تحليل انفجار المرفأ
جوناثان داغر

تهمة طارق بيطار

7 نيسان 2022

المتّهم: طارق بيطار

طبعًا من المؤسف أن يعرف المدّعى عليهم أسماءهم والادعاء عليهم من وسائل الإعلام. (7 تموز 2021)

بهذا الموقف، افتتح حسن نصرالله المحاكمة الشعبية للمحقّق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت. اعتبر أنّ تسريب أسماء المدّعى عليهم للإعلام هو نوع من التوظيف السياسي للقضية، تهمة خجولة وبايخة، ومن المفهوم أن لا نتذكرها بعد مرور عام.

 فنصرالله، على الأرجح لا يتذكرها أيضًا.

هي تهمةً ابتكرها على عجل بعد ادّعاء بيطار على وزراء ونواب وأمنيين مقرّبين منه، وتضاءلت بعد حين. ولكنها تكاد تكون بلا أهميّة تُذكَر مقارنةً بالاتهامات الأخرى التي أضافها إليها فيما بعد. فتلتْها اتّهامات أعظم، تفنّن في إبداعها، زيّنها بمصطلحاتٍ قانونية وبعباراتٍ مؤامراتية وقدّمها لجمهوره بأداءٍ مذهلٍ.

لكنّ نصرالله يعلم، كما نحن، أنّ هذه الاتهامات كلّها فارغة. 

فبعد «التسريبات الإعلامية»، اتّهم نصرالله بيطار بـ«التكتّم عن التقرير الفنّي». ثم اتّهمه بالاستنسابية. ثم بتنفيذ أجندات أميركية. ثم حمّله مسؤولية الميني-حرب الأهلية في الطيونة. لم تصمد أي من هذه التهم ولم يتمسّك بها أحد.

ذلك أنّ التهمة تفرّخ وتكبر وتنتشر وتعود وتختفي… لتفرّخ مكانها تهمة جديدة. على مدى أشهر، فبركَ المتّهمون التهم ضد بيطار من لا شيء. من لا شيء، اخترعوا مواد قانونية للتهرّب من حضور التحقيق. من لا شيء، حوّلوا محقّقًا عدليًا إلى مهدِّد للأمن القومي. من لا شيء اخترعوا «طلبات ردّ» و«دعاوى مخاصمة» رفضها القضاء واحدة تلو الأخرى، لأنها في الحقيقة- وكما يعلم الجميع- «لا شيء».


التهمة الأولى: الانحياز للضحايا

على مدى أشهر، كرّر الإعلام خبرية «القاضي المسيّس». تسابقت الأبواق، من رأس الهرم إلى أسفله، لتردّد الموّال نفسه، تحوّلت إلى التهمة الرئيسية التي تسلّح بها المتّهمون لتقديم طلبات الردّ ضدّ بيطار وعرقلة التحقيق!

قد يظنّ البعض بسبب الضجيج الذي أثاره شعار «التسييس» والكمّ الهائل من طلبات الرد التي قدّمت بناءً عليه، أنه يرتكز إلى أدلّة جدّية. لكن إذا عدنا بمسلسل الأحداث إلى بدايته، نصل مجدّدًا إلى لا شيء.

هو لا شيء كبير مؤلَّف من «لا أشياء» صغيرة عدة:

  • مقابلة مع طارق بيطار، قيل إنها تفضح انحيازه للضحايا. إلّا أن بيطار نفى على الفور ما نسب إليه.
  • «شعور» لدى المتّهمين بأن القاضي ينحاز إلى الرأي العام ويحاول إرضاءه. فبحسب ما ذكر المتّهمان علي حسن خليل وغازي زعيتر في أحد طلبات الردّ أنه كان على المحقق العدلي أن يُقيم عازلاً سميكاً بينه وبين الرأي العام الهائج.
  • «الاستنسابية» بالادعاء على بعض الوزراء والنواب والقادة الأمنيين من دون سواهم، إلّا أن المحقق العدلي استند بوضوح إلى الأدلة المتوفّرة فقط. فهو لا يستطيع أن يتقدّم بدعاوى ضد من لم يجد دليلاً لتورّطهم بعد، مهما أراد ذلك المتّهمون الآخرون.

هذه هي «الاتهامات» التي يختبئ خلفها دعاة التسييس، اتّهامات فارغة، حزينة، تحور وتدور لتقول: بيطار منحاز للضحايا.  


التهمة الثانية: عدم الانحياز للمجرم

هذه هي التهمة الحقيقية. هذه الشوكة في عين النظام الذي لطالما اتّكل على طاعة القضاة وخضوعهم للمقامات والمقدّسات. ليست المشكلة مع طارق بيطار «انحيازه للضحايا» كما يدّعون، بل جرأته في عدم الانحياز إليهم.

طبعًا، ليس في استطاعتهم أن يعترفوا بذلك مباشرةً. لذلك تنتحل هذه التهمة صياغاتٍ قانونية ألطف: «المحقق العدلي يتخطّى صلاحياته»، «المحقق العدلي يخالف الدستور بملاحقة الوزراء والرؤساء السابقين». طبعًا، لا صلة لهذه الاتهامات بالواقع. فالمحقّق العدلي اتّبع كل الإجراءات القانونية المرعية، والبرهان أنه اصطدم بالحصانات.


القاضي والعازل السميك

في 4 آب 2020، تلوّنت السماء بالأحمر. لا أعلم أين كان طارق بيطار عند السادسة من ذاك المساء، ولكنني متأكّد من أنه شعر بعصف الانفجار كما شعرتُ به أنا على بعد 600 متر من عنبر مرفأ بيروت. كما شعر به أهلي في الجبل على بعد 50 كيلومتراً من العنبر ذاته. كما شعر به أصدقائي في الغربة على بعد آلاف الكيلومترات.

ننسى أحيانًا حجم الانفجار. ننسى الصوت الذي دوّى صداه في كل لبنان والرعب الذي دمّر مئات آلاف البيوت والحزن الذي خيّم فوق العاصمة لأيامٍ وأسابيع وأشهر ولا يزال.

ولكن أمام حجم الجريمة هذه، يطلب منّا المتّهمون أن نجد لهم قاضيًا «غير منحاز للضحايا». يريدون قاضيًا من غير كوكب، مجرّداً من أي علاقة بالمجزرة. يشترطون قاضيًا يغمض عينيه كلّما مرّ من صوب المرفأ، فلا ينعره شبح الإهراءات.

يقولون: كان على المحقق العدلي أن يُقيم عازلاً سميكاً بينه وبين الرأي العام الهائج.  

لا.

كان على المحقق العدلي أن يقيم عازلًا سميكًا حديديًا بيننا نحن الضحايا وبينكم أنتم المجرمين. كان على المحقق العدلي أن يُسقط كل الاعتبارات ويخترق كل الحواجز القانونية التي تتلطّون خلفها. كان على المحقّق العدلي أن يكسّر كل الشكليات ويتجاوز كل الأعراف ليؤدّي بكم إلى السجن من أوّل يوم.

ربّما كانت تهمتُه الوحيدة أنه لم يفعل ذلك بعد، بل انتظركم لتفبركوا أنتم الاتهامات من لا شيء.

هكذا تحوّل الـ«لا شيء» إلى تهمة، والقاضي إلى متّهم، وأشرس جريمة بتاريخ لبنان إلى مجرّد… «لا شيء».  

آخر الأخبار

الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه
إسقاط 3 مسيّرات في أصفهان
إسقاط مشروع عضوية فلسطين كدولة في الأمم المتّحدة