لقد تُرِكنا
بعد مشهد التهجير الكبير من الجنوب، جاء مشهد انسحاب الجيش اللبناني من القرى الجنوبيّة المسيحيّة ليصبّ مزيداً من الملح على الجراح. أهالٍ يتجمِّعون في ساحات قراهم، ينظرون بأسى واستغراب إلى دبّابات جيشهم وآلياته وهي تغادر.
إنّه «صمّام الأمان الأخير»، يقولون. «لقد تُرِكنا». رغم ذلك، لا يكفّون عن ترداد عبارات التمسّك بالأرض وبالدولة اللبنانية: «نريد البقاء تحت جناح الدولة». «نحن لن نغادر». «تمسّكنا بالدولة اللبنانية هو خيار نهائي لا رجعة عنه».
شيءٌ ما في هذا المشهد يتجاوز الحزن، أو يجعل منه حزناً خاصّاً، كونه مشهداً تتكثّف فيه المأساة اللبنانية اليوم. فأن تكون لبنانياً اليوم هو أن تتمسّك بأرضك وأن تُحاصَر بعجز ثلاثيّ: عجز المواطنين عن توفير مقوّمات الصمود، عجز الجيش عن تأمين الحماية في وجه الاحتلال، وعجز الدولة عن أداء دورها الجامع والحاضن. هكذا يصبح مشهد الآليات المنسحبة مؤلماً برمزيّته: استحالة هذا المشروع الخلاصيّ المسمّى «دولة»، أو في أحسن الأحوال، تأجيله إلى حين توفُّر ظروف أفضل.
وعد بناء الدولة
منذ الاستقلال، والدولة اللبنانية قيد البناء، لتكون أشبه بمشروع خلاصي، دائم التأجيل. من المشروع الشهابي، إلى إعادة الإعمار بعد الحرب، وصولًا إلى الخطابات المعارضة، بقي «بناء الدولة» شعاراً عابراً للتاريخ والاصطفافات، يوحّد اللبنانيين حول تأجيله الدائم. أمّا الدولة، الفعلية والمهترئة والضعيفة والمرهقة، فتبدو وكأنّها كومبارس، تملأ الفراغ ريثما ينتهي مشروع «بناء الدولة».
ما مِن مؤسسة تعبّر عن هذه الهوّة بين الدولة الفعلية والمهترئة والمشروع الخلاصي لـ«بناء الدولة»، أكثر من مؤسسة الجيش اللبناني. جيش يراد منه القيام بأدوار سيادية وهو غير قادر على البقاء في قرية، جيش يراد منه أن يكون سلطة وهو محكوم بوفاق خارج عنه.
الدولة الفعلية وجيشها انسحبا من الجنوب، تاركين وراءهم «مشروع بناء» الدولة كرابط أخير بين أطراف البلد المعزولة.
«الظروف الدقيقة الراهنة»
قبل نحو سنة، في نيسان 2025، سُئل وزير الدفاع ميشال منسّى عن جهوزيّة الجيش، فأجاب أنّ الجيش اللبناني على طول جاهز، بالقليلة بالبرستيج تبعه. هيدا هو اللي جاهز فيه، وهيدا هو العنوان والمعنويات اللي فيه يعطيها لهيدا البلد. بعد نحو سنة على هذا التصريح، لم يكن الجيش يبثّ معنويات تُذكَر في نفوس اللبنانيين الذين اختاروا البقاء في قراهم، بل شاهدوا آلياته تنسحب فتتركهم لمصيرهم.
قيادة الجيش نشرت، يوم الأربعاء الماضي، بياناً توضح فيه هذا المشهد، وأنّه أتى نتيجة تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولا سيما في المناطق التي تشهد توغلًا معاديًا في محيط البلدات الحدودية الجنوبية، ما يؤدّي إلى محاصرة وحدات الجيش المنتشرة وعزلها وقطع خطوط إمدادها.
الأهالي لم يسرّهم المشهد، ومع ذلك، قدّروا ظروف الجيش.
فالجيش يشتغل عملياً ضمن استحالَتين، تفرضهما عليه «الظروف الدقيقة الراهنة» كما جاء في البيان.
- قيادة الجيش تعلم أنّ الحكومة قرّرت عدم المواجهة، وتنصّلت صراحةً من مسؤولياتها ومن الحرب، باعتبارها حرباً بين فصيلٍ مسلّحٍ خارج على القانون وإسرائيل، وليست «حرباً على لبنان»، وأنّ الأجدر، في هذه الحالة، الانسحاب.
- ومع توسّع العدوان الإسرائيلي ورقعة الاجتياح البرّي، تعلم قيادة الجيش أنّ تصرّفها الحالي يناقض الهدف الذي وُجد الجيش لأجله: حماية الأرض والناس. قيادة الجيش تعلم أيضاً أن تحقيق هذا الهدف سيستدعي مواجهةً مباشرة مع الجيش الإسرائيلي، وهي مواجهة ممنوعة سياسياً وغير متكافئة عسكرياً..
بين استحالة الوقوف جانباً واستحالة مواجهة إسرائيل، يبحث الجيش عن مخارج.
ولكنّ المشكلة أنّ قرار الجيش تحييد نفسه، لا يعني أنّه محيَّد بالفعل، وهذا ما يزيد الأمر سوءاً، ويُحرج قيادة الجيش كما الحكومة، أمام شهداء الجيش الذي سقطوا وما زالوا يسقطون في هذه الحرب، إذ تتعمّد إسرائيل استهدافهم. آخر هذه الاستهدافات كان الغارة المباشرة التي استهدفت حاجز الجيش في العامرية (طريق القليلة - صور)، وأدّت إلى استشهاد أحد العناصر، وذلك بعد ثلاثة أيّام على استشهاد العريفَين فضل أيوب ومحمد طفيلي، لتصل الحصيلة إلى ستّة عناصر من الجيش على الأقلّ، عدا عن النقاط والآليات المدمّرة.
محاصرة الجيش داخليًّا
تأتي هاتان الاستحالتان ضمن سياق محاصرة الجيش داخليًا.
ففي الأسبوع الأول للعدوان الإسرائيلي على لبنان، تصاعدت حملة الضغوط الأميركية لإقالة قائد الجيش، رودولف هيكل، وقد واكبتها أصوات سياسية من الداخل بالمطلب نفسه. أما السبب، فهو رفض هيكل وضع المؤسسة العسكرية بوجه حزب الله وجرّها إلى صدام داخلي مع الحزب، لتنفيذ الخطة الحكومية بحصر السلاح بيد الدولة. لكنّ الملاحظات الأميركية على هيكل أكبر من ذلك، ومنها أنه رفض تنفيذ المطالب الإسرائيلية عبر لجنة الميكانيزم بتوكيل الجيش تفتيش الأملاك والمصالح الخاصة في جنوب لبنان. وقبل ذلك بأشهر، في تشرين الثاني الماضي، ألغيت زيارة كانت مقرّرة لهيكل إلى واشنطن التي اعتبرته متقاعساً في قيادة جيشه لنزع سلاح الحزب. وفعلياً، كان إلغاء مواعيده الأميركية عقاباً له أيضاً على إصراره على تحميل إسرائيل مسؤولية الوضع المتصاعد في الجنوب، وذلك في اعتداءاتها المتكرّرة على اللبنانيين وبلداتهم.
وفي المقابل، يتعرّض هيكل أيضاً لحملة ضغوط داخلية. مع إطلاق حزب الله الصواريخ الستّة التي مهّدت للعدوان الإسرائيلي الأخير، أصدرت الحكومة قرار حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله. وأوكلت للجيش، من جديد، مهمة تنفيذ القرار، إضافةً لمهمة حصر السلاح الموكل بها أيضاً. فنُفخت فقاعة، ولو إعلامية، تحمل عنوان «الضباط الوطنيون»، وتهدّد بانشقاق ضباط من الجيش في حال حصول أي مواجهة مع عناصر الحزب، وذلك بعد أن كان الجيش قد أوقف عدداً من المسلّحين التابعين للحزب على طرقات النزوح من الجنوب باتجاه بيروت. ولم تقف الحملة هنا، فمع العدوان أيضاً جاء قرار إخلاء الوحدات العسكرية من القرى الحدودية إلى مواقع في العمق اللبناني، ما جعل المؤسسة العسكرية عرضة لانتقادات محور حزب الله.
بين صعوبة تحويل الجيش إلى أداة في وجه حزب الله، والضغوطات عليه لكي يلعب هذا الدور رغم المخاطر على السلم الأهلي، يحاول الجيش المماطلة. لكن إن دلّت المماطلة على شيء، فهو أنّه ليس من خيارات أمام الجيش غير الانسحاب، الزمني هنا بعد المكاني من الجنوب، حفاظًا على ذاته.
بناء الدولة على حساب ما تبقّى من الدولة
من أجل بناء الدولة، على الجيش الدفاع عن سيادتها. لكنّه غير قادر على ذلك.
من أجل بناء الدولة، على الجيش فرض قرارات الحكومة. لكنّه غير قادر على ذلك.
من أجل بناء الدولة، على الجيش فرض سلطته. لكنّه غير قادر على ذلك.
بين مشروع بناء الدولة والدولة الفعلية، هوّة كبيرة، وهي الهوّة التي تنمو فيها النزاعات الأهلية.