قضية الأسبوع ثورة تشرين
ميغافون ㅤ

أشباح «17 تشرين»

17 تشرين الأول 2026

كائن «حيّ-مَيت»

قرّر التيار الوطني الحرّ إحياء الذكرى السنوية لـ13 تشرين 1990 هذه السنة بتاريخ 17 تشرين. ربّما تأجّل تاريخ الذكرى لأسباب تتعلّق بالطقس، لكنّ المفارقة لم تفت رئيس التيار. فكتب: 

نحيي ذكرى 13 تشرين 1990، السبت 17 تشرين 2026 للربط بين التاريخين؛ الأول كان عسكري والثاني اقتصادي؛ الاثنين استهدفا قصر بعبدا، مركز الشرعية، للنيل من تيار الحرية والسيادة والاستقلال؛ في المرتين، كان لهم الذل وكانت لنا الكرامة، فاستمرينا.

بعد 7 سنوات على «17 تشرين»، ما زالت الانتفاضة الشعبية تؤرّق التيار الوطني الحرّ، هي التي أطاحت بالتسوية الرئاسية، معلنةً أزمة النظام اللبناني. لكن خارج هذا الهوس العوني فيها، لم يتذكّر أحد انتفاضة «17 تشرين» هذا العام، خاصّة بعد سنوات من الأزمات والانهيارات والحروب التي حوّلتها، بأحسن الأحوال، إلى آخر محاولة للاعتراض على نظام كان قد بدأ بالتهاوي.

في ذكراها السابعة، باتت «17 تشرين» أقرب إلى شبح، أي تجربة «حيّة-ميتة» تبدو عالقة في زمن ما، من غير المعروف ما إذا كان علينا رثاؤها أم إعادة إحيائها، استذكارها بحنين أم نقدها بقسوة. دخلت «17 تشرين» إلى متحف الأشباح الذي بات يشكّل خلفية السياسة اللبنانية، من شبح الحرب الأهلية إلى شبح «4 آب»، إلى شبح بلد بات بأكمله أقرب إلى كائن «حيّ-ميت». 

قيل الكثير عن «فشل» هذه الانتفاضة الشعبية، وبعد 7 سنوات على حدوثها، لا داعي لإضافة نصّ جديد على تقليد النقد الذاتي، لو لم يصل إلى الحكم «عهد إصلاحي»، بنى جزءًا من شرعيته على «الخطاب الإصلاحي» الذي حملته الانتفاضة. فالانتفاضة الشعبية التي أرادت الإصلاح فشلت، لكنّ العسكر والتكنوقراط كانوا جاهزين لتحمّل المسؤولية ودفع الإصلاح «من فوق».

«17 تشرين-الشارع» انتهت، لكنّ «17 تشرين-الإصلاح» باتت مشاركة في سدّة الحكم. في هذه المعادلة، تكمنُ أزمة الاعتراض في لبنان، أزمة من المفيد العودة إليها بعد 7 سنوات على الانتفاضة في ظلّ لحظة راهنة بات الاعتراض فيها شبه مستحيل. 

الإصلاح في وجه التحرّر

جمعت لحظة «17 تشرين» حساسيّتَيْن سياسيّتَيْن، اعتُقِد آنذاك أنّهما متكاملتان. الأولى، «حساسيّة تحرّريّة»، رأت في الانتفاضة الشعبية ومظاهراتها مدخلًا لنقدٍ تحرُّريّ لبنية النظام، يقوم على المشاركة والديموقراطية والصراعات الاجتماعية. أمّا الثانية، فكانت «حساسيّة إصلاحيّة»، رأت في الانتفاضة وانتخاباتها مدخلًا لإيصال إصلاحيّين إلى مراكز السلطة من أجل تغيير أداء الدولة. تزامنت هاتان الحساسيّتان خلال أشهُر الاعتراض، قبل أن تبدأ التوتّرات، مع التجربة النيابية لـ«النوّاب التغييريّين»، وذلك قبل أن تتحوّل إلى تناقض واضح مع بروز عهد إصلاحي، تناقُض بين مَيْل تحرّري وديموقراطي من جهة، و«خطاب إصلاحي من فوق»، من جهة أخرى.

هذا التناقض ليس جديدًا على السياسة الاعتراضية في لبنان. فيجد خطاب «الإصلاح من فوق» مصدر إلهامه في تجربة الرئيس فؤاد شهاب، التي شكّلت النموذج لمعظم حركات الاعتراض، والتي تمّ تجديدها بخطاب المجتمع المدني والمنظمات الدولية، والتي قامت جميعها على فرضية أن الديموقراطية عائق أمام الإصلاح. حملت «17 تشرين»، في جزء منها، هذا الميْل «الإصلاحي من فوق»، ورأى بعض أرباب هذا الخطاب في تجربة العهد الإصلاحي تتويجًا لهذا الخط، أخذ شكل تزاوج العسكري مع القاضي، أي رموز الاختصاص المحصّنين أمام أيّ مطلب مشاركة شعبية.

«17 تشرين» باتت شبحًا ليس لأنّها تجربة «حيّة-ميتة» فحسب، بل لأنّ ميْلها التحرّري سقط أمام نزعتها الإصلاحية وخطابها المعادي للسياسة. فبدل السياسة وصراعاتها، هيمنت على الاعتراض مقاربةٌ تقنيّة، تفتقد لأيّ خيال سياسي يمكن أن يقدّم بديلًا عن السائد. وهذا ما تجلّى بتجارب الإصلاحيين، أكان في مجلس النواب أو الحكومة، حيث لم يقدّم أحدُهم أيّ تجربة يمكن أن تشكّل خروجاً عن السائد المأزوم، خارج فكرة أنّ «الإصلاحي على الأقلّ آدمي».

الخطاب الإصلاحي بات في أحسن الأحوال طريقةً للتعايش مع أزمة النظام، وفي أسوئها مجرّد تواطؤ مع بعض مصالح النظام، أو مساومة مع قوى الأمر الواقع. فبدأ العهد الإصلاحي بفرض مرشح المصارف في مصرف لبنان، وانتهى بالتجديد لرئيس الجامعة اللبنانية، مروراً بتعيينات لمتّهمين بانفجار المرفأ في مراكز رسميّة، عدا عن سياسةٍ ضريبية لا تختلف كثيراً عن سابقاتها وعلى رأسها الـ300 ألف ليرة على البنزين. فتاريخ لبنان الحديث مليء بتجارب «إصلاحيين» دخلوا المعترك السياسي ليتمّ ترويضهم، وتحويلهم في أحسن الأحوال، إلى شهود زور.

تحرير الاعتراض من الإصلاح؟

شاء القدر أن يضع الانتفاضة ضمن سلسلة من الأحداث (المأسوية بمجملها) التي رسمت شكل الخراب الحالي: الانهيار، الانتفاضة، كورونا، انفجار المرفأ، الحرب وما تلاها من حروب… ويحلو لنا اليوم أن نشعر بضغينةٍ تجاهها، لمّا نرى اندماج «17 تشرين-الإصلاح» بالنظام. ولكن في ذلك شيء من الإجحاف، إذ لا تُقاس الانتفاضات بنظرة استذكار، بل بأنّها تحدث الآن وهنا، في لحظتها. آنذاك، وهناك، انتفض الهامش، وزعزع ما زعزعه، واخترق ما اخترقه من علاقاتٍ ومناطق وجمودٍ حكمَ البلاد لعقود. نجت بعض التجارب، وتبدّلت بلا شكّ نظرةٌ ما في المجتمع تجاه القضايا، قبل أن يخبو وهج الانتفاضة.

بعد 7 سنوات على الانتفاضة الشعبية، ربّما ليس علينا العودة إلى أسباب فشلها كما درجت العادة، بل الاعتراف بأنّ «الإصلاح» الموعود قد انتصر، هذا «الإصلاح» الذي هيمن على خطاب الاعتراض منذ عقود. ربّما علينا الاعتراف بأنّ «الإصلاح» قد انتصر لعلّنا بذلك نخرج من هيمنة هذا «الوعد الإصلاحي» الذي ما زال ينظر إلى نفسه وكأنّه معارض، حتى وهو في سدّة الحكم. وربّما علينا الاعتراف بأنّ «الإصلاح» قد انتصر لكي نقتنع أن حاضرنا البائس هو كلّ ما يمكن أن يقدّمه «الإصلاح من فوق». إذا اقتنعنا بذلك، يمكن عندها- ربّما- تحرير المخيّلة الاعتراضية من هيمنة الإصلاح عليها.

في هوسه بـ«17 تشرين»، فهم جبران باسيل طبيعة هذا الحراك، أكثر من الإصلاحيين الذين ورثوه. فهم أنّ هذه اللحظة كانت اعتراضية واجتماعية وقادرة على قبع تسوية رئاسية. وفهم أنّ عليه معاداتها. أمّا ورثة هذه اللحظة، فروّضوها لكي تصبح مجرّد شبح يمكنه أن يبرّر أيّ مشروع حكم.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
قضية الأسبوع

أشباح «17 تشرين»

– ميغافون ㅤ
حدث اليوم - الجمعة 16 تشرين الأول 2026
16-10-2026
أخبار
حدث اليوم - الجمعة 16 تشرين الأول 2026
منع الحجاب في مدارس أذربيجان: من سجال العلمانية إلى صراع الحلفاء
16-10-2026
تقرير
منع الحجاب في مدارس أذربيجان: من سجال العلمانية إلى صراع الحلفاء
حكومة ووزارات تحمي مخالفات المقالع والكسّارات
16-10-2026
تقرير
حكومة ووزارات تحمي مخالفات المقالع والكسّارات
تعليق

نكبتا لبنان في الذكرى المئوية لإقرار دستوره

– زياد ماجد
قطع أثرية منهوبة تُعيدها إسرائيل لليونان
16-10-2026
تقرير
قطع أثرية منهوبة تُعيدها إسرائيل لليونان