحزاب القومية في الأطراف؛ ولا في الدبلوماسية، حيث تفاوضت واشنطن مع النظام نفسه. وفي المقابل، لم يُثبت أيٌّ من منافسيه أنه البديل: فالنظام لم يسقط بالقصف ولا بمقتل رأسه، والحنين الملكي لم يتحوّل إلى تنظيم في الداخل، و«الحكومة المؤقتة» لمجاهدي خلق بقيت إعلانًا في المنفى. وفي هذا درس يتجاوز اليسار: إنّ حنين إيرانيّين كثيرين إلى الشاه وحنين عرب كثيرين إلى يسار الثورة وجهان لعطب واحد، هو البحث عن الخلاص في ماضٍ متخيَّل بدل بناء حامل اجتماعي في الحاضر. أما ما بقي حيّاً من اليسار، فهو مفرداته لا تنظيماته: فموقف النقابات المستقلّة، الرافض للحرب والاستبداد معًا، هو الصيغة الوحيدة التي جمعت العدالة الاجتماعية بالاستقلال الوطني وبالديموقراطية، أي ما عجزت الفصائل التاريخية عن جمعه. لكنّه، حتى الآن، موقف بلا قوّة.
ثمّة قراءة مضادة، يتبنّاها باحثون جادّون، منهم كتّاب قريبون من تيار فدائيي خلق، وباحثون مثل بيمان وهاب زاده، ترى في هذا التفسير البنيوي شكلاً من «التحيُّز الاسترجاعي»: أي أنه يقرأ التاريخ من نقطة النهاية، هزيمة اليسار وسيطرة الخميني، ثمّ يُسقط هذه النتيجة على البدايات وكأنها كانت محتومة. وهي تُرجع، في المقابل، إجهاض تجذّر اليسار الشعبي إلى عوامل ظرفية: الحسم الأمني المبكر الذي فتك بجيله المؤسّس، وضيق الهامش الزمني الفاصل بين سقوط الشاه وإحكام الخميني قبضته، ثمّ حملة التصفيات الممنهجة بين 1981 و1988. هذه الملاحظات صحيحة تاريخيًا ولا يجوز إغفالها. غير أنها تفسّر توقيت النهاية وحدّتها، لا ديمومة الهامشية بعدها. فلو كان العامل الأمني هو التفسير الحاسم الوحيد، لكان من المتوقّع أن يستعيد اليسار الإيراني في المنافي، وقد تحرّر من القمع المباشر وامتلك عقودًا من الحرية النسبية في أوروبا لإعادة بناء نفسه فكريًا وتنظيميًا، بعضًا من قدرته على مخاطبة المجتمع الإيراني ولو عن بعد. لكنّ ما حدث هو العكس: فقد ازداد انغلاق هذه الفصائل على ذاتها وعلى نقاشاتها الداخلية، بينما نشأت خارج مظلّتها موجاتٌ احتجاجية جديدة، تحمل مفردات يسار اجتماعي مختلف (العدالة الاجتماعية، البيئة، حقوق القوميات، النقابات المستقلة)، من دون حاجة إلى وسيط أيديولوجي من الإرث القديم. وهذا ما يرجّح، في نهاية المطاف، أنّ العامل البنيوي، لا الحادث الأمني وحده، هو الذي يفسّر جوهر القصّة: فالقمع عجّل بنهاية مسار كان هشّاً من الداخل، ولم يخترع هشاشةً لم تكن موجودة، والدليل أنّ الهشاشة نفسها استمرت في المنفى، حيث لا يوجد قمع مباشر.
من هنا، فإنّ المهمّة الفكرية الحقيقية ليست إحياء إرث هذا اليسار أو الترحّم عليه، بل فهم شروط إخفاقه البنيويّ بدقّة، مع الإقرار بأنّ العنف السياسي عجّل هذا الإخفاق وضاعف كلفته الإنسانية الفادحة، من دون أن يكون سببه الجذري. وفي هذا الفهم مادة نقدية أنفع لأي مشروع تحرّري أو ديموقراطي مقبل في إيران التي تقف اليوم على مفترق لم تعرف مثله منذ 1979، من أي استرجاع عاطفي لبطولات مفترضة أو «فرص ضائعة» لم تكن، في واقع الأمر، متاحةً لتيار ظلّ، حتى في ذروة جماهيريّته في الأربعينيات وغداة الثورة، غريب عن اللغة التي يفهم بها أغلب المجتمع نفسه. فالسؤال الذي تطرحه إيران اليوم يتجاوز مَن يرث اليسار إلى مَن يستطيع أن يفعل ما لم يفعله: أن يجد لأفكار العدالة والحرية حاملًا اجتماعيًا من داخل المجتمع، لا من فوقه ولا من خارجه.
المراجع
أراني، تقي. «ماترياليسم ديالكتيك» (المادية الجدلية)، مجلة دنيا، طهران، العدد الأول، 1934. أعيد نشرها ضمن: آثار و مقالات (أعمال ومقالات)، كولونيا، 1977.
أحمدزاده، مسعود. الكفاح المسلح: استراتيجية وتكتيك معًا. طهران: منشورات فدائيي خلق، 1970.
بويان، أمير برويز. ضرورة الكفاح المسلح ودحض نظرية البقاء. طهران: منشورات فدائيي خلق، 1970.
جزني، بيژن. سلسلة كراسات «الكفاح ضد استبداد الشاه» و«ما يجب أن يعرفه الثوري»، طهران (توزيع سري)، أوائل السبعينيات.
منظمة مجاهدي خلق. الكراسات التأسيسية: «شناخت»، «تكامل»، «راه انبيا، راه بشر»، «نهضت حسيني». وثائق داخلية، أواخر الستينيات.
رجوي، مسعود. الرسالة ذات الاثني عشر بندًا، سجن قصر، طهران، 1975.
شهرام، تقي. «لنرفع راية الصراع الأيديولوجي عاليًا»، وثيقة داخلية، منظمة مجاهدي خلق، طهران، 1974.
طبَري، إحسان. كژراهه: خاطراتي از حزب توده ايران (الطريق المعوج: ذكريات من حزب تودة الإيراني). طهران: أمير كبير، 1987. (نص كُتب تحت الإكراه في سجن إيفين، ويُقرأ في ضوء ظروف إنتاجه).
كيانوري، نور الدين. خاطرات نورالدین کیانوری (مذكرات نور الدين كيانوري). طهران: مؤسسة ديدغاه للأبحاث والنشر، 1992. (مقابلات أُجريت بعد الإفراج عنه وتحت إشراف أمني، وتحمل بالتالي طابعًا اعترافيًا موجَّهًا لا مذكرات حرة).
Abrahamian, Ervand. Iran Between Two Revolutions. Princeton: Princeton University Press, 198.
Abrahamian, Ervand. Tortured Confessions: Prisons and Public Recantations in Modern Iran. Berkeley: University of California Press, 1999.
Ahmadzadeh, Hashem, and Gareth Stansfield. "The Political, Cultural, and Military Re-Awakening of the Kurdish Nationalist Movement in Iran." Middle East Journal 64, no. 1 (2010).
Amnesty International. Architects of Atrocities: State Machinery Orchestrating Crimes Against Humanity in Iran's 2022 Woman Life Freedom Uprising. September 2024. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2024/09/iran-two-years-after-woman-life-freedom-uprising-impunity-for-crimes-reigns-supreme/
Amnesty International. "What happened at the protests in Iran?" January 2026. https://www.amnesty.org/en/latest/campaigns/2026/01/what-happened-at-the-protests-in-iran/
Anarchist Front (Iran). "Against all governments, against their war!" Interview, Anarchist News, 2026.
Anarchist Front. "Iranian Anarchists Say Uprising Is 'Genuine Self-Organisation by Ordinary People'." Interview, Left Renewal, 5 January 2026.
Bayat, Assef. Workers and Revolution in Iran: A Third World Experience of Workers' Control. London: Zed Books, 1987.
.Behrooz, Maziar. Rebels with a Cause: The Failure of the Left in Iran. London: I.B. Tauris, 1999
Council on Foreign Relations, Global Conflict Tracker. "Conflict With Iran." 2026 https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/confrontation-between-united-states-and-iran
Haqshenas, Torab. "COMMUNISM iii. In Persia after 1953." Encyclopaedia Iranica, vol. VI, fasc. 1, pp. 105–112.
International Alliance in Support of Workers in Iran (IASWI). "Statement Against War." Socialist Project, March 2026. https://socialistproject.ca/2026/03/iaswi-statement-against-war/
."Iranian Trade Unions, Civic Groups Issue Charter of Minimum Demands." IranWire, 16 February 2023
Katouzian, Homa. The Political Economy of Modern Iran: Despotism and Pseudo-Modernism, 1926–1979. New York: New York University Press, 1981.
Nayeri, Kamran. "A Brief History of the Iranian Trotskyist Movement." Our Place in the World: A Journal of Ecosocialism, 17 July 2025.
Nayeri, Kamran. "Mahmoud Sayrafizadeh: The Father of Iranian Trotskyism." Kamran Nayeri's Writings, 7 August 2019.
Radio Free Europe/Radio Liberty. "Albanian Authorities Suspect Iranian Dissidents Residing In Camp Of Several Crimes." 22 June 2023. https://www.rferl.org/a/albania-iran-peoples-mujahedin-organization/32467998.html
Rahnema, Ali. Call to Arms: Iran's Marxist Revolutionaries: Formation and Evolution of the Fada'is, 1964–1976. London: Oneworld, 2021.
Rajavi, Maryam. "NCRI provisional government conference for a democratic Iran." 5 March 2026. https://www.maryam-rajavi.com/en/online-conference-supporting-ncri-ten-point-plan/
Sohrabi, Naghmeh. "Remembering the Palestine Group: Global Activism, Friendship, and the Iranian Revolution." International Journal of Middle East Studies 51, no. 2 (2019).
.Taghvaie, Hamid. "Who was Mansoor Hekmat?" Marxists Internet Archive
."The Revolt in Iran Is Rallying Its Diverse Working Class." Jacobin, March 2023
Tudeh Party of Iran. Statement on the uprising, 11 January 2026; Statement on the war, 6 March 2026. https://www.tudehpartyiran.org/en/2026/01/11/statement-of-the-tudeh-party-of-iran-long-live-the-dynamic-encompassing-and-heroic-uprising-of-the-iranian-people-against-the-dictatorship-of-ali-khamenei/
Vahabzadeh, Peyman. A Guerrilla Odyssey: Modernization, Secularism, Democracy, and the Fadai Period of National Liberation in Iran, 1971–1979. Syracuse: Syracuse University Press, 2010.
Vahabzadeh, Peyman. "FADĀʾIĀN-E ḴALQ." Encyclopaedia Iranica, 2010. https://www.iranicaonline.org/articles/fadaian-e-khalq/
Vahabzadeh, Peyman. A Rebel's Journey: Mostafa Sho'aiyan and Revolutionary Theory in Iran. London: Oneworld, 2019.
Vahabzadeh, Peyman. The Art of Defiance: Dissident Culture and Militant Resistance in 1970s Iran. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2022.
.Vahabzadeh, Peyman. "A Forgotten Rebel." History Workshop, 2025